السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع

alarab
باب الريان 11 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. راسم محمد عبد الكريم •
قال الله العزيز العليم في محكم كتابه الكريم: «وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ». التفسير القديم: قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الرجع: المطر، وعنه: هو السحاب فيه المطر، (والسماء ذات الرجع) تمطر ثم تمطر. (والأرض ذات الصدع) قال ابن عباس هو انصداعها عن النبات. ومن تفسير القرطبي لقوله تعالى: «وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ» أي ذات المطر ترجع كل سنة بمطر بعد مطر، «وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ» أي تصدع عن النبات والشجر والثمار والأنهار. التفسير العلمي الحديث: يصف الخلاق العظيم الباري الأرض بأنها ذات الصدع، والسماء بأنها ذات الرجع، وهي صفات علمية دقيقة للأرض والسماء فقد كشف علماء الفلك أن طبقة التروبوسفير التي هي إحدى طبقات الغلاف الجوي للأرض تقوم بإرجاع ما تبخر من الماء على شكل أمطار إلى الأرض من خلال دورة دائمة سميت بدورة تبخر الماء. كما اكتشف علماء الفلك أيضاً أن طبقة الستراتوسفير وهي التي تضم طبقة الأوزون تقوم بإرجاع وعكس الإشعاعات الضارة المافوق بنفسجية إلى الغطاء الخارجي، وبالتالي فهي تحمي الأرض من الإشعاعات الكونية القاتلة، فهي تعتبر حاجزاً منيعاً يحول دون وصول كميات كبيرة من ضوء الشمس وحرارتها إلى الأرض. أما طبقة الثيروموسفير فإنها تقوم بعكس وإرجاع موجات الراديو القصيرة والمتوسطة التردد AM، SW الصادرة من الأرض، وهذا ما يفسر إمكانية استقبال هذه الموجات من مسافات بعيدة جداً. يتضح مما تقدم أن أهم صفة للسماء كشف عنها العلماء في القرن العشرين هي أنها ذات الرجع، كما أقسم الله تعالى بالأرض ذات الصدع أي التي تتصدع وتنشق ليخرج منها النبات بعد ارتوائها بماء المطر، كما أنها أيضاً ذات الصدوع التي تكونت في باطنها وصارت مكاناً تتفجر منها موارد الغاز الطبيعي والبترول وينابيع المياه المعدنية، والمواد البركانية وغير ذلك، ولا يوجد وصف تكنى به السماء والأرض أحسن من هذا الوصف من الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه. صلاحية الأرض لمعيشة البشر والحيوانات: قال تبارك وتعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ». التفسير القديم: من تفسير القرطبي لقوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً...» أي سهلة تستقرون عليها، والذلول المنقاد الذي يذل لك والمصدر الذل وهو اللين والانقياد أي لم يجعل الأرض بحيث يمتنع المشي فيها بالخشونة والغلظة. التفسير العلمي الحديث: الأرض في دوران مستمر فهي تدور حول نفسها بسرعة ألف ميل في الساعة، وتدور حول الشمس بسرعة هائلة تبلغ 60000 ميل في الساعة، كما أن المجموعة الشمسية تجري في مدارها بسرعة عظيمة تبلغ 20000 ميل في الساعة، كما أن المجرات ومنها المجرة التي فيها شمسنا تبتعد عن بعضها في السماء البعيدة مندفعة بسرعة هائلة تبلغ 1400 ميل في الثانية، ولكي تدور المجرة حول نفسها دورة كاملة والشمس معها فيلزمها ما يقرب من 250 مليون سنة. ومع ذلك لا نحس نحن أهل الأرض بأية حركة أو اضطراب على سطح الأرض، فكأننا راكبو دابة لينة سهلة مريحة. فما أصدق قول الرحمن الرحيم الذي غمرنا بأفضاله: «هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً...» في إعداد قشرة الأرض للحياة: قال تبارك وتعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً». وقال تعالى: «وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ». التفسير القديم: قوله تبارك وتعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً» أي بسطها ومهدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشُم الشامخات. «لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً» أي خلقها لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم من نواحيها وأرجائها وأقطارها. «وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا» أي جعلناها فراشاً للمخلوقات، «فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ» أي جعلناها مهداً لأهلها. ومن تفسير القرطبي في قوله تعالى: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً» أي مبسوطة. «لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً» السبل الطرق، والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسعة. وفي قوله «وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا» أي بسطناها كالفراش على وجه الماء ومددناها. التفسير الحديث: هذا البساط الذي قد فُرش هو القشرة الأرضية؛ أي تلك الصدفة التي تصلبت وأجرى الله تعالى خلالها الأنهار وأنبت النبات فجعلها صالحةً لحياة الإنسان، أما الطبقات التحتية للكرة الأرضية فهي ساخنة جداً وسائلة وغير صالحة لأي نوع من أنواع الحياة، وفيها معادن وأحجار منصهرة ثقيلة. وفي كلامه الأزلي: «وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا». ومعنى الآية الكريمة يتوافق مع أدق النظريات الجيولوجية التي وصل إليها العلم أخيراً. فباطن الأرض أثقل من قشرتها، ويخرج إلى سطحها عندما تضطرب الحمم والصخور الملتهبة إلى سطحها الذي أعده الله برحمته ليعيش الإنسان والحيوان بطمأنينة وراحة... فالحمد لله الرحمن الرحيم. dr_Rasimmuhammad@yahoo.com •