من أعلام النبلاء.. أبو عبيدة بن الجراح

alarab
باب الريان 11 يونيو 2017 , 12:04ص
هو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، القرشي الفهري المكي. أحد السابقين الأولين، ومن عزم الصديق على توليته الخلافة، وأشار به يوم السقيفة، لكمال أهليته عند أبي بكر، يجتمع في النسب هو والنبي -صلى الله عليه وسلم- في فهر، شهد له النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة، وسماه أمين الأمة، ومناقبه شهيرة جمة.
روى أحاديث معدودة وغزا غزوات مشهودة.
حدث عنه العرباض بن سارية، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وسمرة بن جندب، وأسلم مولى عمر، وعبد الرحمن بن غنم، وآخرون.
له في «صحيح مسلم» حديث واحد، وله في «جامع أبي عيسى» حديث، وفي «مسند بقي» له خمسة عشر حديثاً.
الرواية عنه: أخبرنا أبو المعالي محمد بن عبد السلام التميمي، قراءة عليه في سنة أربع وتسعين وست مائة، أنبأنا أبو روح عبد المعز بن محمد البزاز، أنبأنا تميم بن أبي سعيد أبو القاسم المعري، في رجب سنة تسع وعشرين وخمس مائة بهراة، أنبأنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن، أنبأنا أبو عمرو بن حمدان، أخبرنا أبو يعلى أحمد بن علي، حدثنا عبد الله بن معاوية القرشي، حدثنا حماد بن سلمة، عن خالد الحذاء، عن عبد الله بن شقيق، عن عبد الله بن سراقة، عن أبي عبيدة بن الجراح: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «إنه لم [ ص: 7 ] يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومه الدجال، وإني أنذركموه». فوصفه لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «لعله سيدركه بعض من رآني أو سمع كلامي. قالوا: يا رسول الله، كيف قلوبنا يومئذ؟ أمثلها اليوم؟ قال: أو خير».
أخرجه الترمذي عن عبد الله الجمحي فوافقناه بعلو. وقال: وفي الباب عن عبد الله بن بسر وغيره. وهذا حديث حسن غريب من حديث أبي عبيدة رضي الله عنه.
قال ابن سعد في «الطبقات»: أخبرنا محمد بن عمر، حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن مالك بن يخامر أنه وصف أبا عبيدة فقال: كان رجلاً نحيفاً، معروق الوجه، خفيف اللحية، طوالا، أحنى أثرم الثنيتين.
وأخبرنا محمد بن عمر، حدثنا محمد بن صالح، عن يزيد بن رومان، قال: انطلق ابن مظعون، وعبيدة بن الحارث، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة [ ص: 8 ] بن عبد الأسد، وأبو عبيدة بن الجراح حتى أتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فعرض عليهم الإسلام، وأنبأهم بشرائعه، فأسلموا في ساعة واحدة، وذلك قبل دخول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دار الأرقم.
وقد شهد أبو عبيدة بدراً، فقتل يومئذ أباه، وأبلى يوم أحد بلاء حسنا، ونزع يومئذ الحلقتين اللتين دخلتا من المغفر في وجنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من ضربة أصابته، فانقلعت ثنيتاه، فحسن ثغره بذهابهما، حتى قيل: ما رئي هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة.
وقال أبو بكر الصديق وقت وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسقيفة بني ساعدة: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين: عمر، وأبا عبيدة.
وقال الزبير بن بكار: قد انقرض نسل أبي عبيدة، وولد إخوته جميعاً، وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة. قاله ابن إسحاق، والواقدي.
قلت: إن كان هاجر إليها، فإنه لم يطل بها اللبث.
وكان أبو عبيدة معدوداً فيمن جمع القرآن العظيم.
وثبت من وجوه عن أنس، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن لكل أمة أميناً، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
اتفقا عليه من حديث شعبة.
واتفقا من حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أنس: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح».
وقال ابن المبارك في «الجهاد» له: عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: بلغ عمر أن أبا عبيدة حصر بالشام، ونال منه العدو، فكتب إليه عمر: أما بعد، فإنه ما نزل بعبد مؤمن شدة، إلا جعل الله بعدها فرجاً، وإنه لا يغلب عسر يسرين «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا..» الآية.
