5 أسباب وراء قضايا الأطفال
تحقيقات
10 نوفمبر 2015 , 01:59ص
ولي الدين حسن
كشفت إحصاءات صادرة عن نيابة الأسرة والأحداث أن قضايا الأطفال خلال العام الماضي بلغت 700 قضية، وعزت أسباب هذه الزيادة في أعداد القضايا إلى التطور والانفتاح التكنولوجي الكبير ووجود الهواتف المتنقلة في أيدي الأطفال بعيدا عن رقابة الأهل والاستخدام السيئ للتكنولوجيا المتوفرة في هذه الهواتف التي اعتبرت أنها خلقت جيلا غير مستقر ولا يعي منظومة القيم والأخلاق التي ترتبط بها المجتمعات العربية والإسلامية.
وأكد عدد من التربويين لـ «العرب» أن هناك خمسة عوامل تتشابك في تلك الظاهرة وهي: الأسرة والمدرسة والتطور التكنولوجي وتعدد ثقافات المجتمع وأصدقاء السوء، منوهين بالدور الأكبر الذي تلعبه الأسرة والمدرسة في تربية وتعليم النشء منذ الصغر وغرس القيم والعادات والتقاليد التي تكون شخصية الطفل في مرحلة المراهقة.
وقال كثير من المتحدثين: إن أولياء الأمور قد قصروا في غرس العادات والتقاليد منذ الطفولة واتكلوا في تربية أبنائهم على مربيات المنزل والسائقين، ما أكسبهم عادات وتقاليد منافية لطبيعة المجتمع والعادات والتقاليد المحافظة، وحملوهم المسؤولية الكبرى من تراجع منظومة الأخلاق لدى الأطفال وانتشار السلوكيات العدوانية.
وأشاروا إلى أن النصيب الأكبر من تكوين شخصية الأطفال يرجع إلى الأسرة لكونها اللبنة الأولية في تعليم سلوكيات المأكل والمشرب والملبس وطريقة التحدث وغيرها من أساسيات الحياة، فضلا عن عدم مراقبة تصرفاتهم في السنوات الأولى، والمبالغة في استعمال وسائل التكنولوجيا الحديثة وما بها من أضرار ثقافية وتربوية على حياة الأطفال.
وأعرب المتحدثون عن استيائهم من التجاوزات التي تحدث في بعض المدارس والتغاضي عن سلوكيات بعض الأطفال دون وجود رادع يحفظ لتلك المؤسسة كيانها التربوي والتعليمي، مطالبين بتشريع قانوني يمنح المدارس سلطات تربوية إلى جانب دورها التعليمي، أضف إلى ذلك فإن تجريد المدرسة من صلاحيات تأديب الطلاب ساعد على ضياع هيبة المعلم وضعف شخصيته داخل الصف الدراسي.
وأوضحوا أن الإجراءات التي تتخذها المدارس غير كافية للحد من العنف الطلابي والتقليد الأعمى لما يشاهدونه ويدمنون عليه من ألعاب الكمبيوتر والبلاي ستيشن ومحطات التلفاز، مرجعين ذلك إلى التفكك الأسري وعدم غرس العادات والقيم النبيلة التي تعتمد على مشاركة الأطفال في المجالس واحترام الكبير والمعلم وتقدير دور العلم والمعرفة.
ونوهوا بأن بعض المدارس الأجنبية تختفي فيها تلك الظاهرة كون إدارة المدرسة تستخدم الترهيب والترغيب في العملية التعليمية من كافة الأنشطة التي يفضلها الطلاب ويقبلون عليها، ومن الجهة الأخرى فإن قرارها بالفصل يكون نهائيا ولا رجعة فيه مع تكرار السلوك السلبي للطلاب المشاغبين.
وأوضحوا أن أصدقاء السوء وتعدد الثقافات داخل المجتمع في المدارس أسهم بشكل مباشر في نقل سلوكيات تتعارض مع طبيعة المجتمع القطري، كما أن التقليد الأعمى والخروج عن المألوف وحب التجربة والاطلاع أسهم في غرس سلوكيات سلبية لدى الأطفال من الصعب التخلص منها إلا بعد سنوات.
المسؤولية مشتركة
بداية كشف السيد عبدالله بلال، رئيس لجنة التقييم لحملة «دلني»، أن الغالبية العظمى لتلك القضايا ليس للطلاب المواطنين ولكنها للطلاب المقيمين من مختلف الجنسيات التي تكون في المدارس بشكل خاص وفي المجتمع بشكل عام، وعلى ذلك فإننا يجب أن نفرق أن أي مشكلة تصل إلى قسم الشرطة تدون عبر سجلات وتأخذ رقما ومن ثَمَّ يحرر محضر ويتم في النهاية التنازل عن غالبية تلك القضايا للعديد من الاعتبارات الأخلاقية والدينية، وحرصا من مقدم الشكوى على مستقبل الأطفال.
