

د. أنيس اليافعي استشاري طب المجتمع لـ «العرب»: 70% من القطريين لا يمارسون الحد الأدنى الموصى به من الرياضة
الحد من احتمالية الإصابة بالأمراض السرطانية مثل القولون والثدي
انتهاج الرياضة أسلوب حياة يجعل المجتمع أكثر وقاية من الأمراض
أثار ما كشفته مؤسسة الرعاية الصحية الأولية، الأسبوع الماضي، بشأن ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة إلى ما يقارب 54% من إجمالي المراجعين لعيادات التغذية العلاجية والمجتمعية في جميع المراكز الصحية التابعة لها، أثار حالة من الجدل في ظل توفير الدولة كثيرا من الحدائق العامة وكثيرا من أماكن ممارسة الرياضة بمختلف مناطق الدولة.

وهنا يكشف الدكتور أنيس اليافعي مسؤول الصحة والمعافاة واستشاري طب المجتمع في مركز لعبيب الصحي التابع لمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، عن مفاجأة أخرى صادمة، حيث أكد أنه في قطر لا يمارس (70%) من المواطنين الحد الأدنى الموصى به من الرياضة أو النشاط الحركي الأسبوعي، موضحاً أن العلماء أجمعوا على أن ممارسة الرياضة مدة (150) دقيقة أسبوعيا يحد من الأمراض والإصابة بها ويحافظ على الوزن والصحة العامة.
وقال د. اليافعي في تصريحات خاصة لـ «العرب»: كما أن الخمول ينتشر أكثر عند الإناث البالغات أكثر منه عند الذكور. ولقد أفردت دولة قطر العديد من المبادرات لتحفيز المجتمع على استخدام الرياضة كأسلوب حياة مثل اليوم الرياضي، تعزيز الصحة المدرسية بالمرافق الرياضية، انتشار المسارات المخصصة للمشي في الأحياء والمناطق فضلا عن تزويد الحدائق العامة بالعديد من الأجهزة الرياضية وانتشار مراكز الصحة والمعافاة بمراكز مؤسسة الرعاية الصحية الأولية. كما أن قطر لم تعد منظمة للمسابقات والفعاليات الرياضية المحلية أو الإقليمية فحسب، بل وصلت للعالمية مما يجعل هذه رسالة للمجتمع للالتفات أكثر لجعل الرياضة أيضا خيارا حياتيا للفرد ونشاطا يوميا مستمرا.
ليست وسيلة ترفيه
وأضاف د. اليافعي: للرياضة أهمية كبيرة في تعزيز الصحة العامة للمجتمع بمختلف فئاته العمرية، فهي ليست وسيلة ترفيه، بل أداة فعالة لصحة المجتمع بشكل عام، وقد عززت البراهين والأدلة البحثية الأثر الصحي للرياضة كإحدى الوسائل الحديثة للوقاية والتحكم بكثير من الأمراض الشائعة.
واستعرض اليافعي ما للرياضة من أهمية عالية على الصحة والدور الوقائي للحد من الإصابة بالأمراض المزمنة، حيث أكد أن الدراسات العلمية كلها تشير إلى الارتباط الطردي بين ممارسة الرياضة وتحسن مستوى الصحة العامة وجودة مستوى الحياة للفرد. فكلما زاد واستمر النشاط الرياضي للأفراد زادت قدرتهم للعيش بحياة أكثر صحية خالية أو قليلة الأمراض، بل إن الممارسين للرياضة كأسلوب حياة مستمر يعمرون سنوات أكثر من نظرائهم بنفس الجيل والجنس الذين يتبعون نمط حياة خاملة.
وتابع: توثق العديد من الأبحاث العلمية الدور الفعال للحد من تطور والوقاية من الإصابة بالأمراض غير الانتقالية مثل داء السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والأوعية الدموية. كما يتعدى دور الرياضة إلى الوقاية من الأمراض النفسية والعصبية، بل والحد من احتمالية الإصابة بالأمراض السرطانية مثل سرطان القولون وسرطان الثدي. كما تم إثبات الدور الفعال للرياضة في تحسين الأداء الفسيولوجي للعديد من الأجهزة في جسم الإنسان كالقلب والجهاز الدوري، عمل الرئتين، المفاصل والأربطة وباقي مكونات الجهاز العضلي والحركي. هذا ويصل الدور الفعال للرياضة إلى تحسين جودة عمليات الأيض والاحتراق المختلفة بالجسم وخلق التوازن النوعي بين المكونات الكيميائية في الخلايا.
وأشار إلى أن الدراسات التجريبية تدعم الإضافة الكبيرة للرياضة في الحد من تطور الأمراض المرتبطة بالشيخوخة وكبار السن مثل مرض الزهايمر، الشلل الرعاشي وغيرهما. هذا فضلا عن تعزيز الصحة النفسية لكبار السن وتدعيم مستوى حياة ذي جودة عالية ترتكز على اعتمادهم على أنفسهم بشكل أكبر، مضيفاً: ولا يقف دور الرياضة على ذلك، بل إنه إحدى وسائل الوقاية الرئيسية للأمراض ذات المنشأ المرتبط بالطفولة مثل السمنة عند الأطفال التي قد تكون بداية سلسلة من الأمراض المزمنة مثل السكري والقلب وارتفاع معدل دهنيات الدم في عمر الشباب.
تطورات الأمراض المزمنة
وقال د. اليافعي: لقد بدأت الكثير من دول العالم في استخدام الرياضة كخيار يدعم عملية ضبط والتحكم لكثير من الأمراض غير الانتقالية، إذ أصبحت الكثير منها لا تستجيب بشكل كامل فقط عن طريق التدخلات الدوائية. ويعتبر استخدام الرياضة خيارا أقل تكلفة ومنعدما تقريبا من الأعراض الجانبية الخطرة ومتوفر لجميع الأفراد بمختلف أعمارهم. تعد الرياضة متحكما وضابطا لكثير من عوامل الاختطار المرتبطة بالأمراض المزمنة الشائعة مثل السمنة، السكري وارتفاع ضغط الدم التي تؤدي إلى أمراض القلب والأوعية الدموية التي تعد السبب الأول للوفاة والعجز في قطر.
وأضاف: تؤكد الأبحاث العلمية أن من يمارسون الرياضة بشكل مستمر يحسنون من مستوى السكر التراكمي في الدم، ومستوى ضغط الدم بشقيه الانقباضي والانبساطي، مستويات دهنيات الدم مقارنة بالأفراد الذين يعانون من نفس الأمراض ولا يمارسون الرياضة بشكل مستمر. كما أن الذين يعتبرون الرياضة نشاطا يوميا أو شبه يومي يتعايشون مع الأمراض المزمنة بعدد أقل من الأدوية وبفترات زمنية متباعدة لحدوث المضاعفات المرتبطة بهذه الأمراض.
وأردف: كما أن الرياضة تعزز فعالية علاجات كثير من الأمراض مثل الاكتئاب والرهاب وأمراض ثنائية القطبية وغيرها من الأمراض النفسية والعصبية. كما يحسن من حياة المصابين بالأورام السرطانية والذين أصيبوا بجلطات دماغية أو سكتات قلبية أو أمراض المفاصل المزمنة.
الرياضة أسلوب حياة
وشدد على أهمية انتهاج الرياضة كأسلوب حياة وأنه خيار فعال ومثبت علميا لرفع قدرة المجتمع في الوقاية من العديد من الأمراض، بل وتقليل الضغط على الخدمات الصحية وتوفير الفاتورة العلاجية بشكل عام. كما يتضح من خلال الدراسات الميدانية أن المجتمعات الأكثر نشاطا بدنيا تتمتع بعمر أطول، وصحة عامة أفضل وجودة حياة نفسية وحركية أحسن عند مقارنتها بمجتمعات يعيش أفرادها على قلة الحركة والابتعاد عن ممارسة الرياضة باستمرار.
ولفت إلى اعتماد كثير من المعاهد والدراسات والجامعات دراسة الرياضة كوسيلة وقائية وعلاجية في مناهج التدريس والبحث لطلبة الكليات قبل وبعد التخرج، وتفرد مجلات البحث العلمي حيزا وافرا لدراسة تأثير الرياضة الكبير على أجهزة الجسم المختلفة.

جوزفين بوعكر: إقناع الأسرة بأهمية النظام صحي «أكبر تحدٍ»
أكدت جوزفين بوعكر ممرضة في مركز التعليم المبكر التابع لأكاديمية قطر– الدوحة، إحدى المدارس العاملة تحت مظلة التعليم ما قبل الجامعي في مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع أن المركز يضم أطفالًا تتراوح أعمارهم بين سنة و3 سنوات، ويتم الإشراف من قبل الممرضات على النظام الصحي للأطفال بشكل مباشر، بالتعاون المستمر مع أولياء الأمور.
