محمد "صلى الله عليه وسلم" في كتابات المستشرقين
الصفحات المتخصصة
11 مايو 2012 , 12:00ص
إعداد: د. أبو الفتوح صبري
لقد كثرت في الآونة الأخيرة اعتداءات الغرب على الإسلام وأهله، فتارة يوجه هجومه إلى مبادئ الإسلام وأصوله، وتارة أخرى يوجه هجومه إلى شخصية الرسول ?، ولا يجد المرء ردًا على ما وجه للنبي ? من إهانات وشتائم تارة، وكذب وتدليس تارة أخرى، أبلغ من عرض آراء المعتدلين من أصحاب النظرة الحيادية والمنهج الموضوعي والأمانة العلمية والأخلاقية عن شخصية الرسول ? ومكانته، ذلك أن أعداء الدين الإسلامي قد سدوا آذانهم، وأعموا قلبوهم، وقنعوا بما تلقوا من أوهام عن الإسلام وأهله، حتى صار الأمر عندهم كأنه من المسلمات التي لا تقبل الرد أو المناقشة.
ومن هنا كان من المناسب أن يكون الرد عليهم من كتابات أبناء جلدتهم من المعتدلين، هؤلاء الذين أبوا على أنفسهم أن يلووا أعناق النصوص، ويقلبوا الحقائق ويزورا التاريخ أو يختاروا منها ما يحقق غايتهم.. وهم وإن كانوا قليلاً من كثير لكنهم التزموا ما يقتضيه البحث العلمي من الأمانة العلمية والأخلاقية في العرض والأخذ والرد.. فتوصلوا إلى نتائج حقيقية.
وكان لكتاب «سيرة حياة محمد» لـ «هنري دي بولونفيرس» الأثر البالغ في تفكير فولتير، وتغيير نظرته للإسلام والرسول ?، فقد ألف فولتير كتابا بعنوان «التعصب أو النبي محمد» وصف فيه النبي ? بأنه منافق وخداع ومحب للملذات الجسدية ومستبد، وقد كان فولتير بهذا النعت غير المنصف والطعن بشخصية محمد يستهدف دحض الأفكار الدينية المتعصبة بصورة عامة في فترة سادت بها حملة عامة واسعة لدحض الأفكار الدينية المسيحية تجاوباً مع مبادئ عصر النهضة والتنوير العقلي، لكن فولتير بعد أن طالع كتاب «سيرة حياة محمد» ألف كتابه «بحث في العادات» سنة 1765م مدح به الإسلام وأشاد بمحمد وبالقرآن، وقد نعت محمداً بأنه مع كونفوشيوس وزرادشت أعظم مشرعي العالم.
«ميشيل جان دي خويه» وهو مستشرق هولندي كتب بحثًا عن «رسالة محمد» دافع فيه عن رسالة النبي ضد ما كتبه في هذا الموضوع كل من «أشبرنجر» و»باروتس».
«ألويس أشبرنجر» مستشرق نمساوي الأصل، اشتهر بكتابه عن حياة النبي محمد.. وقد حضّر له بسفره إلى الدول العربية، فأصدر القسم الأول بعنوان: «حياة محمد.. من المصادر الأصلية» عام 1851م، ثم أصدر كتاب «حياة محمد وتعاليمه» في ثلاثة أجزاء باللغة الألمانية.
ومن الكتابات التي تميزت بالإنصاف والموضوعية في هذا المقام: ما كتبه «مايكل هارت» عالم الفلك الشهير في الرياضيات، وصاحب كتاب «العظماء مائة» حيث قال في مقدمة كتابه: «إن اختياري محمداً، ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي. فهناك رُسل وأنبياء وحكماء بدؤوا رسالات عظيمة، ولكنهم ماتوا دون إتمامها، كالمسيح في المسيحية، أو شاركهم فيها غيرهم، أو سبقهم إليهم سواهم، كموسى في اليهودية، ولكن محمداً هو الوحيد الذي أتم رسالته الدينية، وتحددت أحكامها، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته، ولأنه أقام جانب الدين دولة جديدة، فإنه في هذا المجال الدنيوي أيضاً، وحّد القبائل في شعب، والشعوب في أمة، ووضع لها كل أسس حياتها، ورسم أمور دنياها، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم. أيضاً في حياته، فهو الذي بدأ الرسالة الدينية والدنيوية، وأتمها».