وأضاف بلال أن جميع القضايا تُحول إلى الجهة المختصة والنيابة ومن ثَمَّ إلى دور الحماية الاجتماعية، ونحن بدورنا نقوم في بعض الحالات التي تسند إلينا إلى دراسة الأسباب والعوامل التي أثرت بشكل مباشر لوصول الطالب إلى تلك المرحلة الخطيرة، ونقوم بتقديم كافة سبل الدعم المباشر وغير المباشر له ولأسرته حتى نتمكن في فترة وجيزة من تخطي مرحلة السلوك العدواني العنيف، ومن ثَمَّ إرجاعه إلى بيئته الصالحة بمساعدة أسرته.
وأوضح بلال أن الدولة تسعى إلى تأصيل التراث القديم في كافة المجالات والمحافظة عليه من التغيرات التي تضرب العالم كله وتؤثر على ثقافة المجتمع داخليا وخارجيا، خاصة مع وجود عدد كبير من الجنسيات المختلفة التي تعمل في الدولة وفي أماكن حساسة تؤثر على ثقافة أطفالنا مثل مربية المنزل وما لها من تأثير كبير على الأطفال، مؤكداً أن عدم الدقة في اختيار الخادمات والسائقين واختلاف ثقافاتهم وأخلاقهم وبيئاتهم عن عاداتنا وتعاليم ديننا، أفرز العديد من المشاكل النفسية والسلوكية والأخلاقية والعقائدية لدى الأطفال.
وبسؤاله عن دور الأسرة في الاهتمام بالأطفال.. قال بلال للأسف فإن %75 من الحالات سببها غياب الأسرة وانشغالهم بأمور الحياة اليومية وفقا للتحليلات وهذه مشكلة تعاني منها كافة الدول، لكن والحمد لله النسبة الموجودة في إدارة الحماية الاجتماعية تعتبر الأقل عالميا وفقا لآخر الإحصاءات.
وتابع بلال: كلما تنازلت الأسرة، متمثلة في الوالدين، عن بعض أدوارها الاجتماعية والتربوية، مثل طريقة الكلام ونوعه وطريقة الأكل وطريقة تغيير الملابس بالنسبة للطفل، وأسندت ذلك إلى الخادمة، كان تأثيرها أكبر وأخطر، وكلما اتصف الوالدان بالحزم والمتابعة للتعليمات التي يوجهونها للخادمة حول طريقة التربية كان دورها ثانوياً.
التقويم السلوكي
ومن جهته قال السيد صندح النعيمي، صاحب ترخيص ومدير مدرسة الأحنف بن قيس الإعدادية بنين: إننا نسعى على حث جميع الشباب للمشاركة في كافة أنشطة الدولة والاحتذاء بكل ما هو قيم وتراثي، والتركيز على تخريج أجيال شابة قادرة على تحمل المسؤولية، وتوعيتهم بأهميته والأضرار الناجمة عن كثرة الإسراف والترف والتقليد الأعمى لرسم خيوط عريضة لهؤلاء الطلاب ليكونوا دعما للدولة لكونهم سيتقلدون مناصب قيادية.
وأوضح النعيمي أن الدولة تستعين بعدد ليس بقليل من الجنسيات المختلفة في كافة المجالات، وعلى المواطن الشاب أن يترأس تلك المؤسسات والوزارات ويقودها بقوة وحذم؛ وعليه فلا بد أن يتوافر فيه خصائص كبيرة لكي يدير تلك المؤسسات الناجحة ويرسخ لها قواعد وأسسا سليمة يتدفق لها أقصى معايير النجاح بأحدث الطرق العلمية، مؤكداً حرص الدولة على نشر الوعي، ونسعى بفضل جهود كافة المؤسسات لتوصيل رسالة إلى كافة شرائح المجتمع القطري بما فيه من وافدين ومقيمين بأهمية دعم القيم السلوكية للأبناء وباعتبارهم يمثلون المستقبل.
وأشار النعيمي أنه يجب العمل على زيادة الوعي الأسري وذلك من خلال تكثيف البرامج المتعلقة بالأسرة والمجتمع عن طريق وسائل الإعلام المختلفة، ونشر الوعي بين أفراد المجتمع حول خطورة العنف الموجه ضد الأطفال، وفي هذا الإطار يمكن الاستفادة من المؤسسات الاجتماعية الموجودة في الدولة مثل الأسرة ومؤسسات التعليم والمراكز الشبابية ووسائل الإعلام بكافة أنواعها المرئية والمقروءة، وأخيرا المساجد والجمعيات الخيرية.
