مثلث الخير

alarab
باب الريان 11 يوليو 2014 , 02:00ص

الكثير يكذب لينجي نفسه، لكن القليل الذي يصدق خصوصاً إذا علم أن صدقه سيؤدي إلى ما لا يرضيه ولكنه ينسى أن عاقبة الصدق الخير ولو كان متأخراً.

النبي صلى الله عليه وسلم خرج وأصحابه لمحاربة الروم في أشد وأصعب غزوة «غزوة تبوك»، كان الجو حاراً، وكان الماء والزاد قليلين، والمال كذلك قليل، ومن شدة هذه الظروف سمي جيش هذه الغزوة بجيش العسرة، واستحق هذا الجيش قول الله تعالى {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ}.

وما تخلف عن هذه الغزوة إلا من هو منافق معلوم النفاق، وأيضاً تخلف 3 صحابة أجلاء هم: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك رضي الله عنهم وأرضاهم، ولنقف مع كعب بن مالك وماذا حدث له.

لما خرج النبي إلى الغزوة كان النخيل قد أثمر، فأصبح كعب يسوف لنفسه، يؤجل خروجه كل يوم حتى طالت المدة وانتصر النبي في غزوته وعاد، فلما بلغ ذلك كعب ضاقت به الدنيا، بأي وجه يقابل النبي صلى الله عليه وسلم؟ بأي عذر يعتذر له؟ ماذا يقول؟ وهو جالس في المدينة ولا يرى فيها إلا معلوم النفاق أو من لا يستطيع، وهو ليس بمنافق ويستطيع الغزو، فماذا يقول للنبي؟

حتى قدم النبي إلى المدينة ودخل المسجد وجعل المخلفون يأتونه ليتعذروا، والنبي يقبل منهم ويستغفر لهم، فعزم كعب على قول الحق ولا شيء سوى الصدق، لأنه تعلم من النبي صلى الله عليه وسلم أن الصدق يهدي إلى البر، وأن البر يهدي إلى الجنة. فدخل كعب على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي: (ما خلفك؟)، فقال: يا رسول الله، والله لو جلست إلى غيرك من أهل الدنيا لخرجت من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلاً، والله ما كان لي عذر حين تخلفت عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك). فخرج كعب فلحقه بعض أهله يلومونه على عدم تعذره، وأن النبي كان سيستغفر له، وذلك من رحمة الشفيق الرحيم صلى الله عليه وسلم، يعلم بكذب الذي أمامه لكنه يستغفر له، فهدف النبي أن يدخل الناس الجنة، لا أن يدخلهم النار، ومع كثرة كلام أهل كعب معه همّ أن يعود ويعتذر بأي عذر فقال لهم: هل قال أحد بمثل ما قلت؟ فذكروا له مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، وأن النبي قال لهم كما قال له، فتأسى بهم ولم يذهب ليعتذر. فاجتنب الناس هؤلاء الثلاثة، فلا يكلمهم أحد، ولا يجالسهم أحد، أما هلال ومرارة فمكثا في بيوتهما ولم يخرجا، ولكن كعب بن مالك كان رجلاً اجتماعياً يخالط الناس يجلس معهم، فكان كعب يخرج إلى المسجد ليصلي مع المسلمين وإلى السوق ولا يكلمه أحد، يسلم فلا يرد عليه السلام أحد حتى أقرب الناس له، وهذا من شدة اتباع الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم عصيان أوامره صلى الله عليه وسلم، فكانوا للثلاثة سجناً نفسياً أصعب من سجن القضبان. فزاد البلاء على كعب، فإذا بفلاح هيئته هيئة أهل الشام يبحث في أسواق المدينة.. أين كعب؟ فأشار الناس له إلى كعب فأعطاه رسالة، ففتحها فإذا هي رسالة من ملك غسان النصراني فيها: (بلغنا أن صاحبك قد هجرك فالحق بنا نواسيك)، هذا هو تربص الكفار بالمسلمين في كل زمان، يودون لو يردون المسلمين عن دينهم بأي شكل، فقال كعب في نفسه: وهذا أيضاً من البلاء، فأشعل التنور وأحرق الرسالة.

وبعد أربعين يوماً زيد عليهم في البلاء وهذه الزيادة للتمحيص، ولاختبار صبرهم وثباتهم، فالبلاء أيها السادة مع عظم المشقة التي فيه إلا أنه يبقى نعمة من نعم الله يمن بها على من يشاء ليرفع درجاته، زيد البلاء على الثلاثة فأمروا باعتزال نسائهم ومباشرة التزموا الأمر واعتزلوا النساء، حتى ضاقت بهم الدنيا بما رحبت، لا يكلمهم أحد، لا يقربون أهليهم، لا يُعاملون، حتى شك بعضهم أنه لن يتوب الله عليه. وبينما هم على هذه الحال خمسين يوما من السجن النفسي، إذا بكعب يسمع منادٍ يقول: (يا كعب بن مالك أبشر)، فخر كعب ساجداً لله تبارك وتعالى، نعم إن بعد العسر يسراً. فانطلق إلى النبي بعد أن كسا من بشره بثوبه، فلما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم تهلل وجهه وقال له: (أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك)، فأنزل الله تبارك وتعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ*وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ*يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}. نعم (إن بعد العسر يسراً..). في هذه القصة مثلث كل ضلع فيه يوصل إلى خير، صدق.. ثبات عند البلاء.. توبة صادقة.. كل ضلع منهم هو بذاته يوصل إلى الجنة. أما الصدق (فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة).. وأما البلاء (ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها).. أما التوبة (فالتائب من الذنب كمن لا ذنب له).

زبدة كلامي في مثلث الخير..

صدق.. ثبات عند البلاء.. توبة صادقة.