أبو جندل وبناؤه مسجداً على قبر أبي بصير

alarab
باب الريان 11 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ فريد الهنداوي
ذكر الإمام الحافظ ابن عبدالبر في كتابه «الاستيعاب» (1/513) في ترجمة أبي بصير عتبة بن أسيد بن جارية، قال: «وله قصة في المغازي عجيبة، ذكرها ابن إسحاق وغيره، وقد رواها معمر عن ابن شهاب، ذكر عبدالرزاق، عن معمر، عن ابن شهاب، في قصة القضية عام الحديبية، قال: ثم رجع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى المدينة فجاءه أبو بصير، وهو رجل من قريش، وهو مسلم، فأرسلت قريش في طلبه رجلين، فقالا لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) العهد الذي جعلت لنا أن ترد إلينا كل من جاءك مسلماً، فدفعه النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الرجلين، فخرجا حتى بلغا به ذا الحليفة، فنزلوا ليأكلوا من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني أرى سيفك هذا جيداً يا فلان، فاستله الآخر، وقال: أجل والله، إنه لجيد، لقد خرجت به ثم جربت، فقال له أبو بصير: أرني أنظر إليه، فأمكنه منه، فضربه حتى برد، وفر الآخر حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) حين رآه: «لقد رأى هذا ذعرا». فلما انتهى إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: قتل والله صاحبي، وإني لقتول، فجاء أبو بصير، فقال: يا رسول الله، قد والله وفت ذمتك، وقد رددتني إليهم، فأنجاني الله منهم، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): «ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه أحد». فلما سمع ذلك علم أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر، قال: وانفلت منهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو، فلحق بأبي بصير، وجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة قال: فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلا اعترضوا لهم، فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) تناشده الله والرحم إلا أرسل إليهم، فمن أتاك منهم فهو آمن. وذكر موسى بن عقبة هذا الخبر في أبي بصير بأتم ألفاظه وأكمل سياقه، قال، وكان أبو بصير يصلي لأصحابه، وكان يكثر من قول الله العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصره. فلما قدم عليهم أبو جندل كان هو يؤمهم، واجتمع إلى أبي جندل حين سمع بقدومه ناس من بني غفار و «أسلم» و «جهينة» وطوائف من العرب، حتى بلغوا 300 وهم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير، لا يمر بهم عير لقريش إلا أخذوها، وقتلوا أصحابها. وذكر مرور أبي العاص بن الربيع بهم وقصته، قال: وكتب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إلى أبي جندل وأبي بصير ليقدما عليه، ومن معهما من المسلمين أن يلحقوا ببلادهم وأهلهم، فقدم كتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على أبي جندل، وأبو بصير يموت، فمات وكتاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده يقرؤه، فدفنه أبو جندل مكانه، وصلى عليه، وبنى على قبره مسجداً. وذكر ابن إسحاق هذا الخبر بهذا الخبر المعني، وبعضهم يزيد فيه على بعض، والمعنى متقارب إن شاء الله تعال» أهـ. * وقد طار القبوريون بهذه القصة كل مطار، واستدلوا بها على جواز بناء المساجد على القبور، معرضين متفائلين عن نهي الله –تعالي- ونهي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك، فإنه من أبشع وأشنع صور الشرك بالله. * التحقيق: قال العلامة الألباني في كتابه «تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد» (ص114-120) في هذه القصة: «أما بناء «أبي جندل» (رضي الله عنه) مسجدا على قبر «أبي بصير» (رضي الله عنه) في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) فشبهة لا تساوي حكايتها، ولولا بعض ذوي الأهواء من المعاصرين اتكأ عليها في رد تلك الأحاديث المحكمة لما سمحت لنفسي أن أسود الصفحات في سبيل الجواب عنها وبيان بطلانها، والكلام عليها من وجهتين: الأولى: رد ثبوت البناء المزعوم من أصله، لأنه ليس له إسناد تقوم الحجة به، ولم يروِه أصحاب «الصحاح» و «السنن» و «المسانيد» وغيرهم، وإنما أورده ابن عبدالبر في ترجمة أبي بصير من «الاستيعاب» (4/21 و23) مرسلاً فقال: «وله قصه في المغازي عجيبة، ذكرها ابن إسحاق وغيره، وقد رواها معمر عن ابن شهاب. الوجهة الثانية: أن ذلك لو صح لم يجز أن ترد به الأحاديث الصريحة في تحريم بناء المساجد على القبور لأمرين: أولا: أنه ليس في القصة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) اطلع على ذلك وأقره. ثانيا: أنه لو فرضنا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) علم بذلك وأقره فيجب أن يحمل ذلك على أنه قبل التحريم؛ لأن الأحاديث صريحة في أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حرم ذلك في آخر حياته كما سبق، فلا يجوز أن يترك النص المتأخر من أجل النص المتقدم -علي فرض صحته- عند التعارض، وهذا بيِّن لا يخفي، نسأل الله تعالي أن يحمينا من اتباع الهوى» أهـ.