

رزقني الله بـ 8 أبناء عوّضوني عن وحدة طفولتي.. والبنات الأقرب لقلبي
أنهيت الجامعة في 3 سنوات ونصف فقط بـ «امتياز»
كنت أول من اعتمد منهجية «الأب الثاني» بين الطالب والمعلّم
تقاعدت لأزيد العطاء.. وليس للراحة والاستجمام
عندما تبدأ في تشكيل حياتك ومساراتها فاتباع الدروب النمطية هو الأصل عند الأغلب، ولكن الخروج عن القوالب الجاهزة والمتعارف عليها للحياة هو أمر ليس بالهيّن، وعادة يتعرض صاحب هذه الرغبة لكثير من التحديات والمتاعب، خاصة عندما يملك طموحاً كبيراً يقوده نحو ذلك. الدكتور درع الدوسري مستشار التدريب والتطوير شخص يؤمن بنفسه وبقدراته، التي طالما بذل في سبيل تطويرها الكثير من الوقت والجهد والمال، يردد مراراً وتكراراً دعواته لتغيير الذات الذي يصبّ في سبيل «التطوير والتنوير» حسب وصفه، في حواره مع «العرب».
يهرب من الحياة الرتيبة والاعتيادية فيصنع لنفسه عالماً خاصاً، يريد من خلاله أن يكون صاحب بصمة وتأثير على المستوى الإنساني، وبالتالي ليس غريباً عندما تسمع منه أنه يتمنى أن تكون خاتمة حياته بين الملهوفين والمحتاجين في إحدى الدول الفقيرة، بعيداً عن الرفاهية التي يميل إليها البعض.
وهنا تفاصيل الحوار:
* حدّثنا عن نشأتك وأهم التحديات فيها.
- كانت نشأتي مُغلفة بالجانب الديني نظراً للقائي بعدد كبير من المشايخ بحكم عمل والدي -رحمه الله- حيث كان يعمل مديراً لمركز الدعوة والإرشاد في قطر، فأتممت حفظ القرآن الكريم كاملاً ولله الحمد وأنا طفل. كان أول تحدٍّ لي هو وفاة والدتي وأنا بعمر 15 سنة، فاحتضنتني جدتي لأمي وأكملت تربيتي في السعودية وحيداً، لأنه لم يكن لدي إخوة أشقاء، وتخرجت من الجامعة في كلية التربية تخصص أحياء، تزوجت وعدت إلى قطر وبدأت الرحلة المهنية في إحدى المدارس.

* أين بدأت عملك كمدرس؟
- كنت حديث التخرج وعلى الرغم من ذلك بدأت العمل في مدرسة المانع الثانوية، وهذا ليس شائعاً؛ لأن التوظيف يبدأ للمرحلة الابتدائية والإعدادية ثم الثانوية، ولكن أصررت بهدف اختصار المراحل المهنية النمطية للوصول إلى طموحي، وهذا ليس الاختصار الأول فأنا أنهيت الجامعة في 3 سنوات ونصف فقط بتقدير امتياز.
بين مصر وأميركا
* وماذا عن إكمال دراستك في أميركا ومصر؟
- ذهبت بعد أزمة 11 سبتمبر 2001 مباشرة على الرغم من التحذيرات من الأقارب والأصدقاء؛ نظراً للاضطهاد الذي تعرض له المسلمون خلال هذه الفترة، ولكن إصراري كان أكبر من هذه التخوفات، وبالفعل أنهيت رسالة الماجستير وعدت إلى الدوحة، وحصلت فيما بعد على درجة الدكتوراة من مصر.
* ما أهم ذكرى لك خلال دراستك في أميركا؟
- من أجمل الأشياء التي أذكرها مشاركتي في تأسيس مركز الدوحة الإسلامي في أورلاندو بولاية فلوريدا، وما زال قائماً حتى الآن.
