رواية «تويا».. حين تكون النفس حائرة بين الحلم والواقع

alarab
ثقافة وفنون 10 أغسطس 2012 , 12:00ص
القاهرة - إيهاب مسعد
«تويا» الرواية الثانية لأشرف العشماوي، صدرت حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، في 280 صفحة من القطع المتوسط. في هذه الرواية يغادر أشرف العشماوي مجازاته الكبرى، التي أقامها في روايته الأولى «زمن الضباع» فلم يتخفَّ وراء الرموز والاستعارات قاطعا بذلك وشائجه مع تراث كبير في هذا السياق، بعد أن جربه مرة واحدة، وهو الإبلاغ على لسان الطير والحيوان، كما في كليلة ودمنة، ومنطق الطير، ليقول ما يريد دون خوف هذه المرة، فيدخل إلى عوالم حقيقية وواقعية، راصدا بخبرته الإنسانية دوافع أبطاله وطموحاتهم وانكساراتهم. وصار غلاف الرواية الذي رسمه الفنان «عمر الكفراوي» جزءا من موضوعها فهو لوحة فنية رائعة ودقيقة تكتنز المعنى العام للرواية، عبر وجه أنثى مصري، عربي إفريقي، يظهر الجذور الإنسانية العميقة لبطل العمل «يوسف كمال نجيب» الباحث عن ذاته، وانتمائه بين أبيه المصري، وأمه الإنجليزية، الحائر بين رغبة أمه بالبقاء في إنجلترا، وحلم أبيه بأن يحوّل مهنته إلى رسالة خادما بذلك أبناء وطنه مصر، ووطنه الأكبر إفريقيا، حتى أن الرواية منذ البداية تضعنا أمام هذا الاختيار، الأب الذاهل لرحيل عبدالناصر، والابن الحالم بالثراء. منذ البداية يضع المؤلف بطله في تناقض بين نفسه ومجتمعه، بين حلمه وواقعه، ويظل متطوحا طوال أحداث الرواية بين رفاهية ونعيم، بين شقاء وفقد، مآسٍ بشرية، وجرائم شنعاء يجد نفسه في قلبها، يتعاطف مع الضحايا، ويقاوم القتلة، يدفع الثمن، فتتغير ملامحه النفسية، وهي الثنائية التي تغلب على روح العمل كله، فالمؤلف يضع بطله دائما بين عالمين، وتبدأ ملامح هذا التغيير إلى الإيجابية لحظة لقائه ببروفيسير إنجليزي يهب حياته لمقاومة مرض الجذام في إفريقيا فينشئ مؤسسة للأبحاث لاكتشاف علاج للمرض، أمه التي رتبت لقاءه مع البروفيسير كانت تحاول ربط جذوره بوطنه الثاني إنجلترا، وهي إنجليزية الأصل، فينتهي به الأمر مخلصا لإفريقيا التي قضى فيها عامين في نيروبي في كينيا، وينجح هو المصري في اكتشاف العلاج لمرض الجذام، لأن البروفيسير الإنجليزي اكتشف أن الخلطة الحضارية ليوسف كمال نجيب المصري الإفريقي الإنجليزي قادرة على الإبداع، وهنا يضيف المؤلف مرة أخرى استمرارا لثنائياته بين الغرب المتحفز وإفريقيا المتخلفة. سيل من التحديات يواجه بطل الرواية يوسف كمال نجيب، أول هذه التحديات هو طموحه الشخصي ورغبته في النجاح المادي ثم العلمي، يحلم بإنشاء إمبراطورية طبية تعالج الأغنياء من دول الخليج، منذ اللحظة الأولى، يرسم أشرف العشماوي الملامح النفسية، المؤهلة لتطورات يوسف لاحقا، عندما ينفصل عن الجموع المودعة للرئيس عبدالناصر، في جنازته، ويختار العزلة بعيدا عنها، وهذا عكس شخصية أبيه تماما، ويتركنا المؤلف حتى السطر الأخير من الرواية، ليجعله يتطابق مع أبيه في رؤيته وأهدافه. التحدي الثاني تمثل في أقرب الناس إلى يوسف وهما خطيبته الأولى «كاترين» التافهة التي لا ترى في العالم شيئا مهما غير نزواتها وطموحها في الزواج من يوسف بعد أن يستقر في لندن، ووالدته السيدة «براون» التي تلتقي رغباتها مع رغبات كاترين، أي استقرار يوسف بجوارها في لندن، حتى أنهما تتفقان مع «نيفيل» للقضاء على أحلام يوسف في «نيروبي» وعزله عن حبيبته «تويا»، أصبح حبهما ليوسف جزءًا من المعوقات التي انتصر عليها، بزواجه من «تويا» قبل قتلها على يد نيفيل وإيراي لأنها عرفت سرهما، وهي سر تمسك يوسف ببقائه في نيروبي لاكتشاف مصل لعلاج مرض الجذام الذي يكسب نيفيل من انتشاره بين قبائل إفريقيا الملايين. ليصل بذلك يوسف «المصري» لأخطر تحدٍ في رحلته، وهو القضاء على العصابة الإجرامية المكونة من «نيفيل»، وإيراي ومينجو، فيصل إلى اكتشافه، ويبلغ الشرطة عن هذه العصابة، فيدفع بذلك ثمنا باهظًا وهو قتل حبيبته «تويا» على يد هذه العصابة بعد أن تضع له طفلة جميلة سوف يصطحبها معه إلى بلده مصر آخر الأمر، وهي ما يصله بجذوره الإفريقية، في دلالة رمزية على انتماء مصر الإفريقي.