باب الريان
10 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
يحمل عرش الرحمن تبارك وتعالى -على اتساعه وجلاله- ثمانية من الملائكة، قال تبارك وتعالى في سورة الحاقة: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ).
فإذا كانت السماوات والأرضون -إلى عرش الرحمن تبارك وتعالى- كحلقة ملقاة في فلاة، وإذا كان الكرسي إلى العرش كذلك، فإن العقل سيقف عاجزًا تمامًا عن تصور قوة هؤلاء النفر من الملائكة حملة العرش، وحجمهم، وهيئاتهم، وسيقف كذلك عاجزًا عن مناقشة: هل هم أكبر الملائكة حجمًا، وأعظم طولًا فلا نملك إلا أن نقول: (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير).
*** ومن صفاتهم ما ورد في سنن أبي داود، عن سيدنا جابر رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم بسند جيد: (أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه مخفق الطير سبعمئة عام).
*** وهم في حالة تسبيح دائم: يقول تبارك وتعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر:7] ولا يستحسرون عن العبادة، و(يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ)!
وورد في مسلم من تسبيحهم ونشاطهم: (... ولكن ربنا، تبارك وتعالى اسمه، إذا قضى أمرًا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا. ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم ماذا قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضًا؛ حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم، ويرمون به؛ فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقترفون فيه ويزيدون).
*** وهم يحبون بعض أهل الدنيا -اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين- ففي (العرش) للإمام الذهبي رحمه الله، عن أبي هريرة رضي الله عنه, عنه صلى الله عليه وسلم صحيحًا: (إذا أحب الله عبدا نادى جبريل فقال: إني أحب عبدي فأحبوه، فينوه بها جبريل في حملة العرش فيسمع أهل السماء لفظ حملة العرش، فيحبه أهل السماء السابعة، ثم سماء سماء، حتى ينزل إلى السماء الدنيا، ثم يهبط إلى الأرض، فيحبه أهل الأرض).
*** استشهاد حملة العرش صبح كل يوم: أخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم، في الصحيحة، قال: (من قال: اللهم إني أشهدك، وأشهد ملائكتك، وحملة عرشك، وأشهد من في السماوات والأرض، أنك أنت الله، لا إله إلا أنت، وحدك لا شريك لك، وأشهد أن محمدًا عبدك ورسولك؛ من قالها مرة أَعتق الله ثلثه من النار، ومن قالها مرتين أعتق ثلثيه من النار، ومن قالها ثلاثًا أعتق الله كله من النار).
*** اهتزاز العرش أو حملته لموت سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه:
في البخاري عن جابر رضي الله عنه, عنه صلى الله عليه وسلم: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) فسره بعض اللغويين بأن المراد هنا نعش الميت، واهتزازُه فَرَحُه بحمْل سعد عليه إِلى مَدْفنِه! وقيل: هو عَرْش اللَّه تعالى؛ كِنايةٌ عن ارتياحِه بروحه حين صُعِد به لكرامته على ربه، وقيل: هو على حذف مضافٍ تقديره: اهتزَّ أَهل العرش لقدومه على اللَّه تعالى؛ لما رأوا من منزلته، وكرامته عنده.
*** حجم العرش: في الفتح بسند صحيح عن أبي ذر: (يا أبا ذر: ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على الحلقة).
*** العرش فوق الجنة: في صحيح الجامع، عن عبادة رضي الله عنه, عنه صلى الله عليه وسلم: (في الجنة مئة درجة، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، منها تفجر أنهار الجنة الأربعة، ومن فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس).
*** العرش على الماء: قال تعالى: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود:7]، أخرج ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة بسند صحيح، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: ما بين السماء القصوى والدنيا خمسمئة عام، وبين الكرسي والماء كذلك، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
*** فوق العرش: في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه, عنه صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم (لما قضى الله الخلق، كتب كتابًا عنده: غلبت -أو قال: سبقت- رحمتي غضبي، فهو عنده فوق العرش) وروى الألباني في مختصر العلو وصححه (لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي)، وفي لفظ: (إن الله كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش) وفي لفظ آخر: (لما خلق الله الخلق كتب في كتاب، كتبه على نفسه، فهو عنه صلى الله عليه وسلم فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي)
*** تحت العرش:
= في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة، فرفعت إليه الذراع -وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة، وقال: (أنا سيد القوم يوم القيامة، هل تدرون بم؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيبصرهم الناظر، ويسمعهم الداعي، وتدنو منهم الشمس، فيقول بعض الناس: ألا ترون إلى ما أنتم فيه، إلى ما بلغكم؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم، فيقول بعض الناس:
أبوكم آدم، فيأتونه فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، وأسكنك الجنة، ألا تشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه وما بلغنا؟ فيقول: ربي غضب غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ونهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح!
فيأتون نوحًا، فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدًا شكورًا، أما ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما بلغنا، ألا تشفع لنا إلى ربك؟ فيقول: ربي غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، نفسي نفسي، ائتوا النبي صلى الله عليه وسلم, فيأتوني فأسجد تحت العرش، فيقال: يا محمد ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه).