الحق ينفع الناس مادياً وروحياً في الدنيا والأخرة

alarab
باب الريان 11 أغسطس 2011 , 12:00ص
الكلمة الطيبة {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} هنا ضَرَب الله المثل بالكلمة الطيِّبة. ما هي الكلمة الطيِّبة أولاً؟! الطيِّب أحيانًا يُراد به الطيب في الطعم، تقول: هذا طعام طيِّب – يعني مشتهىً أو لذيذا. والطيّب في الرائحة، تقول: ريح طيبة. والطيب في النتيجة، والثمرة، تقول: هذا أمر نتيجته طيبة، يعني يؤتي ثماراً كريمة... الخ. فالكلمة الطيِّبة هنا الكلمة التي لها آثار طيِّبة، هي في نفسها طيّبة، وآثارُها طيّبة أيضاً. الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله: ما هذه الكلمة؟ بعض المفسِّرين قالوا: الكلمة هي كلمة الإسلام، كلمة التوحيد، كلمة الإخلاص، كلمة التقوى، كلمة الشهادة، كلمة: (لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله). البعض قال: هذه هي الكلمة لأنها مفتاح الإسلام، ومَدْخَل الإسلام، بماذا تدخل الإسلام؟ أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله. وهي التي قال فيها الله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً} [الفتح:26]. وبعضهم قال: الكلمة الطيِّبة المقصود منها: القرآن؛ لأنه يحتوي الكلام الطيب والقول الطيب الذي يهدي إلى الله، ويهدي إلى صراطه المستقيم، ويهدي للتي هي أقوم، ويدل الإنسان على الحقوق والواجبات، ويُرشدهم إلى الآخرة، وكيف يَتَجنَّبون ما يُسْخِطُ الله، ويحصلون على ما يُرضي الله. القرآن هو الذي يشمل هذا كله، وكلام الله أو كلمة الله. كما يقول ابن مالك: (وكلمة بها كلام قد يؤم) قد تقول كلمة، وليس المقصود كلمة: مبتدأ وخبر، أو فعل وفاعل. لا، الكلمة قد تكون موضوعاً، فتقول: فلان له كلمة في هذا المؤتمر، وقد يتكلم ساعة، فالكلمة قد يُقْصَد بها الكلام. ولكن يقال: إنَّ الكلمة الطيبة كلمة التوحيد أو الشهادة أو القرآن الكريم باعتباره كلام الله: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود:1]، {لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت:42]. الكلمة الطيبة: دعوة الإسلام: وبعضهم قال: المراد بالكلمة الطيبة هنا: دعوة الإسلام، الدعوة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم وأرسله الله {بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} [التوبة:33]، دعوة الإسلام التي ختم الله بها الدعوات والرسالات، وجاءت بالشريعة الكاملة والخالدة، شريعة الإسلام الصَّالحة والمصلحة لكلِّ زمان ومكان. ونقول: لا مانع أبداً أن تشمل هذه الكلمة كل هذه المعاني، فالكلمة الطيِّبة تتَّسع لهذا كله، تشمل كلمة التوحيد (الشهادتين)، وتشمل القرآن الكريم وما يدعو إليه وما يهدي إليه، وتشمل دعوة الإسلام التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم. الشجرة الطيِّبة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}: مثَّل الله الكلمة الطيِّبة؛ بالشجرة الطيِّبة. فما هي هذه الشجرة؟ بعضهم قال: إنها شجرة النخلة. النخلة شجرة طيِّبة، وجاء ذلك في بعض الأحاديث، وهي التي شبَّه بها النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن، أو شبَّه المؤمن بها، كما في حديث ابن عمر أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها – صيفاً ولا شتاء- وإنها مثل المسلم فحدِّثوني ما هي؟ فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أنها النخلة فاستحييت - ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال هي النخلة». كان يمتحنُ الصحابة: مَنْ يعرف هذه الشجرة؟ فَقَعد الناس يأتون بشجر البوادي، وقال ابن عمر: خطر في بالي أنها النخلة، ولكن وجدت في القوم أبا بكر وعمر وكبار الصحابة، فاستحْييت – وهو صغير – فقال له عمر: لو قلتها لكان أحبَّ إلى من كذا وكذا. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم - بعد أن ضربوا يميناً وشمالاً ولم يهتدوا إليها – قال: «إنها النخلة». بعض المفسِّرين قال: المراد بالكلمة الطيبة:النخلة؛ لأن النخلة شجرة ينتفع فيها، من كلِّ شيء، ينتفع بالثمرة، ينتفع بها بُسْراً، وينتفع بها رطباً، وينتفع بها تمراً، حتى النواة التي يمكن أن ينتفع بها الحيوانات تأكلها. وأيضاً جريد النخل ينتفع به، وورق النخل والخوص يصنع به أشياء كثيرة. وكذلك سعف النخل، وليف النخل، وزيت النخيل، وحتى جذع النخل... كل شيء في النخلة ينتفع به، ولذلك لا عجب أن يضرب بها المثل «مثلها كمثل المؤمن». فهي شجرة طيِّبة؛ طيبة في شكلها، طيِّبة في رائحتها، طِّيبة في طعمها، طيبة في منافعها، شجرة طيِّبة، ووصفُ الطيب وصفُ محمود في الأشياء، تقول: هذا طيب وهذا خبيث، وفي الكلام: كلام طيِّب وكلام خبيث، وفي الناس: إنسان طيِّب وإنسان خبيث، والله تعالى يقول: {قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة:100]. فتقسيم الأشياء، والبشر، والنبات إلى خبيث وطيب تقسيم معروف. أوصاف الشجرة الطيبة: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} هذه الشجرة الطيِّبة من أوصافها: الصفة الأولى: رسوخ أصلها. شجرة ثابتة ليست متزعزعة، رخوة العوج، عائمة على وجه الأرض، لو هبَّت ريح تقتلعها، لا... هذه شجرةٌ لها رسوخ، وفعلاً النخلة من الأشجار التي لها رسوخ، ففي العواصف حين تشتدّ تقتلع كثيرًا من الأشجار، إنما النخلة صعب أن تقتلعها إلا على سبيل النُّدرة، فهي ثابتةٌ، أصلها ثابتٌ. الصفة الثانية: أنها عالية الفروع، فرعها في السماء، فهي ثابتة الجذور عالية الغصون والفروع، فروعها عالية. السماء: يطلق على كلِّ ما علاك، في المرتفع حتى السقف يمكن أن يطلق عليه سماء{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ} [الحج:15]. أي: حبل إلى السقف. أو يقال: {وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} أي: في جهة السماء، المراد بفرعها: فرعٌ عالٍ، عالية الفروع ثابتة الجذور. الصفة الثالثة: {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} الأُكل: ما يُؤْكَلُ منها من ثمرات. أي: الثمرة التي يستفاد منها، تعطي ثمرتها في كلِّ حينٍ، في كلِّ وقت، بعض الشجر يعطي في الصيف، وبعض الشجر يعطي أكله في الشتاء، وبعضه في الربيع، وبعضه في الخريف، وبعضه يعطي في السنة مرة، وبعضه أكثر من مرتين، وبعضه كل سنتين، إنما المهم أنَّ هذه الشجرة تُؤْتي أُكلَها كلَّ حينٍ، في الحين المؤقَّت لها: {بِإِذْنِ رَبِّهَا}. دلالة كلمة: {بِإِذْنِ رَبِّهَا}: وكلمة: {بِإِذْنِ رَبِّهَا} أي: بتيسيره وبمباركته وبتوفيقه وبتفهيمه؛ لأنَّ كلَّ ما يجري في الكون هو بإذن الله عز وجل. نُموُّ الشجرة وارتفاعها وإيتاؤها أُكلها كلُّ ذلك بإذن الله. لو لم يأذن الله للشجرة أن تنمو ما نمت، لو لم يأذن أن تُؤْتي أُكلها ما آتت. من الذي يعطي الشجرة غذاءها؟ تمتصُّ غذاءَها من الأرض، من الأملاح والمعادن بقدر معلوم، لا يمكن أن تمتصَّ شجرة الليمون ما تمتصُّه شجرة التفاح، لا.. هذه شجرة حمضية، وهذه شجرة حلوة، فهذه تأخذ من الأملاح ما لا تأخذه غيرها، من الذي علَّم الشجرة هذه؟ الله هو الذي أَذِنَ لها، بإذن ربِّها، فالنباتات تختلف: {وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ} [الحجر:19]. العلماء الآن – علماء الجيولوجيا والنباتات والأحياء – يقولون: فعلاً كل شيء موزون. تعرف أنَّ هذا النبات يأخذ كم مليغرام من الأملاح، ومليغرام من الماء وكذا، كل شيء موزون، وكل شيء بقدر: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً}، ولذلك يقول:{بِإِذْنِ رَبِّهَا} إنها ليست سائبة، إنها مُيَسَّرة بقدر الله عز وجل، تجري بقدر وتمضي بقدر، وتأخذ ما تأخذ من الأرض ومن الشمس ومن الهواء بقدر، من الذي علَّم النباتات أن تستنشق ثاني أكسيد الكربون، نحن نستنشق الأكسجين لولا الأكسجين نهلك، ولكن نتنفس ثاني أكسيد الكربون الذي نتنفسَّه هو الذي يمتصُّه ويستنشقه النبات، نحن نستغني عن هذا والنبات يحتاجه، والنبات يتنفس. الأكسجين نحتاجه نحن، من الذي صنع هذا التَّبادل بين المملكة الحيوانيَّة والمملكة النباتيَّة؟! نحن – ونحن أصحاب العقول – لم نُركِّب هذا، وطبعاً الحيوانات والنباتات لم تركب هذا، من الذي ركِّب هذا كله وقدَّره فأحسن التقدير وأحسَنَ كلَّ شيء خلقه؟ {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} [النمل:88]: إنه الله، ولذلك قال:{ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}. هذه أوصاف هذه الشجرة: أنها شجرة طيِّبة، وأن أصلها ثابت، وأن فرعها في السماء، وأنها { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}، وهذا هو الذي ينبغي أن تكون عليه الكلمة الطيبة، تكون كهذه الشجرة الطيِّبة، تكون ثابتة، غير مزعزعة غير متشكِّكة. بين كلمة الباطل وكلمة الحق دائمًا أهل الريب، أهل الكفر، أهل الجحود، هؤلاء دائمًا شاكُّون مشككون لا يثبتون على شيء، يتشكَّك في كل شيء، هذه ليست من أوصاف الكلمة الطيبة، فشك المرتاب ليست هي الكلمة الطيبة، لأنها ليست ثابتة الأصل، كلمة مزعزعة لأدنى شيء تنهار؛ لأنَّ الباطل لا أساس له، ولذلك الباطل خفيف الوزن وقليل الثبات، لا يثبت أمام الحق: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ)[الأنبياء:18]. القرآن يقول: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً) الزبد: الرغاوي المنتفخة التي تَطْفو على سطح الماء، أو الأشياء والغثاء التي يحملها السيل، أوراق القش والحطب وأمثال هذه الأشياء، هذا هو الزَّبد الذي يذهب جُفَاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. وهكذا الكلمة الطيبة ثابتة وفرعها في السماء، عالية المقدار واضحة لا تتخفى، إنها تنبئ بنفسها، تُعبِّر عن نفسها، الباطل دائمًا يحبُّ أن يتخفى، إنما الحق يريد الظهور، فالحقُّ ثابت؛ وهذا معنى كلمة حق. حقَّ يحقُّ أي: ثَبَت يثبت، فالحقُّ من شأنه الثبات، وأول من أطلق عليه كلمة الحق هو الله تبارك وتعالى؛ لأنه هو الثابت الذي لا يتغيَّر ولا يزول ولا يحُول: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)[يونس:32]. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ)[الحج:62]. الحقُّ من شأنه الثبات ومن شأنه العُلو والظهور، والحقُّ أيضًا الكلمة الطيِّبة -كلمة الحق- من شأنها أن تُعطيَ ثمارها وفوائدَها للناس في كلِّ حينٍ، الحقُّ هو حقٌّ في ذاته، ولكن مع هذا ينفع الناس: (وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ)[الرعد:17]. ليس هناك أنفع للناس من الحق، وليس هناك أضر على الناس من الباطل، الحق هو الذي ينفع الناس في الدنيا وينفعهم في الآخرة، ينفع الناس أفرادًا وينفعهم جماعات، ينفعهم ماديًا وينفعهم روحيًّا. بين النفع الماديّ والنفع المعنويّ: الناس أحيانًا تبحث عن النفع المادي فقط، وتنسى النفع الروحي المعنوي، الحق يعطيك الحلاوة كما سمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث حلاوة الإيمان: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهما، وأن يُحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار». من كانت فيه هذه الخصال الثلاث وجد حلاوة الإيمان، هذه الحلاوة لا يحسُّها إلا من كانت عنده هذه الحاسة المعنويَّة التي تتذَّوق الأشياء، لم تفقد هذه الحاسة بالكفر ولا بالشك ولا بالريب. فالكلمةُ الطيِّبةُ ثابتةٌ في أصولها، عاليةٌ ظاهرةٌ في فروعها: (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). المقابلة في القرآن الكريم: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) كما ضرب الله لنا مثل الكلمة في هذه الآية الكريمة، ثم على طريقة القرآن دائمًا يقرن الأشياء بأضدادها كما قال الشاعر: وبضدها تتميز الأشياء والضدُّ يظهر حسنه الضدُّ فلكي يعرِّفنا الحقَّ تمامًا يذكر الباطل، يذكر الشيء وما يقابله، يذكر الوعد والوعيد، يذكر الترغيب والترهيب، يذكر الجنَّة والنار، يذكر الطيب والخبيث. وبعد أن ذكر لنا وضرب لنا المثل بالكلمة الطيِّبة، ضرب لنا المثل في المقابل بالكلمة الخبيثة، لنتمسَّك بالكلمة الطيِّبة ونتجنَّب الكلمة الخبيثة. ولماذا يضرب لنا الأمثال؟ لنستفيد منها، لننتفع بها، لنهتدي بهداها، لا لمجرَّد أن نتعلَّم فقط، التعلم مهم، ولكن المهم بعد العلم: العمل. فعلمٌ بلا عمل كشجر بلا ثمر. ولذلك ضرب لنا المثل بالكلمة الطيِّبة لنبحث عنها ونستمسك بِعُراها، وضرب لنا المثل بالكلمة الخبيثة لنبتعد عنها، فقال تعالى: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ). لم يُفصِّل الله في الكلمة الخبيثة وفي وصفها، كما فصَّل في الكلمة الطيِّبة؛ لأنها هي المقصود، المقصود من ذكر الكلمة الخبيثة التَّحذير منها، إنما المقصود بذكر الكلمة الطيبة التمسُّك بها. الكلمةُ الخبيثة والشجرةُ الخبيثة: (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ) قال المفسِّرون: إنها شجرة الحنظل، لأنها شجرةٌ كثيرة الشوك، شوكها يُؤْذي، وليس لها رائحة طيِّبة، ولا ثَمَر لها، لا تستفيد من ثمرها ولا تستفيد برائحتها، وأيضًا تؤذيك بشوكها، فهي مثل السوء في الأشجار، ولذلك يرى كثيرٌ من المفسِّرين على أنها شجرة الحنظل. وصف الشجرة الخبيثة: والبعض قالوا: ليس المهم أن نُحدِّد الشجرة، المهم أن نُحدِّد أوصافها؛ فهي شجرة ليس من ورائها ثمرة، شجرةٌ عائمة على وَجْه الأرض، ليس لها ثبات ولا رسوخ، الشجرة الطيِّبة أصلها ثابت، وهذه ليس لها أصل، قليلة الأصل، ليس لها أصل