الإثنين 30 صفر / 26 سبتمبر 2022
 / 
11:23 م بتوقيت الدوحة

الإسلام يضفي على العبادة روحاً جماعية

تنفرد «» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
كلمة التوحيد، {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، إبطالٌ لكل الآلهة الزائفة، والأرباب المدَّعين، والمُدعيْن في الأرض، فلا إله إلا الله.
قال شيخنا سماحة الشيخ محمد عبدالله دراز، رحمه الله: (القرآن هو دستور الإسلام، والفاتحة هي دستور القرآن، فهي دستور الدستور. ولذلك امتنَّ الله بها: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر:87]).
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، التفات بالخطاب لله سبحانه وتعالى، من استحضر نعم الله تعالى واستحضر رحمانيته ورحمته، واستحضر مُلكه ومِلكه ليوم الدين والجزاء وقف بين يدي الله مستشعراً عظمته ومستحضراً رقابته وقربه إلى عباده من حبل الوريد، فقال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، أي: نخصُّك وحدك بالعبادة، ونخصُّك وحدك بالاستعانة، وهذه هي حقيقة التوحيد.. أن تفرد الله -عز وجل- بالعبادة فلا تعبد إلا إيّاه، وبالاستعانة فلا تستعين إلا به. «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله».
الله تعالى قد فتح بابه للجميع، فليس على بابه حاجب ولا بواب يردّ الناس عنه، ولا يجوز أن يقاس الله على خلقه ويُنتظَر الشفعاء والوسطاء.. {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، هذه هي حقيقة الدين، أن تصل إلى هذه المنزلة، منزلة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}.
الإسلام دين جماعي
{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، جاءت الآية الكريمة بصيغة الجمع: (نعبد) و(نستعين)، ولم تجئ بصيغة المفرد (إيّاك أعبد، إيّاك أستعين)، وإن كان المسلم وحده لا أحد معه، ينطقها بصيغة الجماعة، ويدعو ربه بصيغة الجماعة، (اهدنا) ليستشعر الجماعة أبداً، وتكون في ضميره، وعلى لسانه. وبهذا يتربَّى المسلم على التفكير الجماعي، وعلى الشعور الجماعي، وعلى السلوك الجماعي، ويد الله مع الجماعة.
فالمسلم، وإن كان في قعر بيته خالياً منفرداً، يستحضر الجماعة في ضميره ويخاطب اللهَ تعالى بلسان الجماعة: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فالمسلم لا يعيش فرداً منعزلاً بشعوره عن إخوانه، فالجماعة حيَّة في وجدانه، حاضرة على لسانه.
والعبادة -التي هي صلة بين العبد وربه- أبى الإسلام إلا أن يضفي عليها روحاً جماعية، وصبغة جماعية، فدعا إلى صلاة الجماعة ورغَّب فيها، حتى جعلها أفضل من صلاة المسلم وحده، بسبع وعشرين درجة، وكلما كان عدد الجماعة أكبر، كان ثواب الله عليها أعظم.
بل هَمَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يَحْرق على قوم بيوتهم لتخلّفهم عن الجماعة في المسجد. ولم يرخّص لأعمى يسمع الأذان أن يصلي في بيته ويترك صلاة الجماعة. وقال: «لا صلاة لِفَرْدٍ خلف الصف». كراهية منه للشذوذ والانفراد، ولو في المظهر.
وإذا صلى المسلم منفرداً في خلوة لم تزل الجماعة في وجدانه وضميره، فهو إذا ناجى الله ناجاه بصيغة الجمع، وإذا دعاه دعاه باسم الجميع: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة:5-6].
فالمؤمن لا يشعر أنه في عزلة عن إخوانه المؤمنين، إنهم إن لم يكونوا معه في عمله أو مسجده أو داره؛ يعيشون دائماً في ضميره، ويحيَون في فكره ووجدانه، فإنَّ الإسلام لا يتصور الإنسان فرداً منقطعاً في فلاة، أو منعزلاً في كهف أو دير، بل يتصوره دائماً في مجتمع يتأثر به ويؤثر فيه. ويعطيه كما يأخذ منه، ولهذا خاطب الله بالتكاليف الجماعة المؤمنة لا الفرد المؤمن «يا أيها الذين آمنوا»، والمسلم إذا صلى وحده، فإنه يتمثل جماعة المسلمين في ضميره، ويناجي ربه إذا وقف بين يديه باسم الجماعة فيقرأ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فهو لا يسأل الهداية لنفسه، بل يسألها لنفسه وللجماعة معه: «اهدنا»، فالجماعة حيَّة في وجدانه، حاضرة على لسانه.

_
_
  • العشاء

    6:56 م
...