الطلحاوي: أكثروا من صوم النوافل بعد رمضان
محليات
10 أغسطس 2013 , 12:00ص
الدوحة - العرب
أكد الشيخ جعفر الطلحاوي الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أن على المسلم بعد انتهاء شهر رمضان المبارك أن يكثر من صوم النوافل، ويواظب على الاستقامة والدعاء بالقبول، واستدامة أعمال البر والتقوى وخوف العاقبة وعدم الاغترار، والحرص على إدامة بل إدمان ذكر الله تعالى، مشددا في حوار خاص مع «العرب» على الحذر من الانتكاسة، ودوام النفور من الكبائر، والوفاء بالدين إكمالا للعدة، مشيراً إلى خارطة طريق لحياة المسلم بعد انتهاء أيام الشهر الفضيل، متحدثا عن الكثير من الأعمال الطيبة التي ينبغي على المسلم القيام بها في القادم من الأيام، فإلى تفاصيل اللقاء:
• فضيلة الشيخ كيف تكون الاستقامة والدعاء بالقبول بعد رمضان؟
- عن سفيان بن عبدالله رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله: «قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك» قال: «قل: آمنت بالله ثم استقم» [رواه مسلم]، وسؤال الله قبول العمل الصالح من صدق الإيمان، وبنى إبراهيم -عليه السلام- الكعبة ودعا ربه: «رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» [البقرة: 127]. والثبات على الدين من عزائم الأمور؛ وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر في الدعاء: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، يا مصرف القلوب، صرف قلبي على طاعتك)، وأهل الإيمان يقولون: «رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا» [آل عمران: 8]، ولهذا كان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يودعون شهر رمضان ويدعون الله تعالى أن يتقبله منهم ستة أشهر، وعلى هذا يكون العام كله عندهم رمضان.
• وماذا عن استدامة أعمال البر والتقوى؟
- من قيام ليل إلى تلاوة وغيرها في النصوص الآتية دليل على عموم قيام الليل في رمضان وبعد رمضان قال تعالى: «وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً* وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً» [الفرقان: 64]، وقال تعالى: «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ» [السجدة: 16]، وقال تعالى: «وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ» [آل عمران: 17]. وقال تعالى: «وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» [الذاريات: 18]، في رواية عن علي -رضي الله عنه- قال «ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- علي وعلى فاطمة من الليل فأيقظنا للصلاة، ثم رجع إلى بيته فصلى هوياً من الليل فلم يسمع لنا حساً، فرجع إلينا فأيقظنا» قال الطبري: لولا ما علم النبي -صلى الله عليه وسلم- من عظم فضل الصلاة في الليل ما كان يزعج ابنته وابن عمه في وقت جعله الله لخلقه سكناً، لكنه اختار لهما إحراز تلك الفضيلة على الدعة والسكون امتثالا لقوله تعالى «وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ» الآية.
• حدثنا عن خوف العاقبة؟
- قيل قديما: ابن آدم مبتلى في أربعة أشياء ضعف البشرية وتكليف العبودية وإخفاء السابقة وإبهام العاقبة، وليكن معلوما أن أصل الدين خوف العاقبة، فمن خافها لم يزل به الخوف حتى يأمن، ولقد أتم الله علينا النعمة بصوم شهر رمضان وقيامه والقبول بيد الله عز وجل وحده، ولقد علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة، فلا تزكوا أنفسكم فلا تبرئوها من الآثام ولا تمدحوها بحسن الأعمال.
• ما عواقب اغترار المسلم بأعماله؟
- قال ابن القيم -رحمه الله-: «إذا أراد الله بعبد خيراً سلب رؤية أعماله الحسنة من قلبه، وسلب الإخبار بها من لسانه، وشغله برؤية ذنبه»، مع الصيام والقيام والزكاة والاعتكاف والتلاوة وغيرها من أعمال البر التي وقعت في شهر رمضان إلا أنا لا ندخل على الله تعالى بأعمالنا فرحمة الله أرجى عندنا من عملنا ومغفرته أوسع من ذنوبنا عن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها كانت تقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «سددوا وقاربوا، وأبشروا؛ فإنه لن يدخل الجنة أحداً عمله». قالوا: ولا أنت؟ يا رسول الله قال: «ولا أنا. إلا أن يتغمدني الله منه برحمة». فعلام الاغترار؟! ولولا فضل الله وعونه ما كان منا الصيام ولا القيام ولا غيره من هذه الأعمال، ومن أقوال أهل الجنة «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ».