وقالت في تصريحات لـ «العرب»: إن من أبرز التحديات التي تواجهنا، هو تحديد نظام صحي للطفل يتبعه في المدرسة والبيت معاً، بحيث نحافظ من خلاله على وزن الطفل ونضمن حصوله على المواد الغذائية الأساسية، وإبعاده بشكل خاص عن الحلويات والسكريات التي تزيد من إمكانية إصابته بالسمنة المفرطة التي قد تؤدي الى مرضه بالسكري مستقبلًا.
وأضافت: كممرضة متخصصة في مجال السكري، أرى أن التحدي يكمن في إقناع كل أفراد الأسرة بأهمية الالتزام بهذا النظام، وعدم تبني نهج مكافأة الطفل بالحلوى التي يكافئ بها الآباء وأفراد الأسرة أطفالهم، حيث لا يصح أن يتحول شراء السكريات إلى وسيلة للترغيب بالمدرسة أو غير ذلك، بل لابد أن يكون النظام مطبقا من قبل الجميع بحيث لا يشعر الطفل بالتشتت، ولا يستغل طرفًا دون آخر.
تفريغ طاقة الطفل
وأكدت أن المشكلة لا تقتصر فقط على النظام الغذائي، بل إن الفترة التي يقضيها الطفل أمام الشاشات سواء التليفونات أو التليفزيون تلعب دورًا في ازدياد فرص إصابته بالسكري، حيث يجب أن يتحرك الطفل وأن يفرغ طاقته في اللعب والأنشطة البدنية.
وتابعت إنه يجب على كل أم أن تحرص دائما على أن يعيش أبناؤها طفولتهم كما يفترض أن تكون، وألا تكون الشوكولاته والعصائر الصناعية والحلوى جزءًا من نظامهم الغذائي، وإن كانت تقتصر فقط على المناسبات، وهو ما يجعلهم يعتادون على بدائل صحية أكثر كالفواكه والخضار، فضلا عن أهمية الانخراط في أنشطة رياضية عديدة مثل السباحة ولعب كرة القدم وكرة اليد والتايكوندو وغيرها مما يجعل الرياضة جزءاً من روتينهم اليومي.
وحذرت من فقدان الأطفال لمهاراتهم بسبب الألعاب الالكترونية والبرامج التلفزيونية، حيث يجب ألا يتم ترك الأجهزة اللوحية (الآيباد) في أيدي الأطفال في المنزل أو خلال ركوب السيارة على سبيل المثال، بل يجب أن يتم منح الطفل فرصة الاستمتاع بالمناظر الخارجية، واستكشاف الشوارع والحدائق والأرصفة.
وأكدت أهمية التواصل مع الأطفال بشكل أكثر والحرص على مشاركتهم في الألعاب بدلًا من تركهم في عالم تكنولوجي جامد، موضحة أن الأمر لا يتطلب أكثر من أن نكون حاسمين وأن نتخذ قرارنا اليوم قبل الغد بأن نجعل من صحة أطفالنا أولوية، وأن نقدم لهم ما يجعلهم أصحاء أكثر جسديًا ونفسيًا وفكريًا كي نحميهم قدر الإمكان من أمراض قد تهدد حياتهم.
مخاطر جمة
وأوضحت أنه على الرغم من كون السكري هو داء العصر لانتشاره الواسع، ومخاطره الجمّة، ما زال هناك من يقلل من أهمية هذا المرض، ولا يدرك حجم خطورته، ويهمل صحته حتى لو كان معرّضًا للإصابة، لافته إلى أنه وفقًا للاتحاد الدولي للسكري، فقد بلغ انتشار السكري معدلات وبائية على مستوى العالم، حيث يعاني منه 537 مليون شخص بالغ في المرحلة العمرية ما بين 20-79 سنة، وتشير التوقعات الحالية إلى أن هذا الرقم سيرتفع إلى 783 مليون شخص بحلول عام 2045.
وأضافت أن مرض السكري يعد سببًا رئيسيًا من أسباب الإصابة بالعمى، والفشل الكلوي والنوبات القلبية والسكتات الدماغية، وبتر الأطراف السفلية، محذرة من عدم الحذر والإهمال في تبني أنماط صحية يمكن أن تسهم بنسبه كبيرة جدا في منع الإصابة خاصة إذا علمنا أن 90% من نسبة المصابين بالسكري، مصابون بالنوع الثاني منه، أي الذي يمكن الوقاية منه، وهي التي تتم عبر التدخل المبكر وتبني أنماط حياة صحية من خلال ممارسة الرياضة واتباع نظام غذائي صحي.
د. رضا الشيخ: الوالدان مسؤولان عن سمنة الأبناء
قال الدكتور رضا الشيخ، رئيس قسم التغذية العلاجية بمستشفى العمادي: لا شك بأن التوعية بأهمية الرياضة مطلوبة دائماً، كما تقع مسؤولية كبيرة على عاتق الوالدين، فيجب أن يرى الطفل أباه وأمه يمارسان الرياضة، وأن لا يقعا في الممارسات الغذائية الخاطئة.
