التنمية السكانية والتصنيع وتنويع الأنشطة أبرز التحديات
اقتصاد
10 ديسمبر 2013 , 12:00ص
متابعة: محمد عمار
أكد الاقتصادي القطري الدكتور خالد بن راشد الخاطر والباحث المتخصص في شؤون السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي، أن أكبر تحدٍّ تواجهه دول مجلس التعاون هو تنويع الاقتصاد، وأكبر تحد وأهم عنصر في تنويع الاقتصاد هو تنمية وتراكم رأس المال البشري، مطالبا دول مجلس التعاون بتنمية نشاط القطاع الخاص وولوج مجال التصنيع لعدة أسباب: منها أن الاعتماد على الريع وطريقة استغلاله منذ اكتشاف النفط في هذه الدول لن يكون قابلا للاستمرار في الأجل الطويل.
وكشف الخاطر خلال محاضرة ألقاها حول «إدارة الاقتصاد الكلي في قطر ودول مجلس التعاون الخليجي» بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة نهاية الأسبوع, أن دولة قطر تعد نموذجا ضمن المجموعة التي شكلت وفرة الموارد فيها نعمة. وذكر أن قطر دولة كثيفة الموارد الطبيعية، وبلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي الحقيقي فيها %7.41 خلال الفترة من 1980-2012، وهو معدل نمو يعتبر قويا ولفترة طويلة خلال ثلاثة عقود. بالإضافة إلى أن دخل الفرد في قطر يعد الأعلى في العالم منذ عام 2010 حتى الآن بوصوله إلى 106000 دولار.
وقال الخاطر: إن ما جاء من تأكيد حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى, حفظه الله, في خطابه الأخير أمام مجلس الشورى, عن تحسين الإنتاجية والإخلاص في العمل وللوطن, وأن الثروة من دون ذلك قد تؤدي إلى إفساد الفرد ونشوء الشخصية الاتكالية وغير المنتجة، هو كلام ثابت من الناحية العلمية. وأكد أن كثافة الموارد يمكن أن تقود إلى التكاسل والاتكالية وغير ذلك من علل الاقتصاد الريعي.
وبين الخاطر أن نظريات الدولة الريعية الحديثة أثبتت ما يسمى بنقمة الموارد. وهي أن الاقتصادات كثيفة الموارد الطبيعية لا تنمو في الأجل الطويل، مستشهدا بالدراسة الشهيرة للاقتصاديين المعروفين Sachs & Warner من جامعة هارفارد في عام 1995 وما توصلت إليه من علاقة سلبية بين الموارد الطبيعية والنمو الاقتصادي, حيث خضعت لفحص وبحث مكثف, وشكلت لغزاً محيراً للاقتصاديين والباحثين لفترة طويلة من الزمن.
ويرى الخاطر أن هذه النقمة أو كما تسمى في الأدبيات بلعنة الموارد ليست مطلقة، فالموارد يمكن أن تكون نعمة إذا أُحسن استخدامها وتوظيفها التوظيف الأمثل، ويمكن كذلك أن تنقلب إلى نقمة إذا لم تستغل الاستغلال الأمثل أو إذا أسيء استخدامها. فاللعنة هنا ليست موروثة ولكنها مشروطة بطريقة استخدام الدولة للموارد وإدارتها لها. وأشار إلى وجود قناتين لتأثير الموارد على النمو الاقتصادي وليس قناة واحدة مباشرة كما هو شائع في الأدبيات. وقال إن القناة الأولى هي القناة المباشرة من خلال تأثير الموارد على النمو، وهذه الأصل فيها أنها إيجابية، وهذا ما يقتضيه الحس السليم. أما القناة الثانية فهي غير مباشرة وهي من خلال تفاعل الموارد مع ما يسمى بعامل الاستبداد، وهو ما يمكن أن يعبر عن سوء الإدارة الاقتصادية، وسوء استغلال وتوزيع الموارد والفساد، إلى أن يصل إلى حد القمع العسكري المباشر اعتماداً على الموارد كما في حالة ليبيا تحت نظام القذافي، مضيفا أن تأثير هذه القناة سلبي على النمو من خلال تفاعل كثافة الموارد مع الاستبداد.
وقال إنه من بين الدول التي شكلت الموارد فيها لعنة: نيجيريا، الكونغو، مالاوي، بوليفيا، ويمكن أيضاً أن نضيف لها ليبيا تحت نظام القذافي. ومن الأمثلة على دول شكلت الموارد فيها نعمة تأتي النرويج، أيرلندا، موريتشس، الدومانيكان، جامايكا، قطر.
