استعان الكفار بالجن لإذاء الرسول.. فتحداهم الله
الصفحات المتخصصة
11 مايو 2012 , 12:00ص
يقول الشيخ الشعراوي متحدثًا عن السحر والجن وهما من الأمور التي حاول كفار قريش استخدامها لمحاربة المصطفى ? بعدما فشلوا في المجاهرة له بالعداء: «روى البخاري في صحيحه: 10/ 192، ومسلم في صحيحه: 4/ 1719 عن عائشة (رضي الله عنها) قالت: سحر رسول الله ? يهودي من يهود بني زريق، يقال له لبيد بن الأعصم، قالت: حتى كان رسول الله ? يخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، حتى إذا كان ذات يوم -أو ذات ليلة- دعها رسول الله ? ثم دعا.. ثم دعا ثم قال: يا عائشة أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه: جاءني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للذي عند رجلي أو الذي عند رجلي للذي عند رأسي: ما وجع الرجل؟ قال مطبوب -أي مسحور- قال: ممن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذي أروان، قالت فأتاها رسول الله ? في أناس من أصحابه ثم قال: يا عائشة والله لكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين. قالت: فقلت يا رسول الله أفلا أحرقته؟ قال: لا، أما أنا فقد عافاني الله، وكرهت أن أثير على الناس شرًا فأمرت بها فدفنت).. إلى هنا ينتهي الحديث الذي ورد في البخاري ومسلم عما حدث لرسول الله ?، وقد أثار هذا الحديث جدلاً كبيرًا بين العلماء.
ونحن نقول: المهم هو توثيق الحديث، أما كونهم سحروا رسول الله ? فلا شيء في ذلك, الله ( تبارك وتعالى) تحدى الإنس والجن في القرآن الكريم فقال عز وجل: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا). وقال سبحانه وتعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين).
التحدي للإنس والجن
إذن فالتحدي في القرآن الكريم هو للإنس والجن، ماذا فعل الإنس؟ وماذا فعل الجن؟ الإنس قاوموا رسول الله ? وآذوه وعادوه، وعذبوا المؤمنين وجاهروا بالعداء للدين، وحاولوا منع الناس من الإيمان، وتآمروا على قتل الرسول ?، وأحبط الله أعمالهم في كل هذا.
إذن فالإنس فشل سواء في مجاهرته بالعداء والأذى أو في تبييته وتآمره في الخفاء. بقي أن يستخدم الإنس قوة أخرى يستعين بها، بشرط أن تكون أقوى من الإنس وأكثر قدرة، أي أن هذه القوة التي يستعان بها لابد أن تكون من جنس آخر غير الإنسان؛ لأن قوى الإنسان فشلت أمام مواجهة الدعوة لدين الله، والتآمر على رسوله ?. وكانت هذه القوة هي قوة الجن، فأراد الله عز وجل أن يتحداهم بفشل قوة الجن أيضًا؛ ليعرف الناس جميعًا أن قوة الإنس لن تنال من رسول الله ?، وأن قوة الجن لن تنال أيضًا من رسول الله ?.
ماذا فعلوا؟ استعانوا بالسحر فدله الحق (سبحانه وتعالى) على أنهم سحروه وأرشده جل جلاله إلى مكان السحر وأبلغه عمن قام بسحره؛ لتعرف الدنيا كلها أنهم لن يقدروا على محمد ? سواء جاهروه بالعداء أو أخفوا هذا العداء وتآمروا عليه لقتله أو استعانوا بجنس آخر هو الجن؛ لأن الله (سبحانه وتعالى) الذي أرسله يكشف له ما يحدث ويبطل كيد الذين يتآمرون سواء كانوا إنسًا أو جنًا.
ليس اتهاماً.. بل تحدٍ
إذن كون محمد ? سحره اليهود، هذا ليس اتهامًا ضده ولكنه تحد للإنس والجن بأن يفعلوا أقصى ما يستطيعون ضد رسول الله ? والله (جل جلاله) سينصره عليهم والله (سبحانه وتعالى) قد أدخل الجن في التحدي بالنسبة للقرآن ومنهج الإسلام. وكان لابد تحقيقًا لهذه الآيات الكريمة التي تحدث الإنس والجن، أن يتم تحد حقيقي لقوى الجان، فيحاولون النيل من رسول الله ? ويفشلون وأن يكون هذا معروفًا ليس للجن وحدهم ولكن للإنس والجن؛ لأن رسول الله ? مرسل للاثنين -الإنس والجن- فلابد أن يعرفوا أن كيد الإنس والجن مجتمعين لن ينال منه شيئًا.
ولو أن هذا السحر حدث خفية وليس علنًا بحيث عرف به الناس لقالوا إن القرآن قد تحدى الإنس والجن، والإنس دخلوا في التحدي وفشلوا ولكن الجن لم يدخلوا، وربما لو كانوا قد دخلوا في التحدي لنجحوا فأراد الحق (سبحانه وتعالى) أن يثبت لهم أن الجن لو دخلوا في التحدي لفشلوا.
