الامتيازات التشريعية الممنوحة للمطلقات تدفع زوجات للتعنت في طلب الانفصال
تحقيقات
10 نوفمبر 2014 , 06:55ص
أكد عدد من الدعاة والقانونيين أن بعض الزوجات يتعنتن في طلب الطلاق في حال لم ترق لهن الحياة الزوجية، أو استناداً لأخطاء بسيطة من الزوج، رغبةً منهن في الحصول على الامتيازات التي نصت عليها التشريعات المختلفة في قطر، موضحين أن هذا الأمر لا يمكن تقييده قانوناً كون العلاقة الزوجية لا تستقيم مع كثرة القيود التشريعية، مرجعين ذلك لسوء اختيار الزوج في الكثير من الأحيان. ولفتوا إلى أن التشريعات تضمن للمطلقة أن تحصل على راتب من الضمان الاجتماعي، وفقاً لشروط تضعها الإدارة المختصة، ويحق لها الحصول على مسكن من الدولة، بعد إجراء البحث الذي يخلص لمدى حاجتها له، إضافة إلى النفقة التي تحصل عليها إذا ما كانت حاضنة، مشددين على أن استغلال هذه الامتيازات بصورة خاطئة والركون إليها في طلب الطلاق لا يصدر إلا من فئة قليلة وليست ظاهرة في المجتمع.
الدوحة - حامد سليمان
في البداية قال الشيخ أحمد البوعينين، عضو اللجنة الشرعية بمؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية «راف»: في حال حدوث الخلوة بين الرجل والمرأة، وأتبع ذلك بطلاق، فمن حق المرأة أن تحصل على كامل حقوقها، فالخلوة هي الفيصل في الزواج، وإن اختلى بها الزوج وأرادت الزوجة تركه، فهو خلع، ترجع به الزوجة ما حصلت عليه من مهر أو غيره.
وأضاف: التعجل في الزواج هو أحد أكثر الأسباب التي تؤدي إلى حدوث الطلاق ومشكلات بين الزوجين، فالزوج يتعجل في اختيار زوجته، وكذلك أهل الفتاة لا يدققون بصورة كافية في اختيار زوج ابنتهم، وبعد عقد القران تظهر العيوب لدى الطرفين، والتدقيق قبل العقد يمكن أن يظهرها.
وتابع البوعينين: الحياة الزوجية هي عقد وميثاق بين الزوجين، والتعنت من كلا الطرفين غير مرغوب فيه، وكما قال ربنا في محكم التنزيل «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ»، فمهما ارتفعت حدة الخلاف بين الزوجين، يجب ألا ترقى للعناد استناداً لحق الزوج أو لما يمكن أن تحصل عليه الزوجة في حال الطلاق.
وأشار إلى أن غالبية حالات الطلاق تحدث خلال السنوات الثلاث الأولى للزواج، والسبب في ذلك يرجع لعدم تحمل أي من الطرفين للاختلافات الجوهرية التي تطرأ على حياتهما، الأمر الذي يكبد الزوج المزيد من المصاريف، فالزواج الذي كبده مئات الآلاف يهدم، ويبدأ في البحث عن زوجة أخرى. وأكد أن الاختيار المناسب هو سلاح الزوج والزوجة الوحيد في مواجهة المشكلات. فالكفاءة بين الزوجين هي المقياس الحقيقي لنجاح الزواج، وهي سبب من أسباب استمرار الحياة الزوجية.
وأشار إلى أن غلو المتطلبات الحياتية وراء الزيادة الواضحة في تكاليف الزواج، فالنسب متقاربة، إضافة إلى أن المتطلبات الأساسية ليست السبب الرئيسي وراء ارتفاع تكاليف الزواج، فالمهور متوسطة وتراوح 100 إلى 150 ألف ريال تقريباً، إلا أن الأمور الأخرى المتعلقة بالزواج هي السبب الرئيسي وراء ارتفاع التكلفة على الزوج، فالقاعات والأطعمة والبهرجة الزائفة باتت السبب الرئيسي وراء الكثير من المشكلات، الأمر الذي رفع تكاليف الزواج وصولاً إلى 500 ألف ريال في بعض الأحيان.
