لننسَ الهوية المالية.. لنشترِ أميركا
اقتصاد
10 ديسمبر 2012 , 12:00ص
• ترجمة: أحمد الوكيل
في كل مرة أرى عنوانا رئيسا يتوقع بأن الولايات المتحدة على وشك أن تلقي بنفسها من على المنحدر المالي، يزداد يقيني بقناعتي: أن الصين ربما تصبح قريبا أكبر اقتصاد في العالم، لكن الوقت الراهن هو الوقت المناسب لشراء أميركا.
ربما ينتهي صراع القوة حول عجز الموازنة بين الرئيس أوباما الديمقراطي ومجلس النواب الجمهوري بشكل سيئ جدا، فإن أية اتفاق يتطلب أن يقر الجمهوريون بأن تعهدهم والتزامهم بعدم رفع الضرائب بشكل مطلق لا يمكن إنجازه في ضوء هزيمتهم الانتخابية الأخيرة، وعلى الرئيس أوباما أن يتقبل أن الأمر يتطلب أكثر من الضغط على الأغنياء لإصلاح الأمور المالية للولايات المتحدة.
رغم ذلك، فإن مخاطر وعواقب الفشل كان مبالغا فيها، فحتى لو انهارت المفاوضات، فإن الانعزال لن يعني أن الاقتصاد سيتم سحقه بـ600 مليار دولار من زيادة الضريبية الفورية واقتطاعات في النفقات العامة. يمكن الشعور بأثر ذلك خلال عام 2013، ربما تكون اللطمة قصيرة الأمد التي لحقت بالثقة حادة، لكن الشيء المُهدد يماثل إلى حد كبير انحدارا أكثر منها هاوية. إذا استمرت حالت الجمود الحالية، فإن الاقتصاد الأميركي قد يتقلص بنسبة %0.5 العام القادم طبقا لتقديرات مكتب ميزانية الكونجرس وهي بالكاد أخبار سارة، لكن على أية حال فإن هذه النسبة بالمعايير الأوروبية تقترب من كارثة.
على أية حال، يجب أن تدعم الاحتمالات على الأقل اتفاقا جزئيا. في اليوم الذي سُئل فيه مكتب بول ريان عما إذا كان المرشح لمنصب نائب الرئيس لا يزال يشعر بالتزام تجاه التعهد سيء السمعة لحماية دافع الضرائب لصاحبه جروفر نوركويست من صقور المحافظين الجدد، جاء الرد الذي صيغ بعناية أن بول رايان المحسوب على حركة حزب الشاي يدين بالولاء للدستور وناخبي ولاية ويسكونسن. يبدو هذا وكأنه تقدما.
لا يزال أوباما يحمل ميزة، فمن دون الوصول إلى اتفاق، ستنتهي الاقتطاعات الضريبية التي قام بها جورج بوش، تاركة الجمهوريين في ازدراء لمهاجمتهم المستويات المعيشية للطبقة الوسطى. من ناحية أخرى، يمتلك الرئيس حافزه الخاص لتسوية اتفاق، فاسترداد مكانة أميركا يشكل الطموح الأكبر لولايته الثانية، لذا فهو بحاجة لتسوية اتفاق حول الميزانية.
بالتطلع للمستقبل، يمكن أن يتم تضيق الخناق على الفجوة المالية مع مرور الوقت، طالما أن الولايات المتحدة لا تحذو حذو أوروبا في لعبة التقشف التنافسي الانهزامية، وذلك من خلال خليط حاد من زيادة الضرائب وخفض النفقات إلى جانب نمو مستدام. وقد أظهر اقتصاد الولايات المتحدة بالفعل حيوية تتوق إليها الحكومات الأوروبية.
قبل عام أو ما يقارب، أعد المعهد الصيني للعلاقات الصينية المعاصرة ومقره بكين تقييما -لم يُنشر- للعناصر المختلفة لقوة أميركا، يقدم المعهد خدماته لوكالة الاستخبارات الصينية ويشتهر بتحليلاته الواضحة والصريحة، وقد وجد التقييم أن مدخلات كثيرة جدا على الجانب الإيجابي لميزانية الولايات المتحدة أكثر منها على الجانب السلبي.