وأكد النعيمي أن هناك أسبابا فرعية أخرى ولكنها مؤثرة جدا مثل أصدقاء السوء سواء في المدرسة أو في الفريج؛ حيث يكتسب الطفل التقليد الأعمى بسرعة كبيرة من أصدقائه دون غيرهم من الأشخاص والعادات والتقاليد والسلوك الشاذ عن المجتمع، مشيراً إلى أن الأطفال لا ينجذبون إلى المعلمين في التقليد ولا إلى الآباء والأشخاص الأكبر سنا بنفس السرعة التي يقلد بها أصدقاءه خاصة إذا كان سلوكا معبرا عن التمرد عن الحياة التي يعيشها.
أسباب متعددة
ومن جهتها قالت الدكتورة بتول خليفة، أستاذ علم النفس بجامعة قطر: إن هناك العديد من الأسباب تتشابك في تلك الظاهرة التي تؤثر على العديد من الأجيال القادمة منها على سبيل المثال لا الحصر: قصور دور الإعلام في عملية التوعية بالمخاطر الناجمة عن إهمال تربية الطفل منذ اللحظات الأولية واتكال المسؤولية على مربيات المنزل التي لا يخلو منزل من أعداد كبيرة وجنسيات مختلفة منهم، كما أن عدم متابعة الطفل من سلوكيات واستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة بشكل مفرط ومبالغ فيه، أحدث لديه نوعا من الهروب من العادات والتقاليد التي تقيده والتمرد على الواقع الذي يعيشه، ومن ثَمَّ أصبح فريسة سهلة للعديد من الثقافات التي يشاهدها عبر الجوال أو الإنترنت.
وأضافت خليفة أن على الجهات التوعوية مثل الصحف والمجلات والتلفزيون ومؤسسات المجتمع المدني أن تدرك حجم تلك المشاكل الكبيرة عن عدم الاهتمام بالطفل منذ السنة الأولى لتنشئته، وعلى الجهات الخدمية والوظيفية عمل دورات وورش عمل لكافة الأمهات والآباء من خلال الدوام الوظيفي لتعريفهم على أحدث السبل التي يتم العمل بها لتربية الطفل والبعد عن القنوات التلفزيونية للأطفال.
ونوهت خليفة بخطورة بعض قنوات الأطفال الأجنبية والتي تبث محتوى مخالفا للعادات والتقاليد على هيئة برامج للأطفال تكون ممزوجة بأغانٍ وألعاب حتى ينجذبوا إليها، وعلى أولياء الأمور معرفة احتياجات الطفل في مراحل عمره المختلفة من السنة الأولى وما بعد؛ إذ أثبتت معظم الدراسات أن الأطفال يتحولون تدريجيا وتختلف طرق تعليمهم وحاجاتهم من سنة إلى أخرى؛ وعليه فإن على أولياء الأمور التعرف على كل ما هو جديد في تعليم الطفل.
وطالبت خليفة كافة الهيئات والمؤسسات والمدارس بزيادة الأنشطة الرياضية والفكرية والثقافية والتي تجذب الأطفال إليها وتجعله يسابق أصدقاءه الآخرين للوصول إلى أعلى معايير التنافس للحصول على الجوائز المادية والنوعية التي تقدمها تلك المؤسسات، مؤكدة أن حث الأطفال من السنوات الأولى على الاشتراك في العديد من الأنشطة الرياضية يعزز لديه الهواية التي يحبها مثل لعب كرة القدم أو السباحة أو الرسم أو التمثيل، ومن ثَمَّ تصبح فيما بعد مهارة واحترافية يستطيع أن يخرج كل ما لديه من طاقات تساعده على الوصول إلى المكانة التي يريدها ويرغبها، كما أن على مؤسسات المجتمع المدني سرعة التصدي لأي سلوك لا يتوافق مع عادات وتقاليد المجتمع القطري المحافظ مثل ظاهرة «البويات» في المدارس والتي تزايدت في السنوات الأخيرة.
الألعاب الإلكترونية
وبدورها قالت زهرة السليطي، المشرفة التربوية وسيدة الأعمال: لا تخلو القنوات الإعلامية من مشاهد الحروب والدماء والعنف المجتمعي، صور تغمر الشاشات تصاحبها مشاعر الإحباط والتوتر والترقب التي باتت تلقي بظلالها على الحالة النفسية للمشاهدين.
