عدنان الصائغ: لا أستطيع أن أكتب وأفكر وأحلم إلا بلغتي

alarab
ثقافة وفنون 11 أغسطس 2012 , 12:00ص
حاوره بلندن: نور النعيمي
غادر عدنان الصائغ العراق صيف 1993 نتيجة للمضايقات الفكرية والسياسية التي تعرض لها. وتنقل في بلدان عديدة، منها عمان وبيروت، حتى وصوله إلى السويد خريف 1996، وإقامته فيها سنوات عديدة، ثم ليستقر بعدها في لندن منذ منتصف 2004. شارك الصايغ في العديد من المهرجانات الشعرية في العراق والسويد وهولندا وألمانيا والنرويج والدنمارك والدوحة وعمان وبيروت ودمشق والقاهرة وصنعاء وعدن والخرطوم.. صدرت له العديد من المجاميع الشعرية والكتب النثرية والترجمات، يقيم حاليا في لندن، متأبطا ذكريات المنفى ،لتقريب هذا المبدع من القراء الحوار التالي: ¶ عندما يكون محاوري شاعراً عراقياً عاصر سنوات الحروب والجنون والعبث والغربة، سيفرض السؤال الأول نفسه وبشدة: ترى ما صنعت الحروب بك؟ - كأنك في سؤالك هذا يا صديقي تستعيد سؤال كلكامش لصديقه أنكيدو عن أحوال العالم السفلي الذي رآه. فاسمح لي أن أجيبك كما أجابه: «لن أقصَّ عليك أخبار العالم الأسفل يا صديقي. وإذا كان لا بد من إخبارك، فعليك أن تجلس وتبكي!». هذه الجملة في اللوح الثاني عشر من «ملحمة كلكامش»، تختصر لك الكثير من تاريخ هذا البلد الذي ولدنا فيه، ورأينا فيه ما رأينا من حروب وطوفانات وثورات وحصارات وطغاة وغزاة، جنباً إلى جنب ما رأينا من حضارات وخيرات وخيمياء وكتب وأغانٍ وسحر وفن.. غير أن اللافت للنظر على مدى حقبه -خاصة الأخيرة- هو ضياع الكثير من أبنائه وخيراته في سواتر الحروب أو الشتات. الحروب بتفرعاتها وإفرازاتها هي التي ألقت بنا في هذه المنافي الباردة، وأضاعت خيراتنا ونثرت آثارنا للنهب في عواصم العالم. فهذا اللوح الذي حدثتك عنه، مثلاً، لن تجده في المتحف العراقي، لكنك ستراه أمامك وأنت تدخل المتحف البريطاني ومعه الآلاف من القطع الأثرية النادرة التي نهبت منا على مرأى من عيون العالم والتاريخ. ¶ في تلك المرحلة الزمانية، كانت لك التجربة الأكثر لمعاناً، «الرجل الذي ظلَّ في هذيانه يقظاً». هل كانت سرداً نفسياً لتفاصيل الحرب التي خضتها، أم سيرة ذهنية انطلقتَ فيها من فضاءات الهذيان، كيما تواري معاني خشيت أن تفصح عنها في اليقظة؟ - بالتأكيد، كان الهذيان -بلغته المواربة والمتشابكة– محاولة فنية لإخفاء تلك الحشرجات الحبيسة في حلوقنا وصدورنا، خشيةً من الرقيب الحديدي الذي لا يرحم. حاولت أن أوظف الخطاب المستتر لأقول الذي أريد. لكن المسرح الذي كانت خشبته تلتهب، كشف وجوهنا –رغم إكسسواراته ومكياجه– فقادني ذلك، وقبلي المخرج والمعدّ إلى التحقيق. ثم بعدها بأشهر قليلة غادرتُ الوطن نهائياً. ¶ ما الذي تبقى من تجربتك في «المسرح الشعري»، بعد أن «تأبطت المنفى»، هل وأدتها؟ - أحب المسرح كثيراً، لكنني لم أكتبه كنص. كانت لي قصائد طويلة حوّلها مخرجون بارعون إلى أعمال مسرحية مثل: «هذيان الذاكرة المرّ»، التي قُدمتْ على مسرح أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 1989. و»الذي ظلَّ في هذيانه يقظاً» التي قُدمتْ على مسرح الرشيد عام 1993. وكلتاهما من إخراج: الفنان غانم حميد وإعداد: الكاتب إحسان التلاّل. وقدم الفنان المسرحي حسن هادي القصيدة نفسها، ونصوصا أخرى لي، في أربعة أعمال: «مسرحية التنور» عام 2004 على المسرح Teater Xالسويدي، و»مسرحية الـ DNA» بالاشتراك مع نصوص للشاعر السويدي آرنه زارنك Arne Zaring عام 2006 على مسرح Verkstan التابع لأوبرا مدينة مالمو. والعرض الفني «Vi b?rjar» عام 2006. والعمل المسرحي «هللوووووHalooooo» خريف 2007. والعملان الأخيران قدما على مسرح البلاديوم السويدي وكانا مُعدين عن نصوص لي وللشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر قبل فوزه بجائزة نوبل للآداب عام 2011. وقد عرض «هللوووو» في القاهرة والمغرب وهو من تمثيل فرقة سكارابيه. وأخرج الفنان فلاح إبراهيم قصيدتي «خرجتُ من الحرب سهواً» في بغداد عام 2007. وكانت لي تجربة أخرى قدمها مسرح X Teater في مدينة مالمو ومدن سويدية أخرى عام 2001، وهي قراءات شعرية لي تقوم بقراءة ترجمتها تمثيلاً الفنانة الممثلة السويدية ليزا فري Liza Fry، داخل لوحات للفنان جعفر طاعون وبانتومايم للفنان سرمد مكي. كما يمكن الإشارة هنا إلى كتابة بعض الأعمال المسرحية، نهاية السبعينيات، قدمها المخرج سعد دعيبل على مسارح النجف والكوفة، وقدم المخرج سلام الخاقاني عملين لي أحدهما بعنوان «البحث عن مدينة أخرى» على مسرح نقابة المعلمين في النجف، والآخر «محاكمة الشاعر دعبل الخزاعي» على أحد المسارح في كربلاء. ثم توقفتُ بل عجزتُ تماماً عن مواصلة هذه التجربة الجميلة، وكذلك توقفتُ إلى حد ما عن مواصلة الكتابة النثرية والصحافية معاً، متفرغاً للشعر بكل كياني وحواسي، منذ العام 1997 ولليوم، بعد استقراري في السويد ثم لندن. تاركاً للمخرجين والمعدين –إن رغبوا وأحبوا– حرية الأخذ والإعداد ما يرونه صالحاً للمسرح من نصوصي الشعرية. ¶ بعد ذاك (خرجت من الحرب سهواً)، وأزعم أن العالم بدأ لك حين خرجت من آتون الوطن في أوئل التسعينيات، أكثر دهشة، وأقل سلاماً، كيف تغير خطابك الشعري تبعاً لذلك؟ - كانت الحياة، هناك زمنذاك، خانقة وقاتلة وكالحة كأنها في خوذة. ومن هنا جاء عنوان ديواني «سماء في خوذة» عام 1988 والذي طُبع ثم مُنع. «واختنقتُ بدمعةِ ذلي: - يا سماءَ العراقِ.. أما من هواءٍ تلفّتُ.. كانتْ سماءُ العراقِ مثقّبةً بالشظايا». وعندما «خرجتُ من الحرب سهواً» (وهذا عنوان أيضاً لأحد قصائدي بعد حرب الخليج الثانية عام 1991)، وغادرتُ الوطن عام 1993، لأجد نفسي –ولأول مرة- أمام فضاء مفتوح لم آلفْهُ من قبل. ورغم صغر هذا الفضاء، كنتُ أراقص حريتي على الورق، وفي الشوارع أحياناً كسجين يرى الشمس لأول مرة. وراحت لغتي تعيد تشكيل نفسها وتقتنص موضوعات جديدة وتستكشف العالم. فولد أول ديوان لي في الغربة عام 1994، حمل عنوان «تحت سماء غريبة». ¶ كنت وما زلت جزءاً من المشهد الشعري في هذا الجزء من العالم المسمى اصطلاحاً بالشرق الحزين، إلاّ أن الحبل السري مع رحم الشرق لمْ يُقطع أبداً، أما آن الأوان لتقطع هذا الحبل إلى ولادات عالمية؟ - اسمح لي أن أخالفك الرأي في قطع هذا الحبل. فأنا أرى أن امتدادي في رحم الشرق هو نافذتي وطريقي إلى العالم الآخر. الجذور هي المنبع الأول والأهم لأي شاعر، وهي المنجم الذي لا ينضب ولا غنى عنه مهما امتلكنا من موارد أخرى. ¶ أنا سألت ذلك لأنك مارست مؤخراً تجربة الترجمة الشعرية الحية أمام جمع من المتلقين، من خلال قراءات شعرية باللغة العربية، تترجم من قبل شعراء أجانب إلى لغات الحضور، ألا ترى أن هذه التجربة محفوفة بالمخاطر؟ - في سؤالك شقان، سأذهب إلى الأول، لأؤكد بشكل عام أن في الشرق كنوزاً إبداعية ومجاهيل سحرية تغري القارئ الأجنبي في ولوج أسرارها والتمعن في لمعانها. أما في الشق الثاني، فأجد أن الترجمة من وإلى اللغات الأخرى، هي جسر ضوئي، معرفي جمالي، لكلا الضفتين. ووسيلة ضرورية للغاية للوصول والتواصل والحوار والاستكشاف. والترجمة تحتاج مهارة توازي الإبداع أحياناً لكي تصعد بالنص إلى مكانته الإبداعية، وتعيد إليه ما فقده ربما من حرارة وإيقاع أو حتى معنى نتيجة ترجمته إلى اللغة الأخرى. ¶ الشاعر السويدي الكبير توماس ترانسترومر فاز مؤخراً بجائزة نوبل للآداب 2011، وقد كان لك كلام فيه قبل الفوز، ربما نبوءة وربما انحياز مبكر، أنت، كيف ترى الأمر؟ - إنه شاعر مدهش بكل معنى الكلمة شدني إليه شعره وروحه الوهاجان عميقا الأغوار. وكانت لي معه لقاءات عدة أولها عام 1999 في قاعة المرايا في مسرح هيب في مالمو، وآخرها هذا العام في أول أمسية شعرية له في لندن في المكتبة البريطانية، مساء الجمعة 20 أبريل 2012. قبل أن ألتقيه بسنوات كنتُ أستذكر له مقطعاً جميلاً يقول فيه: «جئتُ لألتقي ذلك الذي يرفع فانوسه، لكي يرى نفسه فيَّ..». وقد وضعتُه في شهادتي الشعرية التي قدمتُ بها مجلد الأعمال الشعرية، وعندما أخبرته وقتها سعد بذلك. كان ذلك عام 2004، في أثناء مشاركتي في الأمسية التي أقيمت في قاعة Villa Ravenna للاحتفاء به. ثم التقيته عام 2007 في مسرح البلاديوم السويدي، عندما حضرنا معاً لمشاهدة العرض المسرحي المُعد عن نصوصنا. والتقيته وزوجته مونيكا قبل أسابيع، في نهاية أمسيته الشعرية الموسيقية في المكتبة البريطانية، ولم يمنعه حشد الصحافيين المحلقين حوله من أخذ يدي إلى الغرفة المخصصة له. ¶ كتابة الشعر باللغة العربية مقلقة لشاعر طموح مثلك، لأن مساربها نحو العالمية غير معبدة تماماً، وهذا ما لمسه ربما أدونيس ودرويش والبياتي وسعدي يوسف، متى يعيد العالم اكتشاف الشعر العربي الحديث؟ - مهمتي أن أكتب بلغتي. لا أستطيع أن أكتب وأفكر وأحلم إلاّ بها. وذلك ما كان عليه الشعراء الذين ذكرتهم وغيرهم (عدا استثناءات قليلة أو من عاش في الغرب في سن مبكرة). ومهمة الترجمة هي نقل التجارب إلى الآخر، وهذه يقوم بها متخصصون لهم شأنهم وشأوهم. في العالم المتحضر هناك مؤسسات وخطط سنوية وعقدية بينما لا تزال الترجمة في الكثير من بلداننا خبط عشواء، ومزاجاً وأهواءً. وإذا ما أدركنا ذلك عرفنا عن قرب حجم الكارثة الثقافية التي نحن فيها فإجمالي الترجمة إلى العربية يقرب من 330 كتاباً في السنة، لحوالي 300 مليون نسمة. و «هو رقم لا يتجاوز خُمس ما يترجمه بلد مثل اليونان وحده يسكنه 12 مليون نسمة!». وأن «إسرائيل وحدها تترجم 10000 كتاب سنوياً لـ 6 ملايين نسمة»! بينما «عدد الكتب المترجمة إلى العربية في ثلاثة عقود من عام 1970 إلى عام 2000 