«بين روسيا والشرق».. كتاب يرصد تواصل الثقافات بين الشعوب
ثقافة وفنون
10 ديسمبر 2011 , 12:00ص
القاهرة - إيهاب مسعد
يعتبر الأدب جسرا راسخا تلتقي فيه الثقافات المختلفة حيث يمكن أن يتم التعرف على مظاهر الحياة المتنوعة للشعوب سواء أكانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وكذلك التعرف على عاداتها وتقاليدها، فالأدب مرآة حقيقية تعكس حياة الشعوب متضمنة مدى تقدمها وازدهارها، كذلك يساعد الأدب على تبادل الفكر بين شعوب العالم، ولا جدال في تلاقي الثقافات القديمة من يونانية ورومانية وهندية وعربية إسلامية وما تم فيما بينها من أخذ وعطاء. وهذا ما يرصده كتاب «بين روسيا والشرق العربي.. قراءات في الأدب والثقافة»، الصادر حديثا بالقاهرة لكل من الدكتور محمد عباس محمد والدكتورة نادية إمام سلطان اللذين يتناولان فيه التبادل الثقافي بين الأدبين الروسي والعربي، حيث إن العلاقة بين الآداب والثقافات صالحة لإثارة الدهشة واكتشاف الثراء، وهذا ما يراهن عليه هذا الكتاب في مقاربته الأدب العربي في علاقته بالأدب الروسي كاشفا عن روابط فكرية في عمق الفكر الإنساني ومحللا تلك الطرائق المنتجة ذلك التواصل الفعال بين الثقافات وطارحا ملامح التأثير والتأثر في تجلياتها على نتاج الأدب الروسي عبر التقائه بالأدب العربي. والكتاب صادر عن هيئة قصور الثقافة بالقاهرة ضمن سلسلة «كتابات نقدية» ويقع في 384 صفحة من القطع المتوسط.
وفي مقدمة الكتاب يقول المؤلفان: «الأدب الروسي له مكانة مرموقة بين الآداب العالمية فقد تطور بخطى ثابتة على مر العصور منذ أن كان شفهيا حتى ظهور الكتابة التي من خلالها تعرفنا على باكورة الآثار الأدبية من المؤلفات التي تعكس بدورها الحياة السياسية والاجتماعية للشعب للروسي ومنذ أن تولى القيصر بطرس الأول الحكم في روسيا أخذت تزدهر الحياة في جميع المناحي واستمرت مسيرة التقدم الثقافي مع ظهور شعراء وأدباء يتمتعون بشهرة عالمية وترجمت مؤلفاتهم إلى معظم لغات العالم بما فيها العربية».
ويضيفان: «بعد أن توطدت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والشرق العربي بدأ المستعربون الروس والسوفييت التعرف على الأدب العربي وظهرت لهم ترجمات شتى من خلالها تعرف القارئ الروسي على عدد كبير من كنوز وآثار الأدب العربي منذ العصور الوسطى وحتى المؤلفات الفنية للأدباء العرب بمن فيهم الأدباء المصريون المعاصرون».
ويبدأ الكتاب بإبراز تأثير «ألف ليلة وليلة» على الأدباء الروس حيث إن للثقافة العربية دورا مهما في تطور الآداب الأوروبية الغربية بجانب الآداب الشرقية في نهاية القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر فقد كانت قصص الليالي بالنسبة لبعض المستشرقين من بينهم سينكوفسكي وكذلك لكبار كتاب روسيا في القرن التاسع عشر أمثال كريلوف وجوكوفسكي وبوشكين وتورجينف وتشرنيشفسكي وتولستوي، مصدرا لبعض مؤلفاتهم حيث أمدتهم بعالم وافر من الأفكار والشخصيات والحوادث والمناظر. فمن هؤلاء الأدباء الروس الذين تأثروا بقصص «ألف ليلة وليلة» الكاتب الروسي كريلوف الذي كتب قصة شرقية بعنوان «كعيب» ليسخر من الحكم المطلق الدكتاتوري الذي كان سائدا في عهد كاترين الثانية قيصرة روسيا في ذلك الوقت فتعتبر تلك القصة من أروع ما كتب كريلوف لما تتمتع به من عبق الشرق ففيها تأثره بقصص ألف ليلة وليلة فقد حملت بعض الألفاظ والمصطلحات والتعبيرات التي تتصل بالحضارة العربية والإسلامية مثل القرآن والخليفة وسلطان وقاض ومفتٍ وشهرزاد وديوان وغيرها، كذلك صور الكاتب القصور والأماكن مثل الشرق تماما.
