الأذان العربي في تركيا.. قصة صمود في وجه العلمانية

alarab
باب الريان 11 أغسطس 2012 , 12:00ص
أنقرة - سعيد عبدالرازق
للأذان في تركيا قصة فريدة تتشابك في فصولها تقاليد القصور العثمانية ومعركة الشعب ضد العلمانية، وعليه قامت حروب وبه انتصرت حكومات دافعت عن بقائه باللسان العربي. استمر الأتراك يتبعون أداء الأذان باللغة العربية منذ دخولهم الإسلام في موطنهم الأصلي بآسيا الوسطى وكذا في وقت تأسيس أول دولة لهم في الأناضول وهي الدولة السلجوقية، وأيضا في أوقات الدولة الثانية المعروفة بالدولة العثمانية. هذا الأمر استمر حتى فترة ظهور المد القومي التركي، أو ما يسمى بالتتريك، بعد صدور لائحة المشروطية الثانية (الاسم الذي أطلقه الأتراك على الدستور الثاني 1908/1918م)، حيث بدأ فريق من القوميين الأتراك الدعوة إلى تتريك الأذان وقراءته بالتركية، ويحتمل أن يكون الأديب التركي ضياء جوك آلب أول من دعا للفكرة في عام 1918 بعد انهيار الدولة العثمانية، وتصاعد المد القومي والطوراني في منطقة سالونيك التي تتبع اليونان حاليا. وتقول الموسوعة الإسلامية الجديدة إن مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة طلب من إسماعيل حقي بالطجي أوغلو في عام 1928، الذي كان يعمل مدرسا بكلية “الإلهيات”، أن يدخل مادة في لائحة الإصلاحات (المادة الثالثة) تتعلق بضرورة أن يكون كل شيء بالتركية. وفي 10/4/1928 صدر قانون التشكيلات الأساسية الذي رفعت فيه عبارات “إن الإسلام دين الدولة” و “إن المجلس الوطني هو الذي يطبق الأحكام الشرعية”، وفي عام 1931 عين أتاتورك ورشيد غالب، وزير المعارف، تسعة من المؤذنين لكي يؤذنوا بالتركية، دون النظر للمعارضة الجارفة من عموم الشعب، لدرجة أن أتاتورك أصدر أوامره للشرطة والأمن بمتابعة أداء الأذان بالتركية، ومعاقبة كل من يخالف. ويعد الحافظ عمر بك السالونيكي أول من أذن بالتركية -على مقام سوزناق- في عام 1932 في جامع “هيصار” بمدينة إزمير الساحلية، كما تعرض المؤذن طوبال خليل للضرب والاعتقال من الشرطة بعد أن أذن بالعربية في “أول جامع” بمدينة بورصة وسط الأناضول التركي عام 1933. ومع علم أتاتورك بالواقعة والرفض الشعبي للأذان بالتركية قطع زيارته لإزمير، وذهب لبورصة، وقال لوكالة أنباء الأناضول التركية: “مثل هؤلاء الرجعيين الجهلاء لن ينجوا من قضاء الجمهورية، إن المسألة ليست متعلقة بالدين قدر ما هي متعلقة باللغة”، وظل الشرطة والقضاء يعاقبان بالحبس لمدة 3 أشهر وغرامة مالية لكل من يقوم بالأذان بالعربية حتى عام 1941. ويعد كمال بيلاو أوغلو شيخ الطريقة التيجانية وخليفته عبدالرحمن بالجي هما اللذان قادا حملة الأذان بالعربية بعد عام 1941، حيث تعرض الكثير من المؤذنين بالعربية للحبس والعقوبات المالية، والوضع في مصحات ومستشفيات الأمراض العقلية. وفي سبتمبر 1948 صدرت فتوى جريئة من رئاسة الشؤون الدينية التركية باعتبار الأذان بالعربية