• الحرص على إدامة بل إدمان ذكر الله تعالى من المنجيات، حدثني عن ذلك؟
- أعظم الصائمين -بل المسلمين- أجراً أكثرهم لله ذكراً، كما في الحديث «أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: أي الجهاد أعظم أجراً؟ قال: «أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً» قال: فأي الصائمين أعظم أجراً؟ قال: «أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً»..
ثم ذكر الصلاة والزكاة والحج والصدقة كل ذلك رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: «أكثرهم لله تبارك وتعالى ذكراً»، فقال أبوبكر لعمر -رضي الله تعالى عنهما-: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكل خير فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «أجل». وفي «صحيح مسلم» عن عائشة، قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يذكر الله على كل أحيانه»، ولهذا رأينا في القرآن الكريم بعد كثير من التكاليف الشرعية يأتي الأمر بالذكر الكثير لله تعالى، ومن ذلك بعد الصلاة يقول تعالى: «فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ».
• هل من الممكن أن ينتكس المسلم في عبادته بعد رمضان؟
- إن الطفل بعد أن تتم فترة رضاعته وبعد أن يستوفي حقه من ذلك تماما على النحو الذي فصل الله عز وجل في كتابه فقال: «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ»، وأقول بعد هذه الفترة، لا يرجع الوالدان به بعد ذلك إلى الرضاع من جديد ولا يسمحان له بالعود إلى ذلك، لأن هذا يعني انتكاسة لا يسمح للطفل بها أبداً بهذه الانتكاسة تربية للعزيمة وتقوية للإرادة لدى الطفل، وكما أن الأمر هكذا بالنسبة للطفل فهو هكذا للنفس، فنحن في رمضان أخذنا أنفسنا بالعزيمة وقمنا بفطامها عن المعاصي وأعاننا المولى عز وجل على ذلك فحبس عنا شياطين الجن، وينبغي أن نحذر الانتكاسة بعد رمضان بالعودة إلى المعاصي من جديد، فإنها انتكاسة ما بعدها انتكاسة.
• بأية طريقة نداوم النفور من الكبائر؟
- الذنوب منها الكبار ومنها الصغار، ولا بد للمسلم من مجاهدة نفسه حتى يسلس له منها الانقياد، والمرء بجبلته يقع في المعصية عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «كل بني آدم خطاء. وخير الخطائين التوابون»،
فأولى بنا أن نكون أشد حذراً بعد رمضان لإطلاق سراح الشياطين وعودتهم إلى الغواية من جديد «لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ» ومن هنا يتوجب على المسلم النفور من الكبائر لتسلم له الأعمال الصالحة ولا تبطل ويضيع أجرها عليه لقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ» فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فكذلك السيئات يذهبن الحسنات.
• وماذا عن الوفاء بالدين إكمالاً للعدة؟
- من أفطر بعض أيام رمضان بسبب مرض أو سفر -رجالا أو نساء– والمرأة إذا أفطرت بسبب حيض أو نفاس، فذلك دين لله تعالى يجب الوفاء به لقوله تعالى: «وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ»، والصيام كالصلاة كلاهما فرض واجب وحق مؤكد، ودين ثابت يؤدى أبداً وإن خرج الوقت المؤجل لهما.
• ما أجر صوم النفل بعد رمضان؟
- قال تعالى «فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ» مع الوفاء بالفرض وإتمامه فلئن كان وقت المفروض من الصوم قد انتهى فما أكثر أيام النوافل فيما نستقبل من أيام، ومن ذلك صوم الاثنين والخميس من كل أسبوع، ففيهما تعرض الأعمال على رب العالمين، والأيام الثلاثة البيض من كل شهر كصدقة عن عافية البدن كل يوم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر»، وصوم يوم عرفة، فعن أبي قتادة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «صوم عرفة كفارة سنتين سنة ماضية وسنة مستقبلة، وصوم عاشوراء كفارة سنة»، وأيام العشر الأول من ذي الحجة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام يعني أيام العشر. قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله..
قال: إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء»، ويوم عاشوراء فإن صومه يكفر ذنوب سنة كما مر في الحديث، وأيام الأشهر الحرم، وصوم ستة أيام من شهر شوال؛ فعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر».