الصدق

alarab
باب الريان 10 أغسطس 2011 , 12:00ص
د. سماح صلاح الدين شلبي •
الحمد لله حمدا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على الصادق المصدوق صاحب الخلق المحمود، سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم. يعد الصدق من الأخلاق أو السجايا أو الطبائع الحميدة، التي ينتهجها كل صاحب عقل سليم وفطرة نقية وإيمان قوي، حيث تبنى الأخلاق على أسس ثلاثة أولها: العقل وذلك لأن العقل يستحسن مكارم الأخلاق ويؤيدها، بل يحث عليها ويستقبح سيئها ولذلك يجعل مرتكبها يتوارى بها. ثانيا: الفطرة الوجدانية فهي تميل بطبيعتها إلى كل خلق كريم «ما من مولود إلا ويولد على الفطرة فبداخل كل إنسان فطرة سوية تحضه على الأخلاق الحميدة وتنفره مما سواها. ثالثا: الإيمان فهو يلزم بطاعة الله ومن طاعته الالتزام بحميد الأخلاق واجتناب مرذولها. قال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم» أخرجه أبو داود كتاب الأدب، وقال: «أكثر المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، وخياركم خياركم لنسائهم» أخرجه الترمذي كتاب البر وقال عليه الصلاة والسلام: «إن من أحبكم إلى وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، وإن أبغضكم إلى وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون» قالوا يا رسول الله: قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبرون». فالصدق هو الإخبار بالشيء على ما هو عليه في الواقع أو مطابقة الحكم للواقع، وهو ضد الكذب الذي هو الإخبار بالشيء على عكس ما هو عليه في الواقع، فالصدق هو الفضل، والصلاح، والجد والشدة، والصلابة، وهو قول الحق في مواطن الهلاك. وقيل: الصدق: ألا يكون في أحوالك شوب، ولا في اعتقادك ريب، ولا في أعمالك عيب. [محيط المحيط مادة صدق]. والفرق بين الصدق والصواب والحق: أن الصواب هو الأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، والصدق هو الذي يكون ما في الذهن منه مطابقا لما في الخارج، والحق: هو الذي ما يكون ما في الخارج مطابقا لما في الذهن. والصدق: هو اعتقاد جازم بمطابقة الخبر للواقع. إن من أشد الأمراض فتكا بالمجتمعات، بل آفة الأفراد، والمجتمعات هو الكذب، فهو ينم عن فساد نفس صاحبها، فلا غرو أن نجد الحث عليها من كافة الشرائع، ومن كل ذوي العقول، فالكاذب ينشئ الشر ويندفع إلى الإثم من غير ضرورة، لذلك كان الكذب علامة من علامات النفاق قال عليه الصلاة والسلام: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان» أخرجه البخاري في كتاب الإيمان. إن المجتمع -صغر أم كبر- القائم على أمره زمرة من الكذابين يقيمونه على غير أساس، فإذا سأل الرئيس مرؤوسيه عن العمل وأحواله ومشاكله -هذا إن سأل- أجابوا: على أحسن ما يكون! فعلى أي شيء يخططون لإخراج المجتمع من أزماته ومشاكله، فإذا كان تشخيص الداء مكذوبا فهل يجدي الدواء؟ ربما زاده مرضا، فأنى لرقي مجتمع قادته كذابون؟! وهيهات لسعادة أسرة قائمة على الكذب! ويا لتعاسة إنسان ديدنه الكذب! والكذب على الله ورسوله أشد وأنكى، فهو يخرب النفوس ويوقع الناس في البلبلة والحيرة، فالله الله فيما شرع، والله الله فيما قال الرسول. فالصدق هو الشفاء من كل داء، وهو مطلوب مع النفس، ومع الغير أياً كان، حتى مع الأطفال الصغار ليعتادوا السلوك السوي والخلق الحميد، والصدق مع الله ورسوله في كل أمر على رأس أنواع الصدق قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [سورة التوبة آية: 119]، ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا» أخرجه مسلم في كتاب البر. ومن دمامة الكذب أنه يتنافي مع الإيمان فقد سئل صلى الله عليه وسلم أيكون المؤمن جبانا؟ قال: «نعم» قيل له: أيكون المؤمن بخيلا؟ قال: «نعم» قيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ قال: «لا». ويجوز الإخبار بخلاف الحقيقة في بعض الحالات كالإصلاح بين المتخاصمين، وفي الحرب، وفي حديث الزوج لزوجته، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا» وزاد مسلم في رواية: قالت أم كلثوم: ولم أسمعه يرخص في شيء مما يقول الناس إلا في ثلاث تعني الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها. أخرجه البخاري في كتاب الصلح ومسلم في كتاب البر. رزقكم الله وإياي قول الصدق والحق والصواب والعمل به إنه نعم المولى ونعم المعين. *مدرس الدراسات الإسلامية، كلية البنات جامعة عين شمس. عضو الاتحاد العالمي لعلماءالمسلمين dr_samah_salah@yahoo.com •