صحف عربية: طي الماضي طريق نجاح ثورة ليبيا
حول العالم
10 سبتمبر 2011 , 12:00ص
أفردت الصحف العربية الأسبوع الماضي المساحات للحديث عن ليبيا المستقبل، بعد نجاح ثورة 17 فبراير وإطاحتها بنظام العقيد القذافي، فقد أكدت الصحف العربية على أن المجتمع الليبي غني بأصحاب الفكر والثقافة والرؤى الإبداعية ممن غُيبوا وراء صورة القذافي طيلة العقود الماضية، وأن أكثر قيادات الثوار يتمتعون بثقافة عالية.
كما ناشدت الصحف العربية الليبيين بالاتحاد وبناء ليبيا جديدة وتلاشي أخطاء الماضي والنظر إلى المستقبل. وأكدت على أن ليبيا تمتلك الموارد والعقول التي تستطيع أن تبدأ عهدا جديدا.
كما أشارت الصحف العربية إلى أن تهاوي النظام الليبي وسقوط العقيد القذافي ليس النهاية الحقيقية للأزمة الليبية.
ففي هذا الشأن وتحت عنوان «ليبيا وتحديات المستقبل» ترى صحيفة «الوطن» السعودية في إحدى افتتاحياتها أن سقوط معقل القذافي واختفاء القذافي وهروب أفراد من عائلته إلى الجزائر وتهاوي نظامه، ليس النهاية الحقيقية للأزمة الليبية، ذلك أن الصعوبات التي تطفو على السطح مع سيرورة الزمن أكبر كثيرا من التوقعات.
وأكدت أن التجربة الليبية، تتآزر مع تجارب سابقة في أفغانستان والعراق، لتثبت أن الإطاحة بنظام ما، مهما كان قويا من الناحية العسكرية، أسهل كثيرا من بناء نظام جديد يختلف في علاقاته وأساليبه الإدارية عن النظام السابق اختلافا كاملا، ذلك أن من الصعب جدا بناء دولة ديمقراطية مستقرة على أنقاض حكم عريق في القمع والاستبداد.
وأشارت الصحيفة إلى أن ليبيا تعتبر حالة خاصة، من حيث كونها تتألف من تحالفات قبلية ومناطقية متباينة، فضلا عن التعددية العرقية المتمثلة في وجود مئات القبائل العربية، إلى جانب البربر والطوارق، مما يجعل النسيج الاجتماعي معقد التركيب، ويحتم على النظام الجديد خلق توازنات واضحة بين هذه الفئات كلها.
وأكدت أن الأمر لا يقف عند هذا الحد، بل تأتي مشكلة انتشار الأسلحة، لتضيف أعباء أخرى إلى أعباء المجلس الانتقالي، إذ ينبغي عاجلا تشكيل قوة أمنية رسمية، لتحل محل الجماعات المسلحة، وتنهض بالمهام الأمنية، لأنه تصعب السيطرة على الجماعات المسلحة، مهما كانت درجة إخلاصها عالية، ولن يتأتى ذلك من خلال تسريح هذه الجماعات، وإنما بدمجها في القوى الأمنية الرسمية، أو توفير وظائف عاجلة لأفرادها، لئلا يتحول السلاح والمسلحون إلى عامل هدم بعد أن أسهموا بفعالية في الإطاحة بالنظام السابق، وهو ما يبرز حتى الآن في تصريحات أعضاء المجلس الوطني، على شكل طمأنة دون خطوات ملموسة.
وأشارت «الوطن» في ختام كلمتها إلى أن اختلاف الفئات التي اتحدت، منذ 17 فبراير، على هدف واحد، وهو الإطاحة بنظام العقيد القذافي، يتطلب الآن إيجاد توازنات حقيقية بين مصالح وأهداف هذه الفئات، وهي مهمة عصيبة يتحملها المجلس الوطني الانتقالي والحكومة المقبلة، بيد أن ذلك الأمر وغيره من الصعوبات يصبح يسيرا، في حال كانت المصلحة الوطنية لليبيا الجديدة فوق كل الاعتبارات.