* وماذا عن الخط المهني الجديد بعد عودتك من أميركا؟
- توليت منصب مدير مدرسة الأحنف الإعدادية بنين، وواجهتني تحديات عديدة أبرزها 3 ملفات ونجحت في تجاوزها، منها ملف تناول بعض الطلاب للسويكة -وهي مادة مخدرة- وملف التنمر ومشكلات أسرية لدى الطلاب.
* وكيف نجحت في تجاوز هذه الملفات؟
- حوّلت المدرسة لثكنة عسكرية تستند إلى الانضباط والالتزام، لدرجة أن عدداً من الطلاب انتقل لمدرسة أخرى، ومنعت الطلاب من إحضار أي ممنوعات قبل الدخول إلى المدرسة، وأحضرت في سبيل ذلك بعض الأجهزة الخاصة بالكشف عن المواد المخدرة على غرار الموجودة في المطارات.
وكنت أول من اعتمد منهجية «الأب الثاني» بحيث يكون كل مدرس مسؤولاً عن 10 طلاب من الناحية التربوية والواجبات المدرسية، وبالتالي صنعت علاقة مختلفة بين الطالب والمدرس، وأثمرت ونجحت بالفعل في خلق علاقات فريدة من نوعها.
ونظّمت رحلة عمرة للطلاب بدعم من هيئة الأوقاف حينها، فاخترت الطلاب الأكثر شغباً وغير الملتزمين، بهدف إصلاح أحوالهم ودعمهم تربوياً، وكانت الرحلة تضم 20 طالباً و20 مدرساً ليكونوا في صحبة بعضهم البعض، ومن ثم يكون التأثير فعالاً، وعاد الطلاب مختلفين تماماً.
الزواج المبكر
* هل قرار الزواج بعد التخرج مباشرة كان صحيحاً؟
- بالتأكيد، وساهم في استقراري العاطفي والنفسي، ورزقني الله بـ 8 أبناء، وكأن الله عوض وحدتي وأنا طفل بهؤلاء الأبناء، وأجد نفسي بين بناتي وهن 6 نظراً لحنانهن وعطفهن عليّ.
* أين حق الأسرة من كل هذا الزخم المهني؟
- لم أتخلَّ عن واجباتي الأسرية، ولكن أعترف أنني كنت مقصراً في البداية؛ لأجل تحقيق هدف أسمى وهو دوري التربوي على مستوى المدارس، وتكوين جيل جديد تقوم المدرسة تجاهه بالدور المأمول تعليمياً وتربوياً.
ولا يمكن أن أنكر دور زوجتي التي دعمتني كثيراً سواء على مستوى تربية الأبناء والعمل كذلك.
* هل يمكن وصف طموحك بأنه جامح؟
- نعم لدي طموح ولكن بوعي وهدوء، بحيث لا يؤثر هذا الطموح على مهامي وواجباتي في بقية مناحي الحياة، أو أن يتسبب في أي تقصير وخاصة في النواحي العائلية.
* وماذا فعلت لأجل هذا الطموح؟
- استثمرت في ذاتي أكثر من 780 ألف ريال، أنفقتها في سبيل الحصول على دورات تدريبية، وقمت برحلات سفر استكشافية لاكتساب الخبرات.
* لماذا اخترت التقاعد على الرغم من عدم بلوغك السن؟
- عمري الآن 49 عاماً، وتقاعدت العام الماضي عن قناعة وقرار شخصي، ولدي فلسفتي في هذا القرار؛ لأني أهدف إلى تحقيق شغفي الذي أعشقه مثل الكتابة، وهو تنظيم الدورات التدريبية لأجل التطوير والتنوير، وغيرها من الأمور التي تبتعد عن نمطية الحياة التقليدية.
* لماذا لم تختر التقاعد في عمر 60؟
- لأني أمقت الحياة المقولبة والعادية التي يفتقر فيها الشخص لأن يكون صاحب بصمة وتأثير في الحياة، كما أنه من غير المعقول أن يبدأ الشخص في ممارسة ما يعشق بعد عمر 60 سنة، بعد أن تفقد الحياة بريقها وتقلّ قدراته الجسمانية والنفسية في استكمال ذلك الشغف.