وأضاف: ممارسة الوالدين للرياضة يشجع الأبناء على ممارستها، وأن يخصصا وقتا من يومهما لتوصيل الأبناء للتمارين الرياضية، وغيرها من الأمور التي تشجع على ممارسة الرياضة، وكلها سلوكيات لها تأثير كبير على ممارسة الأبناء للرياضة.
وتابع: في الكثير من الأحيان لا يمارس الوالدان الرياضة، ولا يحثان الأبناء على ممارستها، بل على العكس تماماً قد يصل الأمر إلى التدليل المفرط بتوفير كل ما يرغبون فيه، كالوجبات السريعة وغيرها من الأمور، التي يعتقد ولي الأمر أنها في صالح ابنه، بل إنها تتسبب في ضرر كبير على الابن.
وأكد على أن المسؤولية تقع على الأب والأم، كونهما من يورثان الأبناء عادات غذائية غير صحية، فالطفل لا يعرف الوجبات السريعة من نفسه، ولكن ولي الأمر هو من يحضرها للأبناء، حتى أن بعض أولياء الأمور لا يضعون حداً للوجبات السريعة بالنسبة للأبناء، لذا فالمسؤولية تقع على الأب والأم والمدرسة في ترسيخ السلوكيات الصحية لدى الأبناء.
وتابع: بنسبة 70% تقع المسؤولية في سلوكيات الأطفال غير الصحية على الوالدين، وللمدرسة أيضاً دور كبير في التعريف بهذه السلوكيات والحد منها بين الأطفال.
مسؤولية الأب والأم
وأردف د. رضا الشيخ: من واقع الحالات التي تراجعنا، أؤكد على أن الكثير من الحالات لديهم معرفة تامة بخطورة مرض السمنة على صحتهم وصحة أبنائهم، ولديهم فهم كامل لما قد تسببه السمنة من مخاطر، وعلى الرغم من ذلك تراجعنا بعض الحالات التي يصل فيها وزن الطفل لأكثر من 200 كيلو جرام، في عمر لا يتعدى 14 أو 15 عاما.
وأشار إلى أن المسؤولية في وصول الطفل إلى مرحلة السمنة المفرطة تقع على الأب والأم، فكيف يتركون الأبناء حتى يصلوا إلى هذا الوزن، ولما لم يقوموا بعلاجه في مرحلة مبكرة، فالسمنة مرض، بل إنها مصدر للأمراض، وقد تتسبب في الكثير من المشكلات الصحية.
ونوه بأن الدولة وفرت الكثير من الإمكانات التي تيسر لممارسة الرياضة، مضيفاً: الأمور ميسرة لممارسة الرياضة لأكثر درجة ممكنة، فالجميع لديهم الوقت لممارسة الرياضة، والدولة وفرت الأجهزة الرياضية في الأماكن العامة، وحدائق مجهزة لممارسة الرياضة، حتى أن الأندية الرياضية التي توفر تمارين كالسباحة وغيرها تضع الكثير من الخصومات على برامجها ما يشجع على ممارسة مختلف الرياضات.
وتابع: قطر من أكثر الدول التي تشجع على ممارسة الرياضة، واليوم الرياضي دليل على ذلك، وأجهزة ممارسة الرياضة متوفرة في الشوارع، وهذا أعلى درجات التشجيع على ممارسة الرياضة.
الضغط والسكري
وقال د. الشيخ: الطفل الذي يصل لمستويات معينة من السمنة المفرطة يتحول إلى «قنبلة» أمراض، فمن غير المقبول أن يكون الطفل مصابا بكبد دهني وهو في عمر الـ 13 أو الـ 14 عاما، أو أن يكون مصابا بأمراض الضغط والسكري، فكلها مشكلات تتسبب فيها السمنة.
واقترح رئيس قسم التغذية العلاجية في مستشفى العمادي أن تضع الدولة حداً أو أن يوضع قانون يقلل من السمنة بين طلاب المدارس، بأن يتم رصد وزن الطلاب، ومن ثم وضع برامج رياضية يومية للطلاب الذين يعانون من زيادة الوزن، وأن لا يُسمح للطالب بتجاوز العام الدراسي إن لم يلتزم ببرامج التغذية، بما يجبر أولياء الأمور على الاهتمام بصحة وسلامة الأبناء من مرض السمنة، فلا يتكاسلوا عن أبنائهم.