من جانبه بارك د. صلاح جرار بصحيفة «الرأي» الأردنية في إحدى مقالاته للشعب الليبي على الانتصار العظيم الذي تحقق بيد أبنائه الشرفاء على النظام الطاغي، وقال: هنيئا لشعب ليبيا الحر انتصاره الباهر على الظلم والطغيان، فقد أثبت أنه بالإرادة والعزم والصبر والشجاعة والتضحية وحسن التنظيم والتخطيط يمكن تحقيق التطلعات وبلوغ الآمال والطموحات.
وأضاف أن الشعب الليبي أدهش العالم إبان ثورته على الاستبداد، بما أبداه من شيم وسجايا نبيلة من الصعب أن تظهر في مثل هذه المحنة، حتى إنه ليصح أن تصبح هذه الثورة مدرسة للثورات ونموذجا للباحثين عن التحرر.
وأضاف الكاتب أن هذه الثورة كشفت عن حقائق يحق لشعب ليبيا أن يفخر بها، فما أن لاحت بشائر النصر حتى تنادت قيادات الثورة بالدعوة إلى نبذ الانتقام والثأر أو المساس بالأسرى بأي صورة وأن يترك ذلك للمحاكم والقضاء، وكانت استجابة المقاتلين لهذه النداءات سريعة ومدهشة، مع أنه من الصعب جدا على المنتصر الذي يمسك بخناق من أذاقه ألوان العذاب والتنكيل أن يكبح جماح غضبه وحنقه، لكن الانضباط الذي أبداه الثوار الليبيون كان لافتا للنظر وباهرا.
كما أشار الكاتب إلى أن الثورة كشفت عن غنى المجتمع الليبي بأصحاب الفكر والثقافة والرؤى الإبداعية ممن غُيبوا وراء صورة القذافي المتضخمة، وكانت أكثر قيادات الثوار ممن يتمتعون بثقافة عالية وآراء سديدة وفكر نير، وقد أصبحنا نسمع منذ اندلاع الثورة وإلى اليوم لغة عربية فصيحة ناصعة من قيادات الثوار العسكريين والسياسيين بعد أن كنا نسمع من القذافي وأبنائه لغة عامية سوقية ممجوجة على مدار أكثر من أربعين عاما. وأشار أيضا إلى حرص الثوار بأقصى جهدهم على المحافظة على مؤسسات الدولة ومقدرات وطنهم وعدم مساسهم بالمال العام، على عكس ما كانت تقوم به القوات التابعة للقذافي من قصف المصانع والمستشفيات والمدارس والمساجد وسواها من مؤسسات الدولة.
كما أضاف أن ثورة الشعب الليبي أظهرت ميل الليبيين إلى التسامح وابتعادهم عن التطرف والغلو، حيث أكثرهم أهل دين وورع وتقوى وإيمان، وفيهم مليون حافظ.
وفي نهاية مقاله أكد الكاتب على أن مظاهر السلوك الأخلاقي والوطني الحقيقي الذي أبداه الثوار الليبيون هو ما يستحق أن تفخر به هذه الأمة أمام المجتمع الإنساني.
وتحت عنوان «ليبيا في مفترق طرق»، أشار الكاتب عبدالمحسن سلامة بصحيفة «الأهرام» المصرية إلى الاختلاف بين الثورتين المصرية والتونسية من جانب، والثورة الليبية من جانب آخر، وإن كان الهدف واحدا، حيث أشار إلى أن نجاح ثورة ليبيا في إسقاط القذافي وإنهاء أكثر من أربعة عقود من حكمه كان نجاحا بلون الدم حيث سقط أكثر من 50 ألف قتيل، طبقا للتقديرات الأولية، وقال: أعتقد أن الرقم مرشح للزيادة وربما يصل إلى الضعف بعد أن تضع الحرب أوزارها وتتكشف كل الحقائق.
وأضاف الكاتب أنه بدأ الحصر الفعلي والحقيقي للضحايا، ومعنى ذلك أنه لن يخلو شارع في ليبيا من ضحية، وبالتالي فإن المسؤولية الواقعة على عاتق المجلس الوطني الانتقالي جسيمة للم شمل المجتمع الليبي وتضميد جراحه. فالثورة الليبية ليست كالثورة المصرية أو التونسية وإنما هي ثورة امتدت إليها أيادي التدخل الأجنبي وتحولت إلى حرب حقيقية بين القذافي ونظامه من جانب والثوار والقوات الأجنبية من جانب آخر، بعكس الثورتين المصرية والتونسية السلميتين.