بعض من نقاط القوة هذه غنية عن الشرح. فالقوة العسكرية الأميركية ستظل دون منازع لعدة عقود، وتمتلك أميركا نظاما سياسيا مستقرا، كما أن الوضع الديموجرافي لها أفضل من أي منافس محتمل، إضافة إلى ذلك فإن واشنطن تقع في مركز أكثر منظومات التحالف قوة في العالم، وليست هناك قوة توازي قدراتها الاستخباراتية. وتستفيد الولايات المتحدة بدرجة كبيرة من التقدم التكنولوجي والمنابع الفكرية لها. أما حول العالم فإنها تمارس دورا ثقافيا قويا، وتملك أفقا مستقبليا عالميا.
حدد الصينيون بعض نقاط الضعف لدى الولايات المتحدة، ويشمل ذلك اقتصادا ضعيفا الأداء، ارتفاع الدين والعجز العام، واستقطابا اجتماعيا وجمودا سياسيا في واشنطن. ما هو لافت، على الرغم من ذلك، هو الطبيعة النوعية للإيجابيات والسلبيات، حيث إن المزايا تقريبا تكون دائمة. إن الأمن الذي توفره جغرافية الولايات المتحدة ليس شيئا يمكن أن تفقده الدولة، الأمر نفسه يمكن قوله بالنسبة للموارد الطبيعية الوفيرة والمرونة النسبية ضد التغير المناخي، وبمقارنة ذلك بنقاط الضعف التي تم تحديدها، ومع قدر من الإرادة السياسية، فإنها جميعا تكون بشكل أو بآخر قابلة للحل.
إن تداعيات استغلال الموارد غير التقليدية للغاز والبترول قد تم الاستهانة بها. إن الشيء الأكثر وضوحا، هو أن الغاز والبترول الصخري سيقلل من الاعتماد على المنتجات البترولية للشرق الأوسط. وبمرور الوقت سيشجع هذا الأمر الولايات المتحدة على تقليص التزامها تجاه أمن المنطقة، الأمر الذي يطلق العنان للموارد العسكرية والاقتصادية لتخدم توجه أوباما نحو قارة آسيا. إن دول مثل الصين التي تعتمد بشكل كبير على الطاقة المستوردة ستكون معرضة بشكل كبير جدا للصدمات الجيوسياسية.
إن المكسب الأكبر، رغم ذلك، يأتي على شكل حافز تنافسي يقدمه الغاز الوفير الرخيص، ومن المرجح أن ينتهي عصر الاعتماد على الخارج، ما يفسح المجال أمام حقبة الداخل، وسيرتفع معدل النمو في الولايات المتحدة وسيتقلص العجز الحالي.
يشكو الأوروبيون بالفعل من أن الغاز الأميركي الرخيص يشجع رحيل الشركات الكثيفة الاستهلاك للطاقة من أوروبا إلى أميركا. كيف يمكن، مثلا، لمنتجي المواد الكيميائية الأوروبيين -الذين يشترون الغاز الروسي الغالي- أن ينافسوا نظرائهم الأميركيين، والذين سيمتلكون سهولة الوصول للمواد الأولية منخفضة الأسعار.
الولايات المتحدة لديها تحديات كثيرة، وأجزاء كبيرة من بنيتها التحتية تتنوع ما بين ما هو على حافة الانهيار وما هو منهار بالفعل. إن قواعد التمويل السياسي والغش قد أفسدت السياسية في واشنطن، فيما يبقى الإنفاق على القطاع الصحي في مسار غير مستدام. هناك الكثير من المواقف الأخرى، لكن الكل لديه مشاكل. فالصين تواجه مهمة كبيرة في التكيف مع هيكل سياسي سلطوي يتناسب مع مطالب الطبقة الوسطى. أما أوروبا فغارقة في فوضى اليورو.
ما هو حقيقي أن الولايات المتحدة لم يعد بإمكانها التسليم بتشكيلها لخريطة العالم بالطريقة نفسها التي حظيت بها عقب نهاية الحرب الباردة. إن صعود القوى الأخرى لا يدع مجالا لقوة واحدة مهيمنة. لست متأكد من أن ذلك يجب أن يشكل قلقا كبيرا. إن وجود أميركا مكتفية بذاتها ربما يكون أكثر راحة لها للعب دور قوة عظمى انتقائية. كما قلت حان الوقت لشراء أميركا.
باتفاق خاص مع صحيفة
فيننشيال تايمز البريطانية