معجزة الهجرة
على أننا يجب أن نلتفت إلى أن الإنس والجن تآمروا على رسول الله ? مرات، وأن المؤامرة لقتل رسول الله ? في ليلة الهجرة شاركت في اجتماعات تدبيرها الشياطين من الإنس والجن والله (سبحانه وتعالى) شاء أن يتحدى كل ما دبروه لرسول الله ? في الخفاء.
وكان الأسلوب لابد أن يكون ظاهرًا فيه القدرة الإلهية التي تحفظ رسول الله ? فلم يشأ الحق (تبارك وتعالى) أن يخفي رسوله ? في مكان أمين لا يصل إليه الكفار فأبقاه في بيته وعرف الكفار أنه في بيته.
ولم يشأ الله (سبحانه وتعالى) أن يجعل رسوله ? يخرج من البيت قبل أن يصل إليه الرجال الأشداء, الذين اختبروا لتنفيذ مؤامرة قتل رسول الله ?، بل وصل هؤلاء الرجال وأحاطوا بيت رسول الله -عليه الصلاة والسلام- والرسول موجود في البيت، وهكذا اكتملت كل أركان المؤامرة.
وكان هذا الإعجاز الإلهي هو التحدي الحقيقي للكفار فلو أن رسول الله عليه الصلاة والسلام اختفي في مكان لا يعرفونه لقالوا لو وجدناه لقتلناه. ولو أنه عليه الصلاة والسلام خرج من بيته قبل أن يصل الكفار الذين أعدوا لقتله لقالوا لو وصلنا وهو في بيته لقتلناه. لقد عرفوا مكانه وهو نائم في فراشه ولكنهم عجزوا عن قتله وخرج ? سالمًا.
السحر كذلك.. إعجاز
كذلك قصة السحر، فلو أنهم لم يستعينوا بالسحر والجان لقالوا لو استعنا بالسحر لكانت لنا الغلبة عليه ولو أن الحق (سبحانه وتعالى) أبطل السحر قبل أن يقع لقالوا لو أن السحر لم يبطل لكان لنا معه شأن آخر. ولكن الحق (سبحانه وتعالى) شاء أن يستعان عليه بالسحر والجان وأن تسحر عينا رسول الله ? كما سحرت عينا موسى من قبل..
وهكذا نرى أن الحق (سبحانه وتعالى) كان رحيمًا بعباده، فإنه وإن كان قد أعطى بعض خلقه القدرة على الاستعانة بالشياطين في إيذاء البشر فإنه قد احتفظ لنفسه (سبحانه وتعالى) بإذن الضر وطلب منا أن نستعيذ به من السحر وقد أخذنا دعاء من نص الآية السابق ذكرها للوقاية من السحر والحسد.
دعاء للوقاية من السحر والحسد
اللهم إنك قدرت بعض خلقك على السحر والشر، ولكنك احتفظت لذاتك بإذن الضر. فأعوذ بما احتفظت به مما أقدرت عليه. بحق قولك: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله).
وقد يتساءل الناس كيف يمكن أن يخيب السحر؟ نقول: إن هذا يحدث في حياتنا المادية، لنفرض أن إنسانًا يريد أن يقتلني أعطاه الله القدرة على أن يشتري المسدس الذي سيقتلني به وأعطاه القدرة أن يتعلم كيفية إطلاق النار وأقدره الله أن يواجهني في مكان خال ليس فيه أحد، إذن فقد أعطاه الله كل الأسباب، ولكن هل معنى إعطائه هذه الأسباب أنه قادر على أن يقتلني؟ نقول: لا. لأنه قد تهتز يده لحظة إطلاق النار فلا تصيبني الرصاصة، وقد أتحرك أنا بإلهام من الله يمينًا أو يسارًا فتطيش الرصاصة، وقد أنحني أو أقفز فجأة أو يعوي كلب فجأة بصوت مخيف فيدخل الرعب في قلبه وفي قلبي فلا يتم شيء.
ولذلك لابد أن نشير إلى أنه إذا اكتملت الأسباب وحدها فليس معنى هذا ضرورة وقوع الشيء؛ لأنه فوق كل الأسباب إرادة المسبب، وهي التي تجعل الشيء يقع أو لا يقع مهما تكاملت الأسباب. فقد تغرق سفينة في البحر وتكون الأسباب متكاملة ليغرق كل ركابها، ولكن إرادة الحق تشاء أن يمسك شخص أو شخصان ببرميل طاف يأخذهما إلى الشاطئ. وقد يتهدم بيت ويقتل كل من فيه، ولكن عرقا من الخشب يحمي حياة رجل نائم تحته، فهذا العرق يكون السبب في وصول الهواء ومنع الأنقاض من أن تهشم رأس الرجل. وقد ينهار بيت على مجموعة من السكان ويأتي رجال الإنقاذ ليخرجوا بعضهم أحياء وبعضهم أمواتا مع أنهم كانوا يعيشون في بيت واحد، وتعرضوا لنفس الظروف. وآلاف الأمثلة الأخرى تؤكد أن إذن الله هو الفاعل مع اكتمال الأسباب المادية، وإذن الله هو الفاعل أيضًا مع اختفاء الأسباب المادية.
(من كتاب السحر والحسد لفضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي – بتصرف)