بالمرَّة، لذلك قال: (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) اجْتثت: أي اقْتُلعت. الاجتثاث: قطع الشيء من أصله، اقتطعت أي: اقتلعت فلم يبق لها من باقية في الأرض: (اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ) كما أنها أيضًا ليس لها جذورٌ ثابتة، فهي لا تُتعب الذي يريد أن يَجْتثَّها؛ لأنها من فوق الأرض: (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ). من شأن الباطل: الزهوق والزوال هكذا شأن الباطل، فإذا كانت هذه الشجرة تُمثِّل الدعوة إلى الشِّرك، وتُمثِّل تعاليم الشِّرك في مقابل تعاليم القرآن، والدعوة إلى الشرك في مقابل الدعوة إلى الإسلام، وتمثل كلمة الشرك والوثنية، في مقابل كلمة التوحيد، فهذه ليس لها أي قرار (مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ): وما لها من ثبات، وهكذا شأن الباطل، الباطل سريع الزوال. فدولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، الحق من شأنه الثبات إلى أن تقوم القيامة، والباطل شأنه الزوال حتى إن ظهر في بعض الأحيان لا يدوم: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)[الإسراء:81]. من شأن الحق: الثبات المسلمون ظلُّوا يقاومون الباطل -الشِّرك، والوثنيَّة، وعبادة الأوثان والأحجار- ظلُّوا يقاومونها ثلاثة عشر عامًا في مكة، وثمانية أعوام في المدينة، يقاتلون المشركين والوثنيين، حتى إنَّ الوثنيين هؤلاء غزوا المسلمين -غزوا الرسول وأصحابه- في عُقْر دارهم بالمدينة في غزوة أحد وغزوة الأحزاب، كانوا يريدون استئصال شأفتهم واقتلاع جذورهم، ولكن سرعان ما ظهر الحق وانكشف الباطل في السنة الثامنة من الهجرة، دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكة فاتحًا. المهم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه عندما دخلوا مكة، ودخلوا الكعبة البيت الحرام، وكان فيها وحَوْلها ثلاثمائة وستون صنمًا، ظلَّت هذه السنين كلها، هذه الأصنام منذ زمن موجودة حول الكعبة، حتى إنَّ المسلمين حينما اعتمروا (عمرة القضاء) طافوا بالكعبة، وهذه الأصنام حولها لم يستطيعوا أن يفعلوا معها شيئًا، ولكن يوم الفتح كانوا يكسرون هذه الأصنام برماحهم ويضربونها بسيوفهم وبحرابهم فتسقط خارَّة على وجهها، والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا)[الإسراء:81]، من شأن الحق أن يحقَّ ويثبت (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ)، شأن الباطل الزهوق والزوال. تثبيتُ المؤمنين بالقول الثابت: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) هذه سُنَّة من سُنن الله في الأرض، فبعد أن ضَرَبَ لنا هذين المَثَلَين، بيَّن لنا هذه السُّنة، أنَّ من شأن الله تبارك وتعالى أن يُثبِّت الذين آمنوا بالقول الثابت، لا يتزحزحون عن حقِّهم أبدًا، لا يرتابون في أنهم على الحق؛ لأنهم مؤمنون، وأنَّ ما معهم إنما هو الحق المبين، كما قال الله تعالى: (فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ)[النمل:79]. وكما أُمر الرسول بهذا، المسلمون أيضا مأمورون به: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف:43،44]. وهكذا يشعر المؤمنون أنهم على صراط مستقيم، وأنهم على الحقِّ المبين، وأنَّ معهم الحقيقة التي جاء بها النبيُّ محمدٌ صلى الله عليه وسلم من عند ربِّه صافيةً