د. موزة المالكي: هناك فرق بين استبدال «العباية» والتخلي عن «الحشمة»

alarab
تحقيقات 10 نوفمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - هدى منير العمر
إن كان فرض الشريعة الإسلامية للحجاب على الفتاة المسلمة مع مراعاة الزي المحتشم الساتر لمفاتن وتفاصيل جسدها لا يتحول بتحول الزمان أو اختلاف المكان من ناحية، فللعادات والتقاليد ما يميزها عن غيرها بتغير ذلك المكان على الأقل من ناحية أخرى، فتعد العباءة السوداء وصاحبتها «الشيلة» إلى جانب نقاب الوجه زي المرأة القطرية المتعارف عليه محليا والمشترك به خليجيا، ورغم تصنيف دول الخليج ضمن منظومة المجتمعات المحافظة الملتزمة بطابعها التقليدي الذي لا يتخلى عن أصالته، فإن كثيرا من المواطنات يستبدلن زيهن التقليدي بآخر أثناء سفرهن إلى خارج الدولة، مع فارق إبقاء بعضهن لحجاب الرأس مع ارتداء ثياب أخرى محتشمة، في الوقت الذي تتخلى فيه أخريات عن الحجاب إلى جانب العباءة والنقاب بشكل تام. وفي هذا الصدد تتحدث الإخصائية النفسية د.موزة المالكي لـ «العرب» عن الأسباب التي تفسر من خلالها استبدال المواطنات «العباية» بملابس أخرى في الخارج، معتبره أن بعض الأسباب منطقية وتفرض نفسها بحكم اختلاف المكان وظروفه ولا إشكال فيها طالما أن شرط الحشمة موجود، لكنها علقت على من تتجاوز شروط الحشمة بالثياب المنفتحة والتخلي عن الحجاب، مؤكد أن من تفعل ذلك تثبت أنها غير مقتنعة بحجابها وحشمتها الخالصين لله تعالى، وأنها تلتزم بهما في بلدها خوفا من كلام الناس بتجاوز العادات والتقاليد لا أكثر ولا أقل. أما من الناحية الاجتماعية فتحدث الدكتور علي بن عبدالهادي الشاوي من قسم العلوم الاجتماعية بجامعة قطر عن النظريات الاجتماعية التي تفسر تراخي علاقة النساء بـ «العباية» عند السفر للخارج. أصل «العباية» حول تاريخ العباءة القطرية وما إن كانت تقليدا دخيلا على المجتمع لا أصلا منه، تقول الاختصاصية النفسية الدكتورة د.موزة المالكي لــ «العرب»: «في بداية التسعينيات تقريبا أقامت هدى الغزالي الباحثة في الزي الشعبي -وهي سيدة معروفة في هذا الشأن- مهرجان أزياء المرأة العمانية، وأثناءه قدمت دراسات عن الزي الخليجي، واستنتجت من خلالها أن (البطولة) أي برقع الوجه، والعباءة ولونها الأسود تحديدا ليس زيا خليجيا من الأساس، بل العكس تماما فبحكم طبيعة الجو الحار في المنطقة كانت أزياء المرأة الخليجية والقطرية على حد سواء في السابق فاتحة مشرقة اللون، وهذا في حد ذاته تفسير منطقي يؤكد عدم ارتداء المرأة الخليجية للعباءة السوداء في الماضي لشدة جذبها للحرارة، وبهذا تعد العباءة زيا دخيلا على المجتمع الخليجي ولم تنبع من أساسه وأصله». «العباية» في الداخل و»الحشمة» في الخارج لكن تبقى العباءة السوداء زيا شعبيا مهما كان أصلها، وتوضح الدكتورة موزة قائلة: «تعد العباءة السوداء زيا قطريا شعبيا يميز المرأة القطرية عن غيرها من الإناث في كافة الدول على اختلاف ثقافاتها المتعددة، وعلى خلفية ذلك أحرص أنا شخصيا على ارتدائها عندما أمثل دولتي كمواطنة قطرية في مؤتمر ما من المؤتمرات التي تعقد في الدول العربية الأخرى، لكن عندما أزور الأسواق في الدول الأوروبية أو أذهب في إحدى رحلاتها السياحية لا ألبس العباءة، فبنظري هذا هو التصرف الصائب الصحيح». وتفسر ما تعنيه فتقول: «إذا فرضنا أنني أريد أن أسافر إلى منطقة