ونوه إلى أن الانفصال بين الزوج والزوجة على ثلاث مراحل، إما طلاق أو خلع أو فسخ، فالأخير يتم في حال تمسك أحد الطرفين بالآخر، والأول والثاني يتم باتفاق الطرفين، فإن حدث التعنت يرجع الأمر للقضاء ليصدر قراره وفق ادعاء كل طرف، ويحق للقاضي في هذه الحالة إحالة القضية من طلاق أو خلع إلى فسخ، وهو للضرر، فإن وقع أي ضرر على الزوجة يفسخ القاضي عقد الزواج، وفي الخلع فقط تحرم الزوجة من بعض الحقوق.
ومن جانبه، قال الشيخ محمد حسن المريخي، إمام وخطيب مسجد عثمان بن عفان بالخور: الزواج يبنى على تقوى الله عز وجل، ويقول نبينا صلى الله عليه وسلم «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»، فعلى الزوجة أن تختار الزوج، وقال الرسول الكريم أيضاً: «تُنْكحُ الْمَرْأَةُ لأرْبَعٍ: لمالها ولِحَسَبها ولِجَمَالها وَلدينها: فَاظْفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ»، فالاختيار الأمثل هو الذي يقي العلاقة الزوجية من الدخول في المشكلات التي تعصف بها وتؤدي للانفصال.
وأضاف: الرجل يتزوج ابتغاء مرضات الله، والبعد عن المعاصي، والزواج رابط قدسي في ديننا، ولا يمكن العبث به، ولا الركون إلى الطلاق لأجل أغراض دنيوية أو مكاسب مادية نصت عليها القوانين، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»، فالطلاق تفكيك للأسرة ويشكل خطورة على الرجل وزوجته، في الوقت الذي يحرص الإسلام فيه على لم شمل الأسرة كونها نواة المجتمع، ليبقى البنيان متماسكاً.
وتابع المريخي: في حال افتعلت الزوجة المشكلات من أجل الحصول على الطلاق، فيمكن أن تحكم المحكمة بالتفريق، والحق المنصوص عليه قانوناً وشرعاً في هذه الحالات يكون للأبناء، فالنفقة تكون من أجل إنفاق المال عليهم، وكذلك المسكن، فإن طلقها الزوج ولم تكن حاضنة فليس من حقها شيئاً.
ولفت إلى أن ارتفاع معدلات الطلاق الذي تشهده أغلبية المجتمعات الخليجية يرجع لعدة أسباب منها، سوء معاشرة بعض الرجال لزوجاتهم، وآخرون لا يقدرون الحياة الزوجية، ولا يعطون المرأة حقوقها، وفي بعض الأحيان تعامل الزوجة زوجها بصورة سيئة تؤدي به إلى كراهية الحياة معها ما يؤدي إلى الانفصال، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ يوم القيامة»، وهناك من لا يفهم حق الأسرة والرباط الرباني الذي جمع الله به الطرفين، ما يؤدي إلى مشكلات تنتهي بالطلاق، وكذلك الغيرة التي تتسبب في الكثير من المشكلات بين الزوجين.
وأكد أهمية التوجيه والتوعية في مواجهة الارتفاع الكبير في معدلات الطلاق، مشدداً على أهمية تدخل الأهل والأقارب في حل المشكلات بين الزوجين، خاصة أن الكثير من الشباب والفتيات ليس لديهم الخبرة الكافية في مواجهة المشكلات الزوجية خلال الأعوام القليلة الأولى لزواجهم.
حقوق الزوجة
وقال المحامي يوسف أحمد الزمان، نائب رئيس محكمة الاستئناف الأسبق: تَكَفل قانون الأسرة المعمول به حالياً في قطر، بإيراد ما تستحقه المطلقة بعد أن يُحكم بالتفريق بين الزوجين، والحقوق المترتبة على الطلاق هي النفقات التي حددها لها القانون كنفقة المتعة ونفقة الحضانة والنفقات الأخرى المترتبة على ذلك، كإلزام الزوج بإيجاد مسكن، في حال ما إذا كانت الأم حاضنة، وكذلك النفقة عليهم من حيث المأكل والملبس والتعليم وغيرها من المصاريف المطلوبة للأبناء والأم.
وأضاف: النفقات مترتبة عن العلاقة الزوجية التي كانت تربط الزوج والزوجة بموجب القانون وحمايةً للأسرة القطرية، وتحقيقاً لدورها في المجتمع وحمايةً للأطفال، فرب الأسرة ملزم بالإنفاق على الأبناء سواء كانت الأسرة في رباطها أو حصل انفصال بين الزوجين، فمن حق الطفل أن يقوم الأب بالإنفاق عليه ما دام صغيراً وغير قادر على العمل.
وتابع: هناك تشريعات تضمن للمطلقات في بعض الحالات أن يحصلن على راتب من الضمان الاجتماعي، وذلك وفقاً لشروط تضعها الإدارة المختصة، فوقتما توفرت هذه الشروط يحق الحصول على هذا الراتب، ولها الحصول على مسكن من الدولة وفق ما تضعه الجهات المختصة، وبعد إجراء البحث الذي يخلص لمدى حاجتها للمسكن أو الراتب.
وأوضح أن المشرع القطري يهدف من كل هذه الامتيازات، ألا تستغل بصورة خاطئة، بل لتحقيق أهداف أساسية في ضمان راحة ومستقبل أفراد الأسرة في حال حدث انفصال بين الزوجين، فالامتيازات التي أتاحها القانون ليست لتبحث المرأة عنها، فتطلب الطلاق، أو تجر العلاقة الزوجية لطرق مسدودة، ما يتيح لها الوصول لأغراض مادية بعيدة عن صالح الأسرة، وهي اللبنة الأساسية للمجتمع ككل.
وأكد الزمان على أن بعض النساء يكن سيئات النوايا، بحيث يضمرن رغبة في الانفصال بعد الزواج مباشرةً، فيحصلن على المهر والشبكة إضافة إلى الامتيازات التي وضعتها التشريعات القطرية، فيتعمدن الإساءة للأزواج، استناداً إلى أن أسوأ ما تصل إليه العلاقة وهو الانفصال يصب في صالحهن، موضحاً أنها حالات نادرة لا يمكن تعميمها أو اعتبارها ظاهرة في المجتمع. وقال نائب رئيس محكمة الاستئناف الأسبق: الطلاق بيد الزوج، والمرأة لا تملكه إلا في حالات بسيطة ذكرها قانون الأسرة المعمول به، وأهم هذه الحالات تقصير الزوج في حقوق الزوجية، سواء كانت الإنفاق أو الأمور الخاصة بينهما أو غيرها من الشؤون التي يستحيل استمرار العلاقة معها، إضافة إلى حالات الإساءة التي تحدث من بعض الأزواج، فتطلب الزوجة الطلاقة لدرء الضرر الواقع عليها.
وأضاف: ويمكن للزوجة أيضاً أن تطلب الطلاق مقابل التنازل عن بعض حقوقها الشرعية، وعدا ذلك لا يمكنها طلب الطلاق أو تتعسف في طلبه، والأمر برمته يرجع إلى القاضي وما يراه من جدية في طلبها، وقبل البت في الطلاق تحيل المحكمة الأمر للمختصين ليقدموا تقريراً مفصلاً حول ما تدعيه الزوجة وعن إمكانية الصلح بين الزوجين، وكلها وسائل تساعد القاضي في تحديد جدية طلب الطلاق أو الخلع، ما يعينه على اتخاذ القرار الصائب، فيصب في صالح الأسرة ككل.
وتابع الزمان: في حال ما إذا كانت الزوجة ناشز وتركت بيت الزوجية، ولم تستجب لطلب زوجها بالعودة للمنزل، وتم بناءً على ذلك فسخ العقد من قبل القضاء، فقد تفقد الحق في النفقة، وإن كانت تتعنت في طلب الطلاق لمجرد الانفصال فحسب، وثبت للقاضي أن الزوج يقوم بكل ما عليه، فالمحكمة لا تستجيب لطلب الطلاق، وفي هذه الحالة يحق لها إن أرادت فصالاً أن تطلب الخلع.
