

ينبغي أن تستقر في فؤاد كل مؤمن حقيقة صادقة لا شك فيها، وعقيدة واضحة لا التباس معها، وهي أن ما يعمله الصالحون من الحسنات، وما ينتهون عنه من السيئات: يدخر لهم ثوابه يوم القيامة، ليجدوا أثر ذلك: رجحانا في موازينهم، ونورا في صحائفهم، وانطلاقا على الصراط، وتثبيتا عند الحساب.
والله سبحانه غني عن طاعة الطائعين، وتقوى المتقين، وإحسان المحسنين، كما أنه عز وجل لا يضره عصيان العاصين، وفسق الفاسقين، وفساد المفسدين {مَنْ عَمِلَ صَالِح فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}.
وهو ما نطق به الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم: ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم: ما نقص ذلك من ملكي شيئا».
لذلك ليعد كل عامل عدته ليوم الجزاء، وليبذل وسعه ليوم الحساب، عندما تتطاير الصحف، فمن آخذ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله! { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}.
فما أعظم جزاء المحسنين، وما أبأس مصير المجرمين{ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ}.
أرسل الله عز وجل الرسل، وأنزل عليهم الكتب، وأمرهم أن يبينوا للناس ما نُزل إليهم، وأن يدعوهم إلى طريق الإيمان، وأن يحذروهم من مسالك الشيطان، فمنهم من استجاب للنداء وأقبل يرتدي رداء الإيمان، ويرتشف من معين الإسلام، ويهتدي بنور التوحيد. ومنهم من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي بعُث النبيون به! {قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا }.
ولذا كان البون شاسعا، والجزاء وفاقا {إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى}.
{ فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى * وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.
{إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى}.
وكان في عدل الله سبحانه ألا يسوِّي بين من أطاعه ومن عصاه، وألا يجازي من آمن به جزاء من كفر بآياته، ومن أقبل على شريعته كمن أعرض عن دينه: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}. {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ}. {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ}.
لذا كان نداء النبي صلى الله عليه وسلم، داعيا أمته إلى أن يتزودوا بالعمل الصالح، ويجتهدوا في التقرب من الله، لأن ذلك هو ما يمهد ويؤسس لمكانتهم عند الله يوم القيامة: {يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ}.
وظهر واضحا اختلاف مصير من أطاع الله، واتبع كتابه، واقتدى برسوله، ونهاية من عصى خالقه، وهجر منهجه، وأعرض عن نبيه! {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. {أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}.
وبيَّن سبحانه أنه يجازي كل عامل على عمله: إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وأنه سبحانه لم يحل بين عباده وبين ما يريدون، فلم يرغمهم على طاعة، ولا أجبرهم على معصية:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ}.
وأكد عز وجل أن المتقين سينالون جزاءهم تاما موفورا غير منقوص يوم القيامة: {وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً } {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}. {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}.
وأن مصير العابثين المعرضين سيكون من جنس ما أعرضوا عن شرع الله، فيعرض الله عنهم، ولا يلتفت إليهم {جَزَاءً وِفَاقاً}.
وينادي هؤلاء: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} { لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}.