وأشار إلى أنه من الصعب حتى الآن التأكد من مسار الثورة الليبية لأن هناك بعض المواقع والمناطق حتى كتابة هذه السطور، مثل بني وليد وسرت وسبها، لا تزال تدين بالولاء لنظام القذافي، وليس من المعروف أنها ستقبل بالتسليم السلمي وفتح أبوابها للثوار أم سوف يتطلب الأمر معركة عسكرية وفتحا عسكريا كما حدث في طرابلس ومصراتة وغيرهما من المدن والمناطق التي فتحها الثوار بمساعدة قوات الناتو وضرباته الجوية.
وأضاف الكاتب أننا نتمنى جميعا لو وافقت القبائل على الحل السلمي وفتحت أبوابها للثوار حقنا لدماء الشعب الليبي الشقيق. ويكفي ما وقع من ضحايا. وليت الأمر يتوقف على سقوط ضحايا فقط، لكنه يتحول إلى فوضى وانفلات أمني ومأساة حقيقية يعيشها السكان. وبالتالي فإن الحل السلمي يبعد شبح كل هذه المآسي التي نسمع عنها هناك وتتناقلها وسائل الإعلام العالمية.
وأشار إلى أنها مسألة وقت، ولا تعدو أن تكون مجرد وقت ويتم فتح باقي المناطق الليبية لتنضم إلى شقيقاتها الخاضعة للمجلس الوطني الانتقالي ليبدأ المشوار الأصعب في الثورة الليبية بعد أن تهدأ نشوة الانتصار وتبدأ فكرة بناء الدولة الليبية الحديثة.
وأضاف: عاش معمر القذافي مراهقة ثورية طوال أربعة عقود، وخدع بها الشعب الليبي حينما رفع شعار الثورة وأنه الثوري الوحيد في العالم خليفة عبدالناصر وتشي جيفارا وكاسترو ونيلسون مانديلا، وكل من يخالفه فهو رجعي متخلف عدو للثورة، وللأسف الشديد هناك البعض ممن يشبهون القذافي في الثورات العربية الجديدة حينما يتحدثون عن الثورة يتحدثون باعتبارهم الثوار الحقيقيين، ويحاولون تسفيه الآخرين وادعاء البطولات الزائفة والكذب وإلصاق التهم بهذا أو ذاك بسوء قصد طبعا ومع سبق الإصرار والترصد أملا في الفوز بأكبر غنيمة لأن الثورة بالنسبة لهم تعني حصد الغنائم وتعظيم المكاسب الشخصية، تماما كما فعل القذافي في ليبيا ولم يتركها إلا جثة محطمة ومشوهة! فعلى الثورة الليبية إذا أرادت أن تنجح فعلا أن تتجنب أخطاء ثورة الفاتح من سبتمبر وأن تكون ثورة لكل الليبيين فتطوي صفحة الماضي بكل ما فيه وتبدأ صفحة ديمقراطية سليمة وحقيقية تستوعب كل المواطنين وتكون المواطنة هي السطر الثاني، فلا فرق بين هذا أو ذاك، بين مؤيد أو معارض، بعيدا عن لغة الإقصاء والتخوين وتصفية الحسابات مثلما كان يفعل القذافي تماما، فكل من كان يعارضه فهو رجعي متخلف، بل لا بد من الدخول إلى حظيرة ثورة القذافي وتمجيد تخاريفه وفك طلاسم جنونه حتى يصبح ثوريا من سلالة العقيد. إن القذافي درس عميق ليس لثورة ليبيا فحسب وإنما لكل الثورات العربية في مصر وتونس واليمن وسوريا وغيرها من شعوب العالم العربي الساعية إلى الحرية والديمقراطية والعدالة حيث ثبت أن لغة التهييج والإثارة ودغدغة المشاعر مآلها الفشل والخراب كما حدث في معظم الدول العربية.
واختتم الكاتب مقاله بأن ليبيا وباقي دول الثورات لا تحتاج إلى مراهقة ثورية جديدة وإنما تحتاج إلى لغة عقل قوامها المصالحة ولم الشمل والتخطيط المدروس والعميق لإقامة دولة مدنية عصرية حديثة لكل أبناء الشعب بلا استثناء بعيدا عن الانتهازيين والأفاقين والمدعين كما فعل القذافي وزبانيته في ثورة الفاتح من سبتمبر أو تلك التي كانت تسمي بذلك!!