دور التوعية
ومن جانبه، قال المحامي أسامة عبدالله عبدالغني آل عبدالغني: القضايا الأسرية هي من أكثر المشكلات الشائكة في المجتمع، ولا تتبين الأسباب الجوهرية لها إلا بعد عرضها على القضاء، وسؤال كلا الطرفين حول الخلاف، والشرع والقانون في هذه الحالات واضح، ولكن هذا لا ينفي وجود حالات استغلال لما أتيح للزوجة من ميزات، فبعض السيدات يغريهن ما سيحصلن عليه في حالة الطلاق، سواء من مسكن أو نفقات في حال وجود أبناء، أو الأموال التي يحصلن عليها في حال عدم وجود أطفال.
وأضاف: بعض حالات الطلاق تكون بعد مدة قصيرة على الزواج، ورغم أن الكثير من حالات الطلاق لها أسباب يجعلنا نلتمس العذر في الكثير من الأحيان لأي من الطرفين، إلا أنه يكبد الزوج وحده مبالغ طائلة، فالمهر والشبكة وغيرها من مصاريف الزفاف تضيع بمجرد انفصال الزوجين.
وأردف آل عبدالغني: الزوجة تتضرر من الطلاق في الكثير من الأحيان، لأنها مطالبة بإثبات الضرر في حال طلبت الانفصال عن الزوج، فإن لم تثبت الضرر أُحيل الأمر إلى خلع، ما يحرمها من حقوقها الأسرية، أو ترفض دعوى طلب الطلاق وتصبح مجبرة على العودة لحياتها الزوجية.
وأوضح أن بعض الزوجات يتعمدن افتعال مشكلات مع أزواجهن، ومن ثم طلب الطلاق، الذي سيمنحهن الكثير من الحقوق، وهذه حالات لم يمكن لأحد أن ينكرها وإن قلَّت، ولكن لا بد من إرجاع الأمر قانوناً إلى عقد الزواج، فبموجب العقد اتفق الطرفان على هذه الحقوق والواجبات، وبناءً عليها لا يمكن لأحدهما التهرب منها.
وأشار آل عبدالغني إلى أن التشريعات قادرة على وضع قيود على كلا الطرفين، ولكن إدخال القانون في كل الأمور الأسرية سيفسد الحياة الزوجية، ويفقدها روحها المبنية على حب كل طرف للآخر، وحرصه على صالحه، لذا فالاختيار الصحيح هو السبيل الأمثل لتفادي حدوث مشكلات كثيرة بين الزوجين، ناهيك عن احتمالية مخالفة القيود لما ورد شرعاً، أو خوف الشباب والفتيات من هذه القيود، فالثقة هي الضمانة الأولى لرباط الزواج.
وأكد أن حلول غالبية المشكلات الزوجية، خاصة المالية، تكمن في الثقافة المجتمعية، موضحاً أن الأمر لا يتعلق فقط بالمهر الذي بات مبالغاً فيه، فصار مسار تباهٍ بين الفتيات والزوجات، أكثر من كونه أمرا مشرعا، ولكن الأمور المالية بلغت حدودا عالية مع حفلات الزفاف التي لا داعي لها، ومع التكاليف المالية التي تثقل الزوج حتى قبل بدء الحياة الزوجية.
ولفت إلى أن تكاليف الزواج تثقل الأزواج بالديون لسنوات طويلة، الأمر الذي يؤثر بصورة أساسية على مجمل الحياة الزوجية، لذا فعلى الفتيات أن يتيقن بأن ما تتباهى به اليوم ربما يكون سبباً لسجن زوجها أو فساد حياتها الزوجية، وعلى الجانب الآخر، تفتح التكاليف المبالغ فيها المجال للزواج من غير القطريات، خاصة أن الأمور المتجذرة أصلا في العادات والتقاليد، وهي غير موجودة في الكثير من الدول الأجنبية.
وشدد آل عبدالغني على أن تدخل القانون في هذا الجانب يمكن أن يحدث صدعاً في العلاقات الأسرية، مبيناً أن التدخل لا بد أن يكون مجتمعيا عن طريق مؤسسات قادرة على توعية الشباب من الجنسين، وعلى إيصال الفهم الصحيح للزواج للآباء والأمهات، فالقيد القانوني يمكن أن يُهرب منه مستقبلاً، وحينها سينادي الكثيرون بقيود جديدة تضيق الخناق على أحد أكثر الأمور الضرورية في حياتنا وهو الزواج.