الدين والإنسان

alarab
باب الريان 11 يونيو 2017 , 12:04ص
الدوحة - العرب
تنشر «العرب» وبصورة حصرية على صفحات ملحق رمضان طوال أيام الشهر المعظم، حلقات من كتاب العلامة الشيخ يوسف القرضاوي، والذي جاء بعنوان: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان: ماذا أنا؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ ولِمَ؟»
قال فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي في مقاله السابق، وهو جزء من كتاب: «القضايا المبدئية والمصيرية الكبرى للإنسان»، والذي ينشر حصرياً على صفحات «العرب» طوال أيام شهر رمضان المعظم: «إن ما يحدث بالمصادفة يصعب جداً أن يتكرر، ويستحيل أن يستمر وقوعه، فكل ما نراهُ من ظواهر طبيعية تتجدد باستمرار، وتتكرر بانتظام، وتمضي بلا خلل ولا اضطراب، يستحيل أن يقع هكذا بالمصادفة العمياء، وحين تكون الحقائق هكذا ناطقة، وحين تعترف بخواص عقولنا يكون من الخبل والسفه أن نرد الحياة والنظام والتقدير في هذا العالم إلى صدفة موهومة، ونغفل كل منطق وكل برهان».
وأضاف: «فقد فاتهم أنهم قدموا الفرض بوجود الحروف المتناسبة التي ترتبط بعلاقة اللفظ، وينشأ منها الكلام المفهوم، فمن أين لهم أن أجزاء المادة المتماسكة ترتبط بينها بعلاقة التشاكل أو التشكيل على منوال العلاقة التي بين الحروف الأبجدية؟ ومن أين للمادة هذا التنويع في الأجزاء؟ ومن أين لهذا التنويع أن تكون فيه قابلية الاتحاد على وجه مفهوم. وفاتهم كذلك، أنهم قدموا الفرض بوجود القوة التي تتولى التنسيق والتنفيذ، وليس من اللازم عقلاً أن توجد هذه القوة بين الحروف. وفاتهم مع هذا وذاك أنهم فرضوا في هذه القوة الجامعة أنها تعيد تنسيق الحروف على كل احتمال، كأنها تعرف بداءة كيف تكون جميع الاحتمالات. وفاتهم -عدا ما تقدم- أن الوصول إلى تنضيدة مفهومة منظومة لا يستلزم الوقوف عندها وتماسك الأجزاء عليها».
فكر في نهايتك إن كنت ذا دين:
أمر الدين بالنسبة للإنسان ليس أمراً هيناً، بحيث يمكن السهو عنه، أو الانشغال بغيره، أو إرجاؤه إلى فرصة أخرى من العمر تأتي أو لا تأتي، كأن ينتظر الشيخوخة تحل به؛ ذلك أن الإنسان لا يعرف متى ينتهي أجله في هذه الحياة، فإذا قلت: أؤجل الأمر من الشباب إلى المشيب، فمن يدريك أن الموت لن يختطفك، وأنت في ريعان الشباب؟ وكم من شاب افترسه الموت، من بين أبويه وإخوته، وهو في أوج شبابه وقوته، فكان لموته جراح ونواح؟!
المهم أن ينظر الإنسان في أمر الدين، قبل أن يفاجئه الموت بما لا يتوقعه، وهو في غفلة من أمره، وقد تزداد الغفلة وتتراكم على الإنسان، باتباع الشهوات، واقتناص الملذات، وانتهاز الفرص لاكتساب المصالح المادية والمطالب الشهوانية. وفي ذلك يتنافس الناس ويتهارشون، بل يتعادون ويتقاتلون، لأنهم شغلوا عن القضية الكبرى لكل إنسان، بقضايا صغيرة، بل صغرى.
وهذا ما ذكره القرآن حين بين للناس ما زين لهم من حب الشهوات، التي تهز كيانهم، وتزلزل وجدانهم، كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}. [آل عمران:14].
لا بد لكل إنسان أن يكون له دين، وقد ناقشنا الملاحدة، الذين ينكرون أن للكون إلهاً، وأن مع كل جسد إنساني روحاً، وأن مع الدنيا آخرة، أن مع الحياة موتاً، ومع الموت بعثاً، ومع البعث حساباً وجنة وناراً، لكل فئة منهم نصيبه فيما يستحقه من ثواب الله تعالى وعقابه: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ}. [آل عمران:185].
