القرآن يقص مواقف الدعاة التي ينبغي التمسك بها

alarab
موضوعات العدد الورقي 11 يونيو 2018 , 12:11ص
قد قص القرآن العظيم على خاتم رسل الله محمد، كل ما جرى للرسل المعروفين في هذه المنطقة، وهم خمسة وعشرون ذكرهم القرآن، وإن كان بعضهم يستثني آدم عليه السلام، مع أن آدم يدخل في قوله تعالى في سورة طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى} [طه:23-27].
وكم عرض القرآن على الرسول الكريم آيات بينات من سور القرآن تتضمن قصصاً أو بعض قصص النبيين الذين بعثهم الله مبشرين ومنذرين، ليتخذ من هذه القصص والذكريات عبراً له ولقومه، لعله يتذكر أو يخشى.
كما قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 89، 90].
دعاة اختلف العلماء
في وصفهم بالنبوة:
ومنهم الدعاة غير هؤلاء، منهم من اعترف له بالدعوة، ومنهم من اختلف العلماء في وصفه بالنبوة، ومنهم من اتفقوا على أنه ليس أهلاً للنبوة، وإنما هو ولي من أولياء الله الصالحين، الذين والوا الله ورسوله والذين آمنوا، والذين قالوا: ربنا الله ثم استقاموا، والذين غزوا في سبيل الله، فما وهنوا، وما ضعفوا، وما استكانوا، والله يحب الصابرين.
والذين استجابوا لله ولرسوله وكتابه، وأُخرجوا من ديارهم وأموالهم إلا أن يقولوا: ربنا الله، كل هؤلاء من جماعة المؤمنين يجب أن نسير وراءهم، ونشد أزرهم، ونقف وراءهم، ونحمي ظهورهم، ونحوطهم بكل ما نملك مدافعين عنهم وعن دعوتهم.
من هؤلاء: مؤمن آل فرعون الذي ذكره القرآن في سورة غافر، والذي كان يكتم إيمانه عن قومه، حتى جاءت الساعة التي يجب أن يعلن فيها عن إيمانه، دفاعاً عن موسى ودعوته، {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ} [غافر:28].
ولقد وقف هذا الداعية يناضل فيه ويوضح موقفه بثبات، ينذر ويبشر: {وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:38].
وهناك عبد الله الخضر الذي ذكره الله في سورة الكهف في قصته مع موسى، وما فعل ذلك العبد الصالح في قصة العلم والعمل، والصورة والحقيقة، وهل يقف الآن مع الظاهر المعلوم أو الباطن المحكوم؟
وهناك مؤمن سورة ياسين، الذي جاء من أقصى المدينة يسعى قال: يا قوم اتبعوا المرسلين.
وهناك المؤمنون في سورة البروج، وما جرى لهم على أيدي الطغاة، وهناك مواقف عدة في سور القرآن، ومواقف في سنة الرسول وسيرته، وكلها فيها مثل للمؤمنين ولسيدهم رسول الله، الذي جعل الله من سيرتهم سورة للمؤمنين.
فهذا موقف النبوات والرسالات في تلك العصور بعضها من بعض، ولا ينبغي أن تعرض فئة ما عندها من هدى، وأن تضرب صفحاً عما أنعم الله به على غيرها، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} [الأنعام:53].
ويقص القرآن في هذه المسافات من أساليب الدعوة، ومن مواقف الدعاة، ما ينبغي أن يتمسك به من جاء بعدهم من أهل الإيمان، فلا ينبغي أن يتمسك كل قوم بما جاء به قومهم، فلا يصرفوه إليهم، فإن الله لم يخلق الناس باعتبارهم أوعية محصورة على قوم معينين، أو على لغة معينة، أو على رسول معين، وكل من عدا ذلك، فلكل قوم رسالتهم، فهذا يصح في بعض الناس الذين قصرت عليهم دعوتهم. وأما الدعوات المفتوحة للناس، فلا يجوز أن يغلقها من أنزلت فيهم عن غيرهم، وقد علمنا في عالم الخلق: أن عالم الخلق يؤدي بعضه إلى بعض حسب القوانين والسنن، وإن اختلفت الأماكن والمستويات بعض عن بعض.
كلمات الله حق لكل الناس ما داموا يستطيعون أن يفهموها، ويعرفوا مضمونها، ويعرفوا فائدتها، ولم يغلق الله على أدمغتهم بمسامير لا يجوز أن تفتح لأحد، بل فتحها الله لكل ما يهدي الناس، وينفع الناس، بما يجري قدره عليهم، وتشريعاته على أخلاقهم، وعلى كل حياتهم، وبهذا تنفتح الخلائق بعضها على بعض، ولا يغلق بعضهم على بعض ما يمكن أن يوسع عليهم ولا يضيق، وأن يفتح لهم ولا يغلق.