وتقاعدي كي أزيد العطاء لا لكي أرتاح، فالبعض يعتقد التقاعد راحة واستجماماً، وهذا غير صحيح في قاموس حياتي.
* هل تفضّل دور القائد؟
- أحسب نفسي قائداً إدارياً وحياتياً، رغبة في التغيير وليس من باب الفوقية أو التعالي على الآخرين؛ لأن القائد الناجح لا يلجأ للسلطوية.
* هل يخاف البعض من الإنسان الناجح؟
- بالتأكيد، وهذا من أسباب مشكلاتي؛ لأن هناك توقعاً أن الشخص الناجح دائماً يسعى للمناصب، ولكن هناك فرق واضح بين المنصب والسعي للكرسي، بمعنى عندما طمحت للمنصب كنت أريد التغيير لمنظومة التعليم بأكملها على شاكلة القفزة التي أحدثتها في المدارس التي توليت إدارتها، وليس تعلقاً في كرسي المنصب بشكل مطلق، أحياناً يكون المنصب وسيلة للتغيير وليس غاية.
«الصدامية» أبرز عيوبي
* كيف ترى عيوبك؟ وما سبيلك لإصلاحها؟
- أنا شخص صدامي، ولكي أصلح ما تفسده الصدامية في علاقاتي، اقتنعت بقاعدتين ونفذتهما «ارتقِ ولا تنزل إلى المستنقع» و» تجاهل الجاهل».
في بعض الأحيان يعتقد من حولنا أن الصمت ضعف والمواجهة صدام وتهور، ولأني لم أدِرها بالشكل الصحيح تسبب ذلك في خسارتي الكثير؛ لأنها عرضتني للخذلان والخيانة من أصدقاء.
* وكيف أثر تعرضك للخذلان والخيانة في علاقاتك؟
- أصبحت أكثر تحفظاً، ودائرة علاقاتي صارت محدودة مقارنة بما كانت عليه.
* بماذا تريد أن تختم حياتك؟ وأين؟
- أريد أن أختم حياتي في إحدى البلاد الفقيرة في أفريقيا أثناء خدمة أهلها ومساعدتهم في تنمية وتطوير حياتهم.
أتمنى أيضاً بناء مركز تطوعي ويبقى أثر درع الدوسري في الحياة حتى يوم القيامة في إغاثة الملهوفين؛ ليكون صدقة جارية بعد وفاتي.
«الذكاء العاطفي».. وكتب جديدة منتظرة
عن كتابه الأخير «الذكاء العاطفي»، يقول د. درع الدوسري: من خلال الدورات التي قدمتها سابقاً في العديد من المجالات القيادية والإدارية، ومخالطتي للعديد من المتدربين وكثير ممن كان يطلب الاستشارات، وجدت أن هناك حاجة كبيرة جداً لملء فراغ كبير يشغل بال الكثيرين في كيفية إدارة العلاقات وإدارة العواطف والوعي بالذات والتعامل مع المشكلات والخلافات الحياتية منها والمهنية، فجاءت فكرة الكتاب ليسد جزءاً من الفراغ في المكتبة العربية.
وأضاف: ويتضمن الكتاب ما أحمله من تجارب شخصية خلال فترات حياتي المختلفة، سواء لذاتي أو لمن هم معي في دائرة العمل، وما ألمسه من تحديات تواجه الكثيرين في مجال عملهم وأداء وظائفهم. وينوه د. الدوسري بوجود كتب أخرى له في طور الإعداد، وهي:
- إدارة الوقت والأولويات.. كيف تدير وقتك وتحدد أولوياتك
- الاتصال والتواصل.. علم وفن
- التخطيط الذاتي الناجح.. كيف تخطط، كيف تحقق أهدافك، كيف تقود الحياة
- قيادة الذات وإدارتها.. كتاب سيغير من طريقة قيادتك لذاتك
- مرشدك الشخصي للتنمية الذاتية