«أسماء بنت عميس» صاحبة الهجرتين ومصلية القبلتين
باب الريان
10 أغسطس 2012 , 12:00ص
رقية الشرباصي
كانت نعم الزوجة المعينة، والأم العطوفة التي تخشى على أولادها، والمسلمة السابقة التي حسن إسلامها، فأصبحت فقيهة وراوية للحديث، قال عنها أبو نعيم في ما كتبه: مهاجرة الهجرتين ومصلية القبلتين، أسماء بنت عميس الخثعمية، المعروفة بالبحرية الحبشية. أسماء بنت عميس هي زوج الشهيد العلم جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول، وأخو علي بن أبي طالب، هاجر الهجرتين، الحبشة والمدينة، وهو الذي أقنع نجاشي الحبشة باستقبال المسلمين المهاجرين. كان جعفر أحد القادة في معركة مؤتة حيث فَقَد فيها ذراعيه وقدميه، ثم استشهد، فأخبر الرسول أن الله قد أبدله بدلاً منهما بجناحين يطير بهما في الجنة فسمّي بجعفر الطيار».
سبقت أسماء إلى الإسلام هي وزوجها قبل دخول رسول الله دار الأرقم، ودار الأرقم كانت تقع على الصفا، وهي الدار التي اتخذها رسول الله –صلى الله عليه وسلم– منبراً للدعوة إلى الإسلام، فأسلم فيها قوم كثير كان آخرهم سيدنا عمر بن الخطاب.
لاقت أسماء وزوجها ما لاقاه سائر المسلمين الأوائل من تعذيب واضطهاد، فهاجرت هي وكثير من نساء الصحابة برفقة أزواجهن إلى الحبشة، خرجت أسماء واحتملت وعثاء السفر وأهواله فراراً بدينها، ومعينة لزوجها تشد من أزره، وفي الحبشة خطت أسماء وزوجها سطوراً من نور في تاريخ الدعوة الإسلامية، حيث استطاع زوجها جعفر بن أبي طالب بفصاحته ولباقته وحديثه الصادق المخلص أن يبكي النجاشي ملك الحبشة وبطارقته حين حدثهم عن الإسلام، فأسلم النجاشي على يده وأكرم المسلمين. وذاق المسلمون في عهده العدل كما نقلت لنا أم سلمة –أم المؤمنين– حال المؤمنين المهاجرين في ظل حكم الملك النجاشي قائلة: أقمنا عنده بخير دار، مع خير جار، حتى قدمنا على رسول الله –صلى الله عليه وسلم– وهو بمكة.
وأصبحت لأسماء مكانة خاصة في الحبشة، وذلك حين ولدت عبدالله، وبعدها رزق النجاشي بولد فأرسل لجعفر يسأله بما سمى ولده فأخبره عبدالله، فسمى النجاشي ولده عبدالله، وأخذت أسماء ولد النجاشي فأرضعته بلبن ولدها حتى الفطام، ونزلت بذلك عندهم منزلة كبيرة.
صاحبة المكرمة النبوية
هجرة أسماء الثانية كانت إلى المدينة المنورة سنة سبع، وقد شهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم– لمهاجري الحبشة بهجرتين، فقد أخرج ابن سعد رحمه الله بسند وثيق عن عامر الشعبي قال: قدمت أسماء من الحبشة، فقال لها عمر بن الخطاب –رضي الله عنه فاكهاً، مازحاً: يا حبشية سبقناكم بالهجرة، فقالت: إي لعمري، لقد صدقت، كنتم مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يطعم جائعكم، ويعلم جاهلكم، وكنا البعداء الطرداء، أما والله لأذكرن ذلك لرسول الله –صلى الله عليه وسلم– فأتته فقال لها: «للناس هجرة واحدة ولكم هجرتان».