قطر نموذج
وأشار إلى أن دولة قطر تعد نموذجا من ضمن المجموعة التي شكلت وفرة الموارد فيها نعمة. وأشار إلى أن تعريف النقمة هو النمو الاقتصادي البطيء جداً أو السالب اعتماداً على الموارد الطبيعية في الأجل الطويل. وذكر أن قطر دولة كثيفة الموارد الطبيعية، وبلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي الحقيقي فيها %7.41 خلال الفترة من 1980-2012، وهو معدل نمو يعتبر قويا ولفترة طويلة ثلاثة عقود. بالإضافة إلى ذلك، دخل الفرد في قطر الأعلى في العالم منذ عام 2010 حتى الآن بوصوله إلى 106000 دولار. وبين أن قطر الأقل فساداً عربياً وفي محيطها الإقليمي (الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) حسب المعايير العالمية، والأولى عربياً على مؤشرات التنمية البشرية وبفارق معنوي عن محيطها الإقليمي، وصغير عن الدول المتقدمة حسب تصنيف الأمم المتحدة.
إنفاق عال
وذكر أن الإنفاق العام في قطر يعد الأعلى تاريخياً لمدة ثلاث سنوات متتالية حتى الآن، يذهب معظمه إلى الاستثمار في: رأس المال البشري من خلال التعليم والبحث العلمي، الصحة، الخدمات الاجتماعية، رأس المال المادي من خلال البنى التحتية وتوسعة الطاقات الاستيعابية، علاوة على رأس المال المالي لتنويع مصادر الدخل.
وبين الخاطر أن قطر استثمرت مبكراً في التنويع ضمن القطاع الهيدروكربوني (الغاز)، والصناعات التحويلية كثيفة الطاقة، فأتى عائد هذا الاستثمار الآن، ووفر لقطر غطاء ضد الأزمة المالية-الاقتصادية العالمية الطاحنة، في حين عانى منها الكثيرون حولها، كما عانت منها أعتى وأكبر الاقتصادات العالمية.
تحدي تنويع الاقتصاد
وبين الخاطر أن تنويع الاقتصاد يتطلب الاستثمار في تنويع هياكل الإنتاج، بعيداً عن القطاع الهيدروكربوني والصناعات المصاحبة له، وتنويع مصادر الدخل، بعيداً عن ريع القطاع الهيدروكربوني.
أما تنويع الإنتاج فهو تحد طويل الآجل -بحسب الخاطر- يستوجب الاستثمار في تنمية وتراكم رأس المال البشري والتصنيع وإصلاح تشوهات الأسواق ورفع كفاءتها والاستثمار في تطوير البنى التحتية. وأشار إلى أن أكبر تحد يواجهه دول مجلس التعاون هو تنويع الاقتصاد، وأكبر تحد وأهم عنصر في تنويع الاقتصاد هو تنمية وتراكم رأس المال البشري.
وأكد أن التنمية بمفردها لا تكفي، حيث في كثير من دول العالم الثالث لا يوجد نقص في خريجي الجامعات، وتوجد تنمية لرأس المال البشري, ولكنها لا تصل إلى الحد الأدنى الكافي من تراكم رأس المال البشري لوضع الاقتصاد على مسار التنمية الذاتي المرتفع.
وتحدث عن انحرافات لأسباب كثيرة مثل كبر حجم القطاع العام وترهله وقلة إنتاجيته والبطالة المقنعة، وفي المقابل ضعف دور القطاع الخاص في عملية التنمية، وعدم مواءمته بيئة العمل، والفساد، وصراع مجموعات المصالح والولاءات والمحسوبيات، وسوء استغلال وتوزيع الموارد، وسوء الإدارة وضعف الرقابة، وعدم تطبيق معايير السوق في العمل. وشدد على ضرورة تأهيل المواطنين لاحتلال الوظائف ذات القيم المضافة العالية, بحيث يكون ذلك عن جدارة واستحقاق, وليس فقط لكونه مواطناً.
تحدٍّ ديمغرافي
وطالب الخاطر دول مجلس التعاون بالاستثمار في زيادة النسل والإنجاب لتوسعة القاعدة التي يتم من خلالها تنمية وتراكم رأس المال البشري في المقام الأول، مضيفا: «قد أثبتت نظريات النمو الاقتصادي الحديثة أن عامل النمو السكاني مهم جداً للنمو الاقتصادي, شريطة أن يكون منتجاً وليس عالة»، مؤكداً على أن شبح شيخوخة المجتمع الذي يهدد الدول المتقدمة على غرار اليابان، وأوروبا، وحتى أميركا سيزيد من الديون الحكومية, وسوف يؤدي ذلك إلى زيادة الإنفاق الحكومي على صناديق المعاشات والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، وانخفاض معدلات التوفير. ولو تم تضمين الديون الحكومية الناتجة عن شيخوخة المجتمع فستصل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي في منطقة اليورو إلى %330.
وأكد أن دول مجلس التعاون تواجه تحديات من نوع آخر في هذا المجال، بسبب قلة عدد السكان، منها التحدي الديمغرافي وتحويل تركيبة المجتمع.