ولا بد لهذا الملحد من دين يرتضيه العقل الحر المتفتح المهتم بالبحث والنظر والتفكير، ولا يجوز لنا أن نقبل إخراج الإنسان العاقل المفكر من خرافة الإلحاد، لنضعه في خرافة (الوثنية). لقد ضلَّت البشرية في تاريخها فوقعت في أحابيل أناس من الكهنة والسحرة وتجار الدين، فاخترعوا للناس آلهة زينوها لهم، وأحاطوها بتعاويذ وتماثيل وشعارات، زوَّقوها وموَّهُوها، وربطوها بالآلهة، وبخدام الآلهة من النساك والرهبان، الذين يلبسون الملابس الخاصة والمزخرفة، والمعطرة والمبهرجة، ما يجعل لها ريحاً رائعة، وصورة باهرة، وأعيناً إليها ناظرة.
هؤلاء الناس من كهنة الأديان، وعباد الأوثان، وأصحاب الشيطان، الذين يتقدمون إلى الناس اليوم في بلاد الدنيا من القارات الست في آسيا، وأفريقيا، وفي أوربا، وأمريكا الشمالية والجنوبية، وفي قارة أستراليا، يدعون الناس في القرن الحادي والعشرين، إلى أن يعبدوا الله بدين الوثنية!
أمعقول أن يدين الإنسان بعد ما سار في الهواء كالطير، وسار في البحر كالحوت، وسار في الجو كأنه شهاب ثاقب أن يدين بعبادة إله من نحاس، أو من ذهب، أو من البقر والعجول، أو من الشياطين، أو من غير ذلك مما يتخيله الناس في عقولهم أو في أوهامهم إلهاً، يُسأل فلا يجيب، ويُشكَى إليه فيعجز عن النظر في شكوى من يشكو إليه؟!
هذه الوثنيات الكبرى التي اتخذ الناس لها آلهة شتى يعبدونها من دون الله، في قارة آسيا من الهندوسية، التي يتبعها الناس في الهند، ومن البوذية التي يتبعها الناس في الصين وكوريا وتايلاند وسريلانكا.. وغيرها، وكذلك الوثنية اليابانية، والوثنيات في إفريقيا، تجتمع حول عبادة آلهة اختاروها حسب أهوائهم أو أوهامهم، أو أوهام شيوخهم وزعمائهم، وغيرها من الوثنيات في العالم. نحن ندعو الشعوب والأمم الوثنية -وهي في الحقيقة أكثر العالم- أن تنظر في الأمر نظرة تليق بالإنسان بعد ما صنع العجائب، واخترع الغرائب، وقرب البعيد، وأنطق الحديد، وقلب الموازين، وصعد إلى القمر، وسافر إلى ما هو أبعد منه، وأبدع الثورات العلمية الهائلة، الفضائية والنووية، والبيولوجية، والتكنولوجية، والمعلوماتية.. وغيرها، فلا ينبغي أن يعبد مخلوقات مسخرة له ولخدمته ومنفعته. أمام الوثنية طريقان للتعامل مع الدين: وهذه الوثنيات التي في العالم هنا وهناك أمامها طريقان في التعامل مع الدين: طريق يرفض الأديان جميعها، ويقول: ليس هناك دين، ولا كهنوت، ولا إله، ولا روح، ولا آخرة، ولا ملائكة، ولا شيء مما صدَّع به أهل الإيمان رؤوس الناس، وهو ما قاله الملاحدة، وناقشناهم فيه، وأبطلنا كل ما يدَّعونه، ويغالون فيه، ويضخمون منه، وهو لا طائل تحته. كمثل الطَّبْل يُسمع من بعيد ** وباطنُه من الخيرات خالِ والطريق الثاني: هو الرجوع إلى الأديان، التي يقول أهلها: إنها أديان سماوية، أو كتابية، جاء بها أنبياء من أهل الأرض، بُعثوا من السماء، وأُنـزل عليهم كتب منسوبة إلى السماء، الله هو منزلها وقائلها، وهي أديان ثلاثة بدأت باليهودية، وثنَّت بالمسيحية، وثلَّثت بالإسلام، وهو خاتمها، وخاتم كل الديانات السماوية.