وفي الفصل الثاني يتناول المؤلفان أثر الثقافة الإسلامية في النثر السوفيتي المعاصر فقد تأثر عمالقة الأدب الروسي أمثال أ.بوشكين وم.ليرمونتوف في مجال الشعر وأ.تو جينيف وليو تولستوي في مجال الرواية، وغيرهم بالأسلوب الشرقي المنمق وكذلك بالقرآن بالإضافة إلى مؤلفات «ألف ليلة وليلة» و «كليلة ودمنة» والتي استحوذت على ألبابهم فاستمدوا منها الوحي والإلهام في مؤلفاتهم.
ويوضح المؤلفان أنهما سيذكران هنا التعرف على العادات والتقاليد الشرقية الإسلامية في الأدب السوفيتي ممثلة في رواية «الحدوة المكسورة» لعليم كوشيكوف: «... تحكى هذه الرواية الصادرة عام 1976 أحداث الحرب العالمية الثانية في منطقة القوقاز وتكشف عن المعارك الضارية التي دارت بين أهل تلك البلاد والقوات الألمانية ويحمل الكاتب أبطال هذه الرواية أسماء عربية مثل: البيان وعزيزة وحبيبة وخديجة وغيرها، مما يؤكد استمرارية تقاليد هذه الشعوب في إطلاق الأسماء العربية على أولادهم حتى وقتنا هذا». وننتقل إلى الفصل الثالث الذي يعقد فيه المؤلفان مقارنة بين الكاتب الروسي أنطون تشيكوف والكاتب المصري يوسف إدريس من خلال أدب الطفل عند كل منهما من خلال قصص كل منهما عن الطفل، فالكاتب الروسي تناول موضوع الطفل في قصته «فانكا» وهي ذات مضمون واف تعطي صورة حية عن طفل يدعى «فانكا» يتيم الأبوين يعيش حياة صعبة ومريرة، فهذه القصة تعتبر احتجاجا لاذعا على استغلال الأطفال الصغار الذي كان منتشرا في روسيا آنذاك فقد فضح أ.تشيكوف في غير مواربة فئة المستغلين للأطفال المحتاجين واليتامى.
أما د.يوسف إدريس فقد سار على نفس الدرب الذي نهجه أنطون تشيكوف بالوقوف ضد استغلال وتعذيب الأطفال وقد عبر عن ذلك يورى نجيبين الناقد والأديب الروسي في كتابه عن يوسف إدريس بعنوان «الحالة الرابعة وقصص أخرى»، إذ يقول: «لقد كتب يوسف إدريس في مؤلفاته عن الأطفال بدفء خاص مثلما كتب تشيكوف فيقودنا إدريس إلى الواقع المر والأليم في المجتمع المصري ويجبرنا على رؤية الظلم والتعسف أمام أعيننا ويستوقفنا عند المفارقات والمتناقضات الظاهرية وتعدد جوانب الواقع المصري».
أما الفصل الرابع فقد تناول المؤلفان موضوع «نجيب محفوظ في مرآة النقد الروسي»، فقد كان لازدهار حركة الترجمة في روسيا أثر كبير في أن يعرف الروس الكثير عن الأدب العربي وكُتّابه ومنهم نجيب محفوظ الذي تناول النقاد والأدباء الروس في كثير من مؤلفاتهم إلقاء الضوء على أهم القضايا التي تناولها محفوظ في مؤلفاته فتتناول مثلا الموسوعة الأدبية الروسية السيرة الذاتية لمحفوظ فترصد عنه أنه أصدر العديد من رواياته ذات الصبغة الاجتماعية التي التزم فيها بالواقعية النقدية وألقى الضوء على حياة البسطاء من المجتمع المصري الذين يعيشون في مدنية القاهرة فترة الحكم الملكي وذلك في روايتي «بين القصرين» و «بداية ونهاية»، كما تناولت رواياته «زقاق المدق» و «قصر الشوق» النضال ضد الاستعمار البريطاني.
كما قدمت الناقدة الروسية ف.كيربتشنكا في مقالة لها بعنوان «طرق تطور الواقعية في النثر المصري المعاصر» دراسة تحليلية لرواية «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ ففيها تتحدث عن تطور الواقعية في مصر وتتحدث عن نجيب محفوظ على أنه مؤسس الرواية المصرية المعاصرة فقد ألف روايات معروفة جميع أنماطها تقريبا في الأدب الأوروبي بمضامينها القومية ففي إبداعه تجسدت الرواية التاريخية والنفسية والاجتماعية والملحمية والفلسفية كما في روايات «خان الخليلي» و «السكرية» و «السراب»، وغيرها.