هذه هي أسماء التي انتفضت لكلمة مزاح تمس أجرها وفضلها وممن؟ عمر بن الخطاب، لم تنتفض أسماء بحثاً عن مكانة اجتماعية في الدنيا ولا نسب وشرف، لكنها كانت تبحث عن كلمة تقر بها عينها، تثبت بها أجرها عند الله ومكانتها عند رسول الله، وقد أقر رسول الله –صلى الله عليه وسلم– عينها بمنقبة كريمة جعلتها راضية، حتى إن المؤمنين المهاجرين كانوا يأتونها جماعات يسألونها عن المكرمة النبوية.
وقد أطلق عليها مصلية القبلتين ذلك أن الرسول الكريم محمد –صلى الله عليه وسلم– كما أخرج محمد بن جرير الطبري في تفسيره بسنده عن ابن جريج: صلى أول ما صلى إلى الكعبة، ثم صرف إلى بيت المقدس فصلت الأنصار نحو بيت المقدس قبل قدومه ثلاث حجج، وصلى بعد قدومه ستة عشر شهراً، ثم ولاه الله جل ثناؤه إلى الكعبة، فشهدت أسماء ذلك كله مع رسول الله.
زوجا لعلم الشهداء والصديق وعلي
حين استشهد جعفر زوج أسماء في معركة مؤتة وكان أحد أمراء الجيش الثلاث، ذرفت عين رسول الله عليه دمعا وذهب لبيت جعفر، ودعا أولاده وقربهم منه وقبلهم، ودخل على أسماء في اليوم الثالث لاستشهاد جعفر وقال لها، لا تحدي بعد يومك هذا، فذكرت أسماء يتم أولادها، فقال –صلى الله عليه وسلم: «العيلة تخافين عليهم وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟!» ثم دعا لها ولأولادها.
تزوجت أسماء بعد انقضاء عدتها من الصديق أبي بكر رضي الله عنه، واصطحبها معه في حجة الوداع فولدت له محمداً، فهم أبو بكر –رضي الله عنه– بردها إلى المدينة المنورة، فسأل النبي –صلى الله عليه وسلم– فقال: «مرها فلتغتسل ثم تهل بالحج» وحجت حجة الوداع، وبقيت عند أبي بكر إلى أن مات، فغسلته بوصية منه، ثم تزوجت علي بن أبي طالب –رضي الله عنه– فولدت له يحي وعوناً. وبهذا كانت من أكرم النساء أزواجاً.
راوية للحديث ومفسرة للرؤى
لأسماء مناقب كثيرة، حيث شهد لها النبي –صلى الله عليه وسلم– بالإيمان فقال: «إن الأخوات لمؤمنات» وكن تسع أخوات.
وكانت من السابقات المهاجرات وخصها الرسول بقوله فيما روى ابن عباس رضي الله عنهما فقال: بينما رسول الله –صلى الله عليه وسلم– جالس وأسماء بنت عميس قريبة إذ قال: «يا أسماء هذا جعفر مع جبريل وميكائيل مر، فأخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا وكذا فسلم، فردي عليه السلام».
وقد اشتهرت أسماء بتأويل الرؤيا، وكان عمر بن الخطاب يسألها عن تعبير الرؤيا، فقد ورد أن عمر رأى في الرؤيا كأن ديكاً نقره أسفل سرته نقرتين، فسأل عن تأويل رؤياه أسماء فقالت: هذا رجل أعجمي يصيبك، فمضت لذلك أيام فطعنه أبو لؤلؤة المجوسي بسكين تحت سرته طعنتين أو ثلاثاً.
لم يسبق أحد من المهاجرات أسماء في رواية الحديث إلا أم المؤمنين عائشة، وأم المؤمنين أم سلمة، فقد روت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – 60 حديثا. وروى عنها من الصحابة: عمر بن الخطاب، وأبو موسى الأشعري، وعبدالله بن عباس، ابن أختها –وعبد الله بن جعفر– ابنها رضي الله عنهم.
تفردت أسماء فكان لها أول مولود في الإسلام في الحبشة، وزوجها جعفر كان أول من عقر فرساً في الإسلام. وأسماء نفسها أول من أشارت بنعش المرأة.