بدر الهدى: الصلاة تجلو صدأ القلوب

alarab
محليات 11 يوليو 2014 , 01:30ص
الدوحة - محمد الفكي

قال الشيخ محمد بدر الهدى، الداعية بمركز عبدالله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي: إن الصلاة هي عماد الإسلام، وهي بإذن الله مفزع التائبين وملجأ الخائفين، ونور المتعبدين، وبضاعة المتاجرين، تجلو صدأ القلوب بأنوارها، وتزيل حجب الغفلات بأذكارها، وتنير الوجوه بأسرارها وآثارها، ومن كان أقوى إيمانا كان أحسن صلاة، وأطول قنوتا، وأعظم يقينا.

وأضاف بدر الهدى بمحاضرة في مسجد علي بن علي ضمن برنامج «الوعظ في موائد الرحمن» للجاليات المسلمة الناطقة بغير العربية ،والتي يشرف عليها مركز عبدالله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي،أن صلاة الليل يتجلي فيها الاتصال بالله العلي الأعلى، في صورة من التعبد بهية بهيجة، فقد صح في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة الليل) [أخرجه مسلم].

ولقد حكا الإجماع أن القدوة الأولى والأسوة العظمى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطرت قدماه الشريفتان (مخرج في الصحيحين)، أما في رمضان فكان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره فإذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله وأيقظ أهله وشد المئزر. (ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) [رواه البخاري]، وربنا ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: أنا الملك من الذي يدعوني فأستجيب له؟ من الذي يسألني فأعطيه، من الذي يستغفرني فأغفر له) [رواه البخاري]..وفي الحديث: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم) يقول وهب بن منبه رحمه الله: «قيام الليل يشرف به الوضيع ويعز به الذليل وصيام النهار يقطع عن صاحبه الشهوات فليس للمؤمن راحة دون الجنة» ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: «من أحب أن يهون الله عليه طول الوقوف يوم القيامة فليره الله في ظلمة الليل ساجداً وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه».

وأشار إلى أن عباد الرحمن يبيتون لربهم سجدا وقياما وانتزعوا نفوسهم من وثير الفرش وهدوء المساكن وسكون الليل، وسكون الكون، غالبوا هواتف النوم وآثروا الأنس بالله والرجاء في وعد الله والخوف من وعيده (أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ) [الزمر:9]، ولصلاة الليل أسرارها وللأذكار حلاوتها، وللمناجاة لذتها، ولقد تعددت المقاصد واختلفت المطالب وتنوعت الغايات، والليل هو منهلهم وموردهم (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) [البقرة:60]، فهذا محب يتنعم بالمناجاة وذلك محسن يزداد في الدرجات ويسارع في الخيرات ويجدّ في المنافسات وآخر خائف يتضرع في طلب العفو ويبكي على الخطيئة والذنب وراج يلح في سؤاله ويصر على مطلوبه وعاص مقصر يطلب النجاة ويعتذر عن التقصير وسوء العمل، كلهم يدعون ربهم ويرجونه خوفا وطمعا فأنعم عليهم مولاهم فأعطاهم واستخلصهم واصطفاهم وقليل ما هم، اكتفوا من الليل بيسير النوم مشتغلين بالصلاة والقرآن، والذكر والصوم، تلكم هي همم القوم، والليل ميدان ذوي الهمم العالية من أصحاب العبادات والدعوات، وهو الزاد الصالح لرحلة الحياة، أما الذين يحبون العاجلة فصغار الهمم،يغرقون في العاجلة (وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا) وفي هذا يقول بعض السلف: «كيف يرجو النجاة من سوء الحساب من ينام الليل ويلهو بالنهار».

وأوضح أنه إذا أظلم الليل نامت قلوب الغافلين وماتت أرواح اللاهين، من لم يكن له ورد من الليل فقد فرط في حق نفسه تفريطا كبيرا وأهمل إهمالا عظيما، وما حرمه إلا النوم وضعف الهمة، ناهيك عن أقوام يسهرون على ما حرم الله ويقطعون ليلهم في معاصي الله ويهلكون ساعاتهم بانتهاك حرمات الله، فشتان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.

ودعا إلى الاجتهاد في صلاة ما تيسر من الليل والصبر على ذلك والمداومة عليه، فبالصبر والمداومة والإخلاص تنال من ربك التثبيت والمعونة، واعلم أن دقائق الليل غالية ولا ترخصها بالغفلة والتواني والتسويف، ومن أرخص الدقائق الغالية ثقلت عليه المغارم وضاقت عليه المسالك وكان أمره فرطا، ولا تنس أهلك فأيقظهم لا ليلتفوا حول مسلسل هابط أو منظر خالع، ولكن ليقفوا بين يدي خالقهم تائبين منيبين يغسلون خطيئتهم بدموع نادمة وقلوب باكية، لعلها أن تمحو الذنوب، ففي الحديث: (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فصلت فإن أبت نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت ثم أيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) أخرجه أحمد. وحول وقت صلاة الليل، أوضح أنه ممتد من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، ومن كل الليل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقر ورده في السحر (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه) رواه البخاري. وفي المأثور من أحوال السلف منهم من كان يصلي الليل كله، ومنهم من يصلي نصفه، ومنهم ثلثه، ومنهم خمسه، ومنهم سدسه، ومنهم من يصلي ركعات معدودات و(من أيقظ أهله وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات) أبو داود.

ومن الآداب التي ينبغي رعايتها في صلاة الليل وقيامه أن يصلي ما كتب له مثنى مثنى يسلم بعد كل ركعتين ويستحب أن يطيل القراءة والركوع والسجود، ويقرأ ويتدبر ويجتهد في الذكر والدعاء ويكثر ولا يشق على نفسه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (عليكم بما تطيقون فإن الله لا يمل الله حتى تملوا) البخاري.

ونوه أن مما يحث الهمة ويبعث القوة أن تعلم أنك في أيام فاضلة وأوقات شريفة في شهر مبارك، المغبون من فرط فيه، والخاسر من لم ينافس فيه، هو ميدان التسابق لقيام الليل وساحات التنافس للركع السجود، هذه الأيام من أرجى الأيام فليست قيمة الأيام بساعاتها، ولا قدر الليالي بطولها وعددها، فإن قيمة الأوقات بما تحمله من خير للبشر وسعادة للنفوس.