جبلية على سبيل المثال لا الحصر أو دولة كاليابان يستلزم المشي بها لمسافات طويلة، فمن غير المعقول أن أرتدي لتلك البيئة وطبيعة مشاويرها العباية، وهذا الأمر يختلف عما يتطلبه مني مؤتمر معين أو لقاء تلفزيوني يحتم علي لبس الزي التقليدي الذي أمثل به دولة قطر في الخارج، وبنظري لا يعتبر هذا تناقضا أو مخالفة للعادات على الإطلاق طالما نلتزم بالاحتشام والتستر لكن بثياب غير العباية، بل يكمن التناقض بعينه عندما تدخل الفتاة إلى الطائرة بعباءتها ونقابها وتخرج منها بملابس منفتحة مختلفة كليا بعد تخليها عن الزي التقليدي لمجرد وصولها إلى مطار الدولة الأخرى». وتتابع الاختصاصية النفسية: «بعيدا عن الخوض في مسألة النقاب والحجاب وأحكامهما الشرعية، أرى أن من تحتشم في لبسها لمجرد الخوف من كلام الناس لا بهدف الحفاظ على نفسها وإرضاء ربها عز وجل تعتبر إنسانة لا تحترم نفسها. وبالتالي نجدها تحتشم في بلدها وتفعل النقيض بمجرد السفر إلى بلد آخر، لكونها تلبس ما يسترها في وطنها حسابا لكلام الناس ونظرتهم لها لا أكثر ولا أقل وبكل بساطة إن كانت المواطنة تضع حجابها أو نقابها في بلدها، وتنزعه في بلد آخر فسيدل ذلك على عدم قناعتها الشخصية بارتدائه، مما يفسر ذلك انفتاح مظهرها عند السفر». العباءة ظاهرة اجتماعية من جانبه يستهل أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور علي بن عبدالهادي الشاوي من قسم العلوم الاجتماعية بجامعة قطر حديثه عن تقاليد الزي المتمثلة بالعباءة قائلا: «يتساءل البعض: لماذا تقوم بعض النساء المسلمات خاصة الخليجيات بنزع العباءة أو الحجاب عندما يسافرن إلى الخارج؟ في الحقيقة أنظر لهذا الأمر كعالم اجتماع بأن الحجاب بعد فرضه من الله عز وجل أصبح عند الكثير من المجتمعات الإسلامية (ظاهرة اجتماعية) أو ما يسمى بحقيقة اجتماعية (Social fact)، ومن شروط أي ظاهرة الإجبار والإلزام، أي أن الفرد يخضع للالتزام بها حتى لو لم يكن مقتنعا بها، لذلك ليست كل من لبست العباءة كانت مقتنعة بها، وبالتالي نجد بعض النساء عندما يغادرن أوطانهن يتحررن من إلزامية العباءة بخلعها، بينما من تقتنع بلبسه نجدها ملتزمة به وتحافظ عليه أينما ذهبت». علاقات «المحاشاة» ويشير الشاوي إلى أن علاقة الأفراد في المجتمعات التقليدية تقوم على ما يسمى بـ «علاقات المحاشاة» أي أنهم يتحاشون من يعرفون، ولكنهم يتعاملون ويتفاعلون بطريقة طبيعية مع من لا يعرفون، لذلك بعض النساء تستغل وجودهن بعيدا عن كيانهن الاجتماعي بارتداء ما يعجبهن من اللباس الذي يعتقدن أنهن قد حرمن منه، بسبب العادات والتقاليد، وتوجد أخريات يحاولن في بلدانهن إرضاء الذات والمجتمع سويا في الوقت نفسه من خلال الجمع بين خاصيتين ثقافيتين، كأن ترتدي الواحدة منهن العباءة والحجاب، ولكنها ترتدي معهما بنطلون «الجينز» الذي تظهره من أسفل العباءة وفقا للشاوي. ومن ناحية أخرى يؤكد أستاذ علم الاجتماع أن هنالك من تتحاشى لبس العباءة بحجة الخوف وعدم التعرض للأذى، خاصة في الدول الأوروبية وبالذات بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أميركا.. «لكني أعتقد أن الحجاب والحشمة بالعباءة أو غيرها عبارة عن قيمة دينية بغض النظر عن نوعية وشكل الحجاب وما يتبعه من ملبس، لذلك على المرأة الملتزمة أن تحافظ عليه مهما اختلف المكان أو الزمان ولا تخشى إلا الله» بهذا يختم الشاوي.