«توماس كارلايل» هذا الرجل المنصف الذي اتخذ من محمد ? نبياً، يدافع عنه ويدفع عنه كل الافتراءات التي حاول أن يلصقها به أعداؤه، وذلك من خلال مجموعة من المحاضرات تحت عنوان «الأبطال وعبادة الأبطال»، وقد ناقش «كارلايل» مواضيع من أخطر المشكلات التي يثيرها الغرب، وقام بالذّب عن الإسلام حتى كأننا إذ قرأنا الكلام بدون اسمه فكأننا إزاء داعية إسلامي كبير يدافع عن الإسلام ويذب عنه كيد الأعداء، ومن أبرز التهم التي يذب عنها «كارلايل» تهمة حد السيف، وتهمة الخداع، وقد وصفه «كارلايل» في كتاب الأبطال بأنه «كان واحداً من هؤلاء الذين لا يستطيعون إلا أن يكونوا في جد دائماً.. هؤلاء الذين جبلت طبيعتهم على الإخلاص.. فلم يقم هذا الرجل بإحاطة نفسه داخل إطار من الأقوال والصفات الطيبة ولكنه تفرد مع روحه ومع حقيقة الأشياء يستمد منها ما نطلق عليه الإخلاص.. شيء يملكه أسمى من طبيعة البشر، فقد كانت رسالة هذا الرجل تنبعث من فطرة قلبه وروحه، ولهذا يجب أن يستمع ويعمل الرجال، وليس لأي شيء آخر، فكل شيء غير ذلك إنما هو هباءً تذروه الرياح». وهذه مقولة له عن الرسول ?: «رجل واحد في مقابل جميع الرجال».. وأيضا مما قاله في كتابه «الأبطال وعبادة الأبطال»: «لقد أصبح من أكبر العار على كل فرد متمدن في هذا العصر أن يصغي إلى القول بأن دين الإسلام كذب، وأن محمداً خدّاع مزور، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرجل ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لمئات الملايين من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا..».. وقال أيضا: «أكان أحدهم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها وماتت عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والعد أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، فلو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بُله ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث كان الأولى ألا تخلق».
أما «تساريس وادي» المستشرقة الإنجليزية فتقول في كتابها «العقل المسلم» فقد أدركت أن إنسانيات محمد ? ليس في حجم الكلمات والتصرفات التي كان يتصرف بها فقط، بل في تعبيره عن الحق بأنه الصراط المستقيم، وهو تعبير عدل وصدق، أيضا في سعيه لأن يساوي بين البشرية في تدينها.. لقد دافع عن صلات الرحم والعقيدة بين الرسل، وأمُل أن يكون تعاونا بين أهل الأديان، وعندما خاب أمله ظل على احترامه للأديان الأخرى.. لقد أنضج [محمد] ثقافة السلام ووضع الفقراء والعبيد والمرأة في صف الأغنياء والأحرار والرجال.. لقد أعاد تنظيم السياسة والاقتصاد وحافظ على سمتها الإنساني وأشاع حياة المساواة بشكل لم يكن معروفا ولا مقبولا في ذلك الوقت.
ويحدد «جولز ماسيرمان» وهو محلل نفسي أمريكي وأستاذ في جامعة شيكاغو، ثلاثة أسس لاختيار القائد الأعظم لجميع الأزمنة، وهى: 1- يجب أن يتوفر في القائد التكوين السليم للقيادة. 2- يجب أن يوفر القائد أو من يكون قائدا نظام اجتماعي يشعر فيه الناس نسبياً بالأمن والطمأنينة. 3- يجب على القائد أن يوفر لشعبه مجموعة واحدة من المعتقدات. وعلى ضوء هذه المتطلبات الثلاثة السابقة يبحث ماسيرمان في التاريخ، ويقوم بالتحليل والتمحيص ليقرر أن أعظم قائد كان على مر العصور هو محمد ? الذي جمع الأعمال الثلاثة، وقد فعل موسى نفس الشيء بدرجة أقل.
وقال «باول شمتز» صاحب كتاب «الإسلام قوة الغد العالمية»: لقد جاهدت البشرية كثيرا لتضع ما سماه علماء القانون والسياسة، الحقوق الطبيعية للإنسان، لقد فعلها محمد ? بعفوية وبساطة عندما وقف حاجا في مكة فيما يعرفه المسلمون بحجة الوداع، وقرر حق الإنسان في الحياة والتدين والحرية والثراء الحلال والمساواة وحرمة الدم والعرض والكرامة.
في أوائل القرن التاسع الميلادي كتب المؤرخ القسطنطيني «ثيوفينيس» حديثاً عن رسول الله محمد بن عبد الله (عليه الصلاة والسلام)، ورغم أن هذا المؤلف كان يكنّ الحقد للإسلام، إلا أنه وصف الرسول الكريم بشفيع الشرقيين ومخلصهم العظيم. «ألفونس إينين دينييه» مستشرق فرنسي عكف على دراسة الإسلام وتعاليم الرسول (عليه السلام) حتى وجد نفسه يقتنع بدين محمد، فأعلن إسلامه عام 1927 وعمره ستون عاماً، وقد أطلق على نفسه اسم (ناصر الدين).. كما كتب عدة مؤلفات عن الإسلام نذكر منها: «السراب»، «ربيع القلوب»، «الشرق كما يراه الغرب»، «رسالة الحج إلى بيت الله الحرام».. وكتابه الأخير هذا قد تناول فيه بعضاً من سيرة النبي (عليه السلام)، وقد وضعه بالاشتراك مع صديق له اسمه (سليمان بن إبراهيم). ولم يستطع المستشرق الأمريكي «ارفنج» الذي ألف كتابا عن حياة الرسول الأعظم، بالرغم من تحامله الشديد على الإسلام أن يغفل عظمة الرسول الكريم ? ونزاهته وإيثاره ودوره العظيم والأساس في تأسيس الدولة العربية الإسلامية.
وقال عنه لامارتين : «رجل أسس عشرين إمبراطورية دنيوية وإمبراطورية واحدة روحية».. وقال عنه أحد المفكرين الغربيين: إنه لو أعطي لمحمد زمام الأمور في هذا العالم المليء بالملابسات والمشكلات لقاد البشرية إلى بر الأمان.