قال: فكتب إليه أبو عبيدة: أما بعد، فإن الله يقول: «إنما الحياة الدنيا لعب ولهو» إلى قوله: «متاع الغرور» قال: فخرج عمر [ ص: 16 ] بكتابه، فقرأه على المنبر فقال: يا أهل المدينة، إنما يعرض بكم أبو عبيدة أو بي، ارغبوا في الجهاد.
ابن أبي فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد، عن أبيه قال: بلغني أن معاذا سمع رجلاً يقول: لو كان خالد بن الوليد، ما كان بالناس دوك، وذلك في حصر أبي عبيدة. فقال معاذ: فإلى أبي عبيدة تضطر المعجزة لا أبا لك! والله إنه لخير من بقي على الأرض.
رواه البخاري في «تاريخه»، وابن سعد.
وفي «الزهد» لابن المبارك: حدثنا معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قدم عمر الشام، فتلقاه الأمراء والعظماء، فقال: أين أخي أبو عبيدة؟ قالوا: يأتيك الآن. قال: فجاء على ناقة مخطومة بحبل، فسلم عليه، ثم قال للناس: انصرفوا عنا. فسار معه حتى أتى منزله، فنزل عليه، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر: لو اتخذت متاعاً، أو قال شيئاً، فقال: يا [ ص: 17 ] أمير المؤمنين، إن هذا سيبلغنا المقيل.
ابن وهب: حدثني عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: أن عمر حين‌‌‌ قدم الشام، قال لأبي عبيدة: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي. قال: فدخل، فلم ير شيئاً، قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لبدا وصحفة وشنا، وأنت أمير، أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل. قال عمر: غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة.
أخرجه أبو داود في «سننه» من طريق ابن الأعرابي.
وهذا والله هو الزهد الخالص، لا زهد من كان فقيراً معدماً.
روى معن بن عيسى، عن مالك: أن عمر أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف، أو بأربع مائة دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع بها، قال: فقسمها أبو عبيدة، ثم أرسل إلى معاذ بمثلها، قال: فقسمها، إلا شيئا قالت له امرأته نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر، قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع [ ص: 18 ] هذا.
وقد استعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا عبيدة غير مرة، منها المرة التي جاع فيها عسكره، وكانوا ثلاث ما‏ئة، فألقى لهم البحر الحوت الذي يقال له العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، نحن رسل رسول الله، وفي سبيل الله، فكلوا، وذكر الحديث، وهو في «الصحيحين». [ ص: 21 ] ولما تفرغ الصديق من حرب أهل الردة، وحرب مسيلمة الكذاب، جهز أمراء الأجناد لفتح الشام، فبعث أبا عبيدة، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة، فتمت وقعة أجنادين بقرب الرملة، ونصر الله المؤمنين، فجاءت البشرى، والصديق في مرض الموت، ثم كانت وقعة فحل ووقعة مرج الصفر، وكان قد سير أبو بكر خالدا لغزو العراق، ثم بعث إليه لينجد من بالشام، فقطع المفاوز على برية السماوة، فأمره الصديق على الأمراء كلهم، وحاصروا دمشق، وتوفي أبو بكر، فبادر عمر بعزل خالد، واستعمل على الكل أبا عبيدة، فجاءه التقليد، فكتمه مدة، وكل هذا من دينه ولينه وحلمه، فكان فتح دمشق على يده، فعند ذلك أظهر التقليد؛ ليعقد [ ص: 22 ] الصلح للروم، ففتحوا له باب الجابية صلحا، وإذا بخالد قد افتتح البلد عنوة من الباب الشرقي، فأمضى لهم أبو عبيدة الصلح.
فعن المغيرة: أن أبا عبيدة صالحهم على أنصاف كنائسهم ومنازلهم، ثم كان أبو عبيدة رأس الإسلام يوم وقعة اليرموك، التي استأصل الله فيها جيوش الروم، وقُتل منهم خلق عظيم.
قال أبو حفص الفلاس: توفي أبو عبيدة في سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنة، وكان يخضب بالحناء والكتم، وكان له عقيصتان. وقال كذلك في وفاته جماعة، وانفرد ابن عائذ، عن أبي مسهر أنه قرأ في كتاب يزيد بن عبيدة، أن أبا عبيدة توفي سنة سبع عشرة.

المصدر: (سير أعلام النبلاء)