غير مخالف للقانون، وفي أول انتخابات مدنية حرة في تركيا خاض عدنان مندريس منافسة مع خليفة كمال أتاتورك عصمت إينونو، تركزت بالأساس على مطلب جماهيري واحد هو إلغاء المادة 526 عقوبات التي تحظر الأذان بالعربية، ونجح مندريس في اكتساح منافسه وشكل أول حكومة مدنية كان أول ما فعلته إعادة الأذان بالعربية مرة أخرى يوم 16 يونيو 1950م الموافق أول رمضان لعام 1370هـ. ولما كان الأذان العربي قد تعرض لمحنة التتريك في تاريخ الأتراك المعاصر، فإن المخرج السينمائي إسماعيل جونش وكاتب السيناريو عمر لطفي قدما فيلما في عام 1991 بعنوان “جيزمة” يحكي قصة مقاومة أهالي قصبة تركية (تقع على ساحل البحر الأسود) لأداء الأذان بالتركية، وتحديهم للسلطات حتى تم إعادة الاعتبار للأذان. واليوم ومع تولي رئاسة هيئة الشؤون الدينية التركية الشأن الديني بعد إلغاء وزارة الأوقاف الإسلامية حافظت على عادة الأتراك العثمانيين بتعيين مؤذن لكل جامع، كما اعتمدت تنظيم دورات لتدريب واختيار ومسابقة سنوية للمؤذنين. ورغم قلة المصادر والمراجع التي تؤرخ لمسيرة الأذان عند الأتراك السلاجقة مؤسسي أول دولة تركية بالأناضول 1070 إلى 1299، فإن بعضا من الآثار الدينية التي تركوها في مناطق كونيا وقيصري وسيواس ونيغده بوسط الأناضول التركي تدل على أن السلاجقة كان لديهم اهتمام بالغ بالأذان، وهو شيء غير مستغرب، إذ إن الذي بنى الجوامع والمساجد ذات مآذن عالية وزخارف مبهرة ومدارس لتحفيظ القرآن والحديث النبوي الشريف، وعلوم الدين، لا يمكن أن يغفل أهمية الأذان في الإسلام. بيد أن العناية التركية بالأذان تبدو أكثر وضوحا عندما ننتقل لفترة الدولة العثمانية التي دامت حوالي 6 قرون (1300-1923)، إذ أولى السلاطين والأمراء والباشاوات وحتى زوجات السلاطين وبناتهم عظيم الرعاية والاهتمام للأذان، وفي مراكز ثقافية مثل اسطنبول وبورصة وكونيا وأزمير كان للأذان وضعية، خاصة في الثقافة الشعبية أطلق عليها “سراي تعويري” (أي طريقة أو أسلوب السراي) في إشارة إلى الذين كانوا يقومون برفع الأذان في الجوامع السلطانية في شهر رمضان على طراز معين. وقد خصص السلاطين قسما داخل السراي الحاكم تحت اسم “مؤسسة الأذان”، كان يتم فيها انتقاء أصحاب الأصوات العذبة لتلقينهم دروسا في الموسيقى، ومن ثم اختيار من يصلح منهم لرفع الأذان، وكان مؤذن مسجد أو جامع السراي يطلق عليه تعبير “باش مؤذن” أو “هنكار مؤذن” (أي كبير المؤذنين) الذي يقوم برفع الأذان يوم الجمعة والأعياد في الجوامع الكبيرة التي كان السلطان يذهب إليها، كما كان هناك مجموعة من المؤذنين لدى كبير المؤذنين تتكون من 15 إلى 30 مؤذنا، كان يطلق عليها تعبير “مؤذناني خاصة”. وللتدليل على الاهتمام الذي أولاه السلاطين العثمانيون للأذان يكفي أن نذكر أنهم أوقفوا وقفيات خيرية من أجل الأذان، كما هي الحال مع وقفية جامع السليمانية و “يني جامع” في اسطنبول لخديجة طورخان سلطان.