واضحةً ليس فيها غموض، وليس فيها إشكال ولا ألغاز. من أوصافها: أنها بيِّنة، جاء بالبيِّنة: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ) [الحديد:25]. القرآن نزل بالبيِّنات: (وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ)[البقرة:185]. ولذلك يُسمَّى القرآن: الهدى والهداية: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة:2]. (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة:185]. ومن أجل هذا يُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، مهما نالهم من الأذى ومهما نزلت بهم من الشدائد، ومهما أصابهم من المحن وإيذاء الكفار، يثبِّتهم الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا، وهذا تثبيتٌ من الله عزَّ وجل كما قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) [الإسراء:73،74]. إيتاء الحُجَّة للمؤمنين على أعدائهم: المُثبِّت هو الله، لذلك قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) يُعطيهم الحُجَّة على أعدائهم، فتجد أهل الإيمان أقوى حُجَّة وأقوى تعبيرًا عن حقِّهم، وعلى بيان باطل خصومهم، كما آتى الله إبراهيم الحجَّة، آتيناها إبراهيم على قومه: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ) [الأنعام:83]. أُوتي الحُجَّة كما ذكر القرآن: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ)[البقرة:258]. هذا الذي يقال عنه النمرود الذي يجادل إبراهيم في ربِّه قال: كما أنَّ إلهك يُحيي ويميت أنا أُحيي وأُميت، وبعد ذلك قال: ائتوني باثنين من عرض الطريق، فجاؤوا باثنين، وحكم عليهما بالإعدام، وقال للسيَّاف: اضرب هذا بالسيف، فأعدمه فأدِّعي الإماتة له والإحياءَ لصاحبه، وقال: أنا أعدمت هذا وعفوت عن هذا، أحييت هذا. هكذا جادل ذلك إبراهيم، فلم يُرِدْ إبراهيم عليه السلام أن يَدْخُل معه في معنى الإحياء، ومعنى الإماتة، والمراد بالإحياء والمراد بالممات، ولكن انتقل من شيء إلى شيء قال: طالما أنت قادر على كلِّ شيء، (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ) إذا كنت أنت إلها وقادرا على كل شيء افعل هذا العمل، تطلع الشمس بأمر ربنا من هذه الناحية، أطلعها أنت من هذه الناحية: (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ). وهكذا (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) طول حياتهم، يُثبِّتهم الله عز وجل، يُعطيهم الحُجَّة، يُقوِّيهم على أعدائهم لأنَّ معهم الحق، ومن كان معه الحق كان الله معه، ومن كان الله معه فلن يُخْذَل ولن يُغْلب ولن يضيع أبداً. تثبيت المؤمنين بالقول الثابت في الآخرة: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ) أي: في القبر، والقبرُ أول منازل الآخرة، يُثبِّتهم الله في القبر، إذا سألهم المَلَكان عن ربهم ونبيهم والكتاب المنزَّل عليه من ربه -كما جاء في الأحاديث- يثبتهم الله، أما الكفار والمنافقون لا يثبتون عندما يُسأَلون عن محمد، يقولون: لا ندري سمعت الناس يقولون قولاً فقلت مثلهم، أما المؤمن فهو يعرف من ربه، وما دينه، ومن رسوله وما كتابه، يثبِّته الله ويُنطقه بالحق في هذا الموقف، ولذلك جاء في الأحاديث: أنَّ المراد بالقول الثابت هنا القول الثابت في القبر، ولكنَّ الآية تشمل أيضًا، القول الثابت في الآخرة حينما يُسأل الناس يوم القيامة: (ف