وبين أنه بالتوازي مع الاستثمار في زيادة عدد السكان يأتي أيضاً الاستثمار في رفع جودة رأس المال البشري من خلال إيجاد نظام التعليم والتدريب المناسب على كافة المستويات, ورفع جودته والاهتمام المناسب بالعلم والأبحاث والباحثين, وتطوير نظام الرعاية الصحية والاجتماعية.
كما طالب بتحديث إطار الإدارة في القطاع العام وتعزيز الحوكمة وكل ما يؤدي إلى رفع الكفاءة والإنتاجية فيه, وهو ما يؤدي إلى توفيق أكبر بين الاختصاص والكفاءة والقدرات من جهة، ومتطلبات الإدارة في مؤسسات القطاع العام، من جهة أخرى.
التصنيع
طالب الخاطر دول مجلس التعاون بولوج مجال التصنيع لعدة أسباب, منها أن الاعتماد على الريع وطريقة استغلاله منذ اكتشاف النفط في هذه الدول لن يكون قابلا للاستمرار في الأجل الطويل أو إلى ما لا نهاية. فهناك تحديات ممكنة في المستقبل: اقتصادية، ديمغرافية، جيوسياسة. لذلك لا بد من إيجاد قنوات ومصادر مساعدة أو بديلة تضمن الاستمرارية.
وقال إن التصنيع يخلق الوظائف، وذلك يسهم في خفض معدلات البطالة في الدول التي تعاني منها، مشيراً إلى ضرورة خلق بدائل للاستيراد، ومن ثم خفض فاتورة الاستيراد، وخلق صناعة موجهة للتصدير, ومن ثم إيجاد مصادر أخرى للدخل. هذا بالإضافة إلى أن التصنيع يسهم في التقدم التكنولوجي. وقال الخاطر إنه لتنفيذ ذلك بنجاح, على دول مجلس التعاون الاستفادة من اقتصادات الحجم الكبير, وتوسعة الأسواق من خلال تكاملها، وهذا سبب آخر وجيه لإطلاق الوحدة النقدية الخليجية التي طال انتظارها. وقال إن هناك حاجة لتكامل أسواق عوامل الإنتاج والسلع بين دول مجلس التعاون لتبرير المشاريع الصناعية, خصوصاً الكبرى منها. والدول يمكن أن تقود برامج التصنيع وترعاها.
تنمية القطاع الخاص
وقال الدكتور الخاطر: إن تنويع الاقتصاد يتطلب تنويعا موازيا لنشاط القطاع الخاص. فنشاط القطاع الخاص ما زال يتركز في مجالات: تجارة الاستيراد، والخدمات، والمقاولات، مطالبا بضرورة دعم المنافسة الحرة وتكافؤ الفرص ومعالجة تركزات الأسواق ومكافحة الممارسات الاحتكارية, وذلك من خلال تفكيك البنى الاحتكارية في الأسواق إن وجدت, وسن وتطوير قوانين مكافحة الاحتكار, علاوة على مراجعة نظام الوكيل وتطويره. وقال: إن نظام الوكيل أو الوكلات التجارية بدأ مع بداية تطور الاقتصادات، ولكنه يغلب عليه النمو بشكل رأسي مع الزمن. أي أنه لا ينتشر عبر شريحة أكبر من المجتمع مع تطور الأسواق وظهور ودخول سلع جديدة, ولكنه يتركز تقريباً في نفس الفئة، وهو ما سيخلق المزيد من الأضرار. لذلك يجب تقنينه، على أسس تضمن الكفاءة في الأسواق وحماية حقوق المستهلك والتاجر أو المروج على حد سواء.
وبين أن هذه المعالجات تسهم في جهة أخرى في مكافحة التضخم وغلاء الأسعار والاحتكار، ورفع جودة البضائع والخدمات، وتوزيع أكثر عدالة للفرص والثروة في المجتمع.
وحث الخاطر الحكومات الخليجية أن تقود عملية تنويع نشاط القطاع الخاص من خلال سن قوانين مكافحة الاحتكار وتركزات الأسواق، فذلك يدفع الأسواق نحو التنافسية، إضافة إلى التخطيط والتنظيم وتقديم الاستشارات والخبرات الفنية والمساعدة في التمويل مع توفير الحماية من المنافسة الأجنبية الغير العادلة, خصوصاً للصناعات الوليدة، وكذلك توفير الحماية من منافسة مؤسسات القطاع العام.
كما أكد الخاطر على أن تنويع الاقتصاد أيضاً يتطلب تنويع مصادر الدخل من خلال تنويع الاستثمار عبر الدول (جغرافيا) وعبر العملات, وأيضاً من خلال تركيم الأصول المادية والمالية وتنويعها جغرافياً.