يعادل 6881 كتابا وهذا يعادل ما نقل في عام واحد إلى اللغة الليتوانية التي يبلغ عدد الناطقين بها أربعة ملايين شخص فقط». كما «أن ناتج إسبانيا يقرب من 920 كتاباً لكل مليون من السكان. وهذا يعني أن الإجمال التراكمي للكتب المترجمة عندنا منذ عصر المأمون حتى الآن يصل إلى نحو 10 آلاف كتاب وهو رقم يوازي ما تترجمه إسبانيا في عام واحد». و»قد كانت الترجمة العربية عام 1970 تصل إلى 11 في الألف بالنسبة لما أنتج في سائر أنحاء العالم، أما في عام 1986 أي بعد ستة عشر عاماً فقد تراجع ما ترجم في الوطن العربي إلى 6 في الألف لتحتل بذلك المركز الأخير». كل هذه الإحصائيات وغيرها من التقارير المفزعة وضعتها كجرس إنذار، في كتابي «القراءة والتوماهوك، ويليه، المثقف والاغتيال»، الصادر في بيروت 2010. ¶ آخر مجموعاتك الشعرية كانت ديوان «و»، إلى أي شيء أردت أن تعطف، ديوانك الأخير؟ - «معطوفاً» على ما مضى، وما سيأتي، وعلى العالم والآخر. و «استئنافاً» أو تواصلاً أو تقاطعاً. وهو أيضاً واو الجماعة الذين نعيش بينهم. واو للجمع والربط وتتابع الأشياء والأحداث والتواريخ والأزمنة والأمكنة وغيرها. واو «القسم» و «المعية». و «الحال» و «الابتداء» و «الإشباع» و «الزائدة» و «الجزاء» و «الفصل» و «الاعتراضية» و «جمع المذكر السالم» و «الأسماء الخمسة» و «الثمانية». واو بمعنى: «ربَّ». واو مقترنة بـ «إمّا، لكن، لا». الواو الداخلة على حرف الاستفهام. الواو التي «حسب ما قبلها».. وغيرها وغيرها.. وهذا كما ترى غيض من فيض اللغة التي لا حد لبحارها وأسرار قيعانها ودهشة ممالكها. واللغة هي واحدة من أدوات الشعر. فكم هو عميقٌ ومدهشٌ ومكتزٌ ولا نهائيٌّ هذا العالم الشعري!. وهذا الديوان الذي صدر العام الماضي 2011، يأتي بعد حوالي 10 سنوات من صدور آخر ديوان لي «تأبط منفى»، وبعد 10 مجاميع شعرية صدرت خلال ربع قرن.. حاولتُ فيه التنويع قليلاً أو كثيراً على تجربتي الشعرية. والآن أنا منشغلٌ تماماً بإكمال ديواني القادم «نرد النص» والذي طال انتظاره. وهو قصيدة طويلة أو نص مفتوح بدأت الكتابة فيه عندما كنتُ في بيروت عام 1996، ولا أزال. هكذا ترى إذاً، كل شيء في الحياة والتاريخ والكتابة والإبداع، معطوفاً على ما قبله وما بعده أيضاً. فلا شيء يأتي من فراغ.. وهذه إحدى ثيمات الديوان بالإضافة إلى ثيمات أخرى يحملها هذا الحرف العاوي والمتعجب والحائر بكل تقلباته وصفاته ومهامه. ¶ في زمانات «الربيع العربي».. هل يصح القول إن الطغاة رحلوا وأن القصيدة باقية، وكيف تعاملت مع نوازع هذا الفصل الطويل، شعرياً؟ - الربيع، أفرحني بالتأكيد وأفرح كل المتطلعين إلى الحرية في أوطاننا والعالم. لكن الخشية لا تزال من صعود الدكتاتورية ثانية، بلبوس أخرى: دينية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية وغيرها.. وهي خشية طبيعية يعرفها الملدوغ أكثر من غيره. «أسقطوا تمثالَ الدكتاتور من ساحةِ المدينةِ فامتلأتْ؛ ثانيةً، بتماثيلهم». نعم، الطغاة في رحيل، ومعهم الغزاة والظلاميون والجهل وأعداء الحياة. والبقاء للأصلح: الجمال والحرية والبناء ومجد الإنسان.. وهذا ما أؤمن به وأكافح من أجله، شعراً وفكراً وحياة.