من جانبها، تساءلت صحيفة «الرياض» السعودية في إحدى افتتاحياتها وبقلم الكاتب يوسف الكويليت عن العلاقات العربية: هل هي علاقات متوترة.. أم متوازنة؟ حيث قال الكويليت:
إن الخلافات العربية متجددة ومتجذرة، وغرابتها أنها في كل ظرف زمني تلبس ثوبا جديدا، فزمن الانقلابات حضر اليسار واليمين، الأول تقرب للشعب باستغلال عداء الغرب للعرب زمن الاستعمار، واعتبر كل من يتعامل معه وفق مصالح أو سياسات عدوا ثابتا لأمتنا العربية، والعكس صحيح مع الدول الشيوعية ومنظومتها، لأنها رمز التحرر والتحرير بينما كانت جمهوريات السوفييت تخضع لما هو أسوأ من الاستعمار الغربي.
وأضاف أننا نشهد حاليا الاحتلال الأميركي للعراق، الذي يباعد بينها وبين الدول العربية، ومع ذلك حاولت دول الخليج التقرب مع الحكومة الحالية، إلا أنها بالغت بالرفض، مما أكد أن سياستها مقرونة بالإرادة الإيرانية التي لها مواقف واضحة في عدائها للدول الخليجية.
وأضاف أن الثورات العربية لم تتضح اتجاهاتها باعتبارها تمر بمرحلة انتقالية، إلا أن الريبة بصعود قوى إسلامية متطرفة قد تخلق تباعدا مع الكثير من الدول العربية، ويكفي أن العلاقة الأكثر توترا، ليبيا مع الجزائر، حيث اتهمت الأولى الثانية بتعزيز وتأييد القذافي وتسهيل عبور المرتزقة منها، وهي تهمة نفتها الجزائر وقالت إن دول حلف الأطلسي التي حاربت نظام القذافي لم تؤكد ذلك، لكن موقف الجزائر من المجلس الانتقالي وعدم الاعتراف به بدعوى التدخل الأجنبي زاد الهوة بين البلدين بشكل كبير.
وأشار إلى أن سوريا ظلت تبرم اتفاقاتها مع الدول العربية وفق ما تراه يخدم سياستها، فمرة تقاطع مصر لأسباب غير واضحة، ومرة أخرى تعادي السعودية لأنها مع استقرار لبنان ورفض تفرد أي قوة في إدارته، وهي الآن في مأزق مع شعبها لأن الصمت الذي أحكمته على المواطن قاد إلى امتداد الثورة لها، وقطعا لا يدري أحد ما تؤول إليه الوقائع، ومن سينتصر، لكن العلاقات ستكون محكومة بالظروف التي تقررها حكومة ما بعد الأحداث.
كما تطرق الكاتب إلى تونس وأن توجهها الحالي للداخل، وقد أبقت على علاقاتها هادئة، أي أن موقفها لم يتغير، حتى حالة الاضطراب في ليبيا لم تدخلها في خلاف، لأنها نسخة من ثورتها، ومع الجزائر والمغرب لا تزال ترى أن المستقبل لهذه الدول يقرره التعاون في الاتحاد المغاربي المأمول.
وأضاف أنه بالنظر للخارج، فكثير من الدول الغربية والشرقية قيّمت الثورات العربية بصورة متباينة، فأحيانا يأتي التقويم بأن مستقبل الديمقراطية سيكون في خدمة سياستها، ومرة أخرى تتخوف إما من حروب أهلية تجتاح هذه الدول، أو صعود تيارات متطرفة، وهي تزن مواقفها وفقا لنبض إسرائيل التي تخشى من تطورات سلبية، إن لم تشعل حروبا سياسية.
وأضاف: أما الدول التي تخشى امتداد النموذج العربي إليها، فهي تنتظر النتائج، أي أن نجاح هذه الثورات سيكون نموذجا مستعارا، لكن في حالة إخفاقها فإن هذا سيطيل عمر حكوماتها، لكن العلاقات لن تكون تبعية، أي مثلما تمليه أميركا على بعض الدول، أو ربما تختار أوروبا أسلوب الضغط السياسي والاقتصادي، حتى دول آسيا إن تقاربت مع الدول العربية بمختلف أنظمتها فهي الأكثر اعتدالا في مراعاة المصالح.