تنبيه القرآن إلى فهم سنن التاريخ والواقع
الصفحات المتخصصة
11 مارس 2016 , 03:24م
بدران مسعود بن لحسن
إن المتأمل في القرآن الكريم من جهة، وفي تاريخ التبدل والتداول الحضاري للأمم من جهة أخرى، يجد أن القرآن الكريم - بما أنه كتاب هداية - قد حوى كل ما يحتاجه الإنسان للاهتداء به إلى أن تقوم الساعة.
وإن الدراسة المتأنية للقرآن الكريم تجد فيه زادا معرفيا ومنهجيا مُهِمّا يؤسس لفَهْم حركة الحضارة، وكيفية نشأة الأمم والدول والحضارات وسنن قيامها وسقوطها.
وفي هذا المقام، أود أن أسجل بعض الملاحظات عن السنن التاريخية في القرآن الكريم، من أجل إبراز الأهمية التي أعطاها القرآن لمثل هذه السنن، كذلك لحث الهمم على توظيفها في إحداث التغيير المطلوب منا، من أجل تحقيق نهضتنا ومجد أمتنا وخير الإنسانية.
وإن السنن أو القوانين التاريخية الواردة في القرآن لها أهميتها بالنسبة لما نعيشه محليا ودوليا، وليس الكلام عن سنن القرآن التاريخية بالأمر النظري البحت.
ولعل القارئ يتساءل عن صلة القرآن الكتاب الديني بموضوع التغير التاريخي، وقوانين التداول الحضاري، والعلاقات بين الأمم على المستوى الحضاري.
وهذا الإشكال يزول عندما ندرك مقاصد القرآن في تأسيس الوعي بأن حركة الوجود تقوم على سنن وقوانين ينبغي أن نعيها ونُسخِّرَها، وكما يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة، فإن "السنن هي القانون الذي يحكم الكون، هي القدر الذي شرعه الله لترتيب النتائج على المقدمات، وهو الذي يمثل العدل المطلق والجزاء الأوفى على السعي"، كما يؤكد ذلك الأستاذ عمر عبيد حسنة، وهذا إذا وعيناه يمنحنا قدرة كبيرة على الفعل التاريخي المنتج والإيجابية المستمرة.
القرآن ينبه إلى وجود سنن تاريخية:
يقول إقبال في كتابه (تجديد التفكير الديني في الإسلام): إن مجيء الإسلام "كان إيذانا بميلاد العقل الاستدلالي"، ذلك أن القرآن الكريم - كتاب الإسلام - أرسى قواعد النظر العلمي، وفتَح للإنسان أفق التفكير القائم على المنهج، والبعيد عن الخرافة.
فالقرآن رفض النظرة الخرافية لحركة التاريخ، وجعل الإنسان سيدا قادرا على تحديد مصيره بناء على تفكيره واختياره الحر، ورفض القرآن أيضا تفسير حركة التاريخ بناء على الصدفة أو القدرية أو الجبرية والاستسلام لحركة الواقع دون اتخاذ الأسباب.
ولذلك فقد نبه القرآن الناس إلى وجود سنن تحكم حركة التاريخ، لا تتأخر، ولا تحابي، ولا تضطرب، وعلى من يريد أن يوجه حركة التاريخ لصالحه أن يتعامل مع هذه السنن فيسخرها له.
إن أمر القرآن بالسير في الأرض والنظر في بدأ الخلق، والتنبيه إلى تبدل الأيام والدول بين الناس، الغرض منه تعليم الإنسان أن العفوية والخرافية والصدفة لا وجود لها في عالم الخلق وعالم الأمر، لا وجود لها أبداً، وانظر إلى قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ}، وقوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقُ}، وغيرها من الآيات كلها تنبهنا إلى أن كل شيء خُلِقَ بقدر، وهذه الأقدار ما هي إلا السنن والقوانين التي تحكم الآفاق والأنفس والتاريخ.
وفي الحقيقة، فإن وعي هذه السنن والقوانين التي جاء التنبيه عليها في كتاب الله تعالى أمر بالغ الأهمية؛ ليس على المستوى النظري فحسب، بل على المستوى العملي من خلال تعاملنا اليومي مع مختلف أحداث التاريخ صغيرها وكبيرها.
فَهْم السنن:
وفي عصرنا هذا تداولت علينا أحداث وظواهر بالغة الخطورة؛ نظر إليها الكثير منا على أنها جبر وحتم لا يمكن مقاومته أو التعامل معه، لذلك وقف الناس حيارى أمام ظواهر الاستعمار، والحداثة، والهيمنة الغربية، والحضارة الغربية، والنظام العالمي الجديد، والعولمة، وغيرها، دون أن يتنبهوا إلى أن هذه الظواهر والأحداث لا تخرج عن نطاق عالم الخلق أو عالم الأمر اللذين هما ملك لله تعالى، وأنها لا تخلو من قيامها وفق سنن غاية في الدقة والانتظام.
ومن أجل التعامل معها، لا بد مِن فَهم السنن القائمة عليها، وتطويعها، وتسخيرها لصالح الإنسانية.
ولا ينبغي أن يخامرنا الشك في أن الله تعالى، الذي جعل قوانين في الطبيعة واستطاع الإنسان معرفتها وتسخيرها، قد غفل عن جعل قوانين في الظواهر الاجتماعية المختلفة والأحداث التاريخية وهي مخلوقة له أيضا؛ لذلك علينا أن نكتشف قوانين هذه الظواهر والأحداث وأن نتعرف على سننها لنتحكم فيها ونسخرها حتى لا نقع في الجبرية التي تؤدي إلى اليأس، فإنه {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.
إن علينا أن نبحث عن سنن الله تعالى في التاريخ التي كشف القرآن الكريم عنها، وأن ندرك تماما أن الأحداث التاريخية تتحكم بها قوانين تاريخية، وعلينا أن ندرس خصائص وطبيعة تلك السنن، ونعرف كيفية التعامل معها وتسخيرها لصالحنا، ذلك أن الله تعالى سخر لنا كل شيء في هذه الدنيا من أجل إنجاز مشروع الاستخلاف {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً}، وتحقيق العبودية له سبحانه {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وهي أسمى غاية خلق لها الإنسان.
بدران مسعود بن لحسن
أستاذ مشارك بقسم مقارنة الأديان - كلية الدراسات الإسلامية
جامعة حمد بن خليفة
/أ.ع