وأضافت السليطي: أن تلك المشاهد التي يشاهدها الأطفال والتي تحتوي على كثير من المؤثرات سواء أكانت بصرية أم سمعية تصور إلى الأطفال أن من يقوم بالعنف ينتصر في النهاية؛ ما يؤدي بالأطفال إلى تقليد هذه المشاهد، لأنهم يعتقدون أن هذا السلوك هو الطبيعي والصحيح الذي يمكنهم أن يمارسوها في حياتهم وتصرفاتهم، والأدهى أنها تجعل من العنف أمرا طبيعيا، بحيث يصبح ما يشاهده البعض من مشاهد دموية على شاشات التلفاز عاديا لا يؤثر في نفسيته على الإطلاق، فيصاب بحالة التبلد، مؤكدة على أن مسؤولية تخفيف الأثر النفسي السلبي على الأطفال نتيجة مشاهدة هذه الأحداث الدموية مشتركة يتقاسمها كل من الأبوين ووسائل الإعلام.
وشددت السليطي على ضرورة أن يكون الأبوان موجودين مع الطفل في فترة مشاهدته لمشاهد العنف، مع التحدث إليه والشرح عما يدور بصدق وتوضيح أن العنف ليس الأسلوب الأمثل لحل الخلافات، ويجدر بالوالدين اختيار الوقت المناسب للسماح لصغيرهما بمشاهدة بعض مشاهد العنف، مع تعزيز المبادئ المتمثلة في الظلم والعدل والحوار، على أن تكون هذه الأوقات بعيدة عن موعد نوم الطفل لتجنيب تعرضه لاضطرابات النوم والكوابيس.
وقالت السليطي: منذ ظهور الألعاب الإلكترونية تعلق بها المراهقون والأطفال؛ نظرا لأنها تقدم المتعة والإثارة بشكل محبب وكلما تقدمت التقنيات المستخدمة في صناعتها ازداد تعلق الشباب بها، وهناك الكثير من الألعاب التي تنمي الفكر والإدراك والملكات عند الأطفال من دون عنف، كما توجد أيضا ألعاب عنيفة يقبل عليها المراهقون.
وطالبت السليطي باختيار أوقات عرض المشاهد العنيفة وتنبيه المشاهدين قبل عرض المشاهد الدامية والقاسية بأنها لا تُناسب الأطفال أو حتى البالغين الذين لا يستطيعون تحمّل مشاهد العنف مع عدم تكرارها حتى لا تؤدّي إلى نتائج سلبية ونفسيّة من زيادة خطر العنف أو عكسه من التبلد والتحجر في المشاعر.
أنواع وحلول
ومن جهته قال شاهر الفولي، مختص بعلم النفس الأسري ومدرب بنادي الخور الرياضي: يعتبر العنف الجسدي ضد الطفل الشكل الأبرز والأشد؛ فهو يؤدي إلى إشعار الطفل بأن والديه لا يحبونه وبأنه غير مرغوب فيه، لأنهما يعاقبانه لأتفه الأسباب، فالطفل لا يدرك الأشياء والتصرفات المحيطة به وفق ما يدركها الأولياء، ما يجعل الطفل غير متوازن نفسيا فاقدا للثقة بنفسه ومعتمدا على العنف في تصرفاته تجاه أفراد عائلته وأصدقائه وجميع المحيطين به.
وأضاف الفولي: أن من أخطر أنواع العنف للأطفال العنف النفسي واللفظي فهو يمس مشاعر الطفل، كالسخرية والتوبيخ واللوم والترويع والاحتقار والوصف بألفاظ بذيئة، وحتى الطرد من المنزل والحبس المنزلي.
وأوضح الفولي أن السخرية قد تكون أبلغ أثرا من الشتم خاصة إن كانت أمام الأقران والآخرين، فيفقد الطفل حينها ثقته بنفسه وبوالده، فيصبح غاضبا مترددا مشككا في قدراته وإمكاناته، الشيء الذي يعوق تعلمه ونموه بشكل سليم، ويدخل في دوامة من الغضب والاكتئاب، ويزداد الأمر سوءا إذا تكرر الأمر مرات عديدة، وبدلا أن ينال الطفل التشجيع على المبادأة والتعلم فإنه يحصل من والديه على التشكيك في نفسه وتصرفاته، فيصبح الطفل منطويا ومنعزلا على ذاته لأنه يخاف من الإهانة التي تزعزع كيانه النفسي والاجتماعي.
وأكد الفولي أن الإهمال العائلي من أهم الأسباب التي تؤثر على الطفل، مشيراً إلى أن العبء الاقتصادي الذي يواجه الوالد خاصة بعد الخروج من الزواج ومتطلبات الزوجة التي لا تنتهي يجعل من الوالدين صراعا على تلبية متطلبات البيت والأبناء والسفر والحياة والمغالاة فيها عند العديد من الأسر، الشيء الذي يشعرهم بالإحباط فينفعلون بسرعة ويعنفون أطفالهم خاصة عندما يطلبون تلبية حاجاتهم.