محبة النبي صلى الله عليه وسلم (23)
باب الريان
10 يوليو 2015 , 05:52ص
عبد الباسط خليل
حب المؤمنين
الحب لا يُشتَرَى، وما سمعنا أحداً يبيع حباً، ولا يوزع حباً على الناس. وكذلك الحب ليس حبة دواء نتناولها يصبح الإنسان بعدها إِلفاً أَلوفاً يحب الناس ويحبه الناس، ولكن الحب معنى جميل من معاني هذه الحياة، فلا حياة بغير حب، والحب أساس المودة والألفة.. بالحب اجتمعت المجتمعات.. بالحب قامت المودة بين الزوجين.. بالحب قامت العلاقات بين الأسر وبين الناس جميعاً.. بالحب دخل الناس في دين الله أفواجاً (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ) [البقرة: 256]، ولذلك فإن المؤمنين تربطهم غاية واحدة لا تحقق أهدافها في الحياة ما لم تُبنَ علاقات المؤمنين بعضهم ببعض على أسس من المحبة والمودة من أجل هذا الحب "حب المؤمنين"، فقد عمل الرسول صلى الله عليه وسلم على تعميق عاطفة الحب بين المؤمنين ليبقوا قوة واحدة متماسكة، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم "لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتى تحابوا"، ويقول كذلك "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، ويعطي الرسول صلى الله عليه وسلم أهمية عظيمة لغرس معاني الحب بين المؤمنين لما لها من تأثير على حياتهم والنهوض بالرسالة، لهذا نراه صلى الله عليه وسلم يؤكد على أن تكون المحبة بين المؤمنين حائزة على مقومات عظيمة منها:
1- إخلاص الحب لله: ألا يقوم على أساس من منفعة أو مصلحة أو غرض دنيوي فيتزعزع هذا الحب إذا انتفت المصلحة، وإنما يكون الحب مجرداً من كل غاية سوى طاعة الله وتحقيق رضاه.. لذلك فإن الأخوة والروابط التي قامت على المحبة لله، ومن أجل الله تتميز بالاستمرار والنقاء والصفاء والرفعة، وفي هذا المعنى يقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان"، وقال الله تبارك وتعالى "وجبت محبتي للمتحابين في، والمتجالسين في، والمتزاورين في".
ثانياً: إعلان الحب، وقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم بإعلان الحب، وإعلان الحب يجعل تيار الحب يسري بين قلوب المتحابين فتزيد حباً فوق حب، لذلك فإن إعلان الحب يؤدي إلى زيادة تآلف المسلمين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أحب أحدكم أخاه فليعلمه".
ثالثا: من المعاني التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم في تعميق أواصر الحب تواصل الحب، بمعنى أن يحب الإنسان معاصريه من المؤمنين من غاب منهم أو حضر، فيشعر كل جيل أن تيار الحب يسري بين قلوبهم جميعاً، ولذا نجد صحابته الكرام مدرسة عظيمة نادرة فريدة تجمعها أواصر الحب والإخاء والتعاون والتكافل في أبهى صوره. لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله".
وقد سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يحب القوم ولا يلحق بهم فقال صلى الله عليه وسلم "المرء مع من أحب"، وقد تأصلت هذه المحبة بين المؤمنين الصادقين من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم لبعضهم البعض وتعمقت إلى درجة لم يُعرف لها مثيل حتى غدا أي منهم يفدي أخاه بنفسه، ولا يبخل عليه بشيء من مقومات الدنيا وما سجله لنا التاريخ يبدو إلى كثير من الناس كأنه ضرب من الخيال، لأن عقد مقارنة بين علاقات الناس اليوم وبين علاقات وتكامل مجتمع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المقارنة ظالمة والبون شاسع، ولكنه واقع حقيقي تمثله وعاشه أولئك الذين عرفوا معنى الأخوة في الله كما رباهم النبي صلى الله عليه وسلم.
أيها المستمع الكريم، إليكم يا سادة بعض هذه الصور الدالة على هذا الجيل الذي تربى على الحب والإيثار، في معركة اليرموك جاء أحد الصحابة يسقى الجرحى، فوجد عكرمة بن أبي جهل في الموت وأراد أن يسقيه، وإذا برجل ينادي: ماء، فقال عكرمة: اذهب فاسقه أولاً، فذهب إليه وإذا به سهيل بن عمرو، ولما وصل إليه ليسقيه إذا بثالث ينادي ماء، فقال سهيل اذهب فاسقه أولاً، فذهب إليه وإذا به الحارث بن هشام، ولما أراد أن يسقيه فاضت روحه، فعاد ليسقي سهيلاً فوجده قد مات، ورجع مسرعاً إلى عكرمة فوجده قد مات. مات ثلاثة وكل منهم يؤثر أخاه بآخر شربة ماء له في الدنيا، ولقد عبر خالد بن الوليد تعبيراً دقيقاً عن حب المسلمين لبعضهم البعض عندما سأله القائد الروماني "جورجة": قل لي يا خالد واصدقني، لماذا ننهزم وتنتصرون في رأيك؟ قال: أقول لك وأصدقك، إن أحدنا إذا رأى السهم مسدداً إلى صدر أخيه اتقاه بصدره، أما أحدكم إذا رأى السهم مسدداً إلى صدره اتقاه بصدر أخيه، قال جورجة: صدقتني والله، لشتان ما ين الحالين.
4- التضحية لهذا الدين، فهذا مصعب بن عمير رضي الله عنه من أغنى فتيان قريش وأعطر فتى في قريش، وأجمل فتى في قريش، ومن أفضلهم لباساً، فضحى بذلك كله، واستشهد يوم بدر، ولم تكن عليه سوى بردة إذا غطوا بها رأسه بدت قدماه، وإذا غطوا بها قدميه بدت رأسه. وكما هو معلوم أن من لوازم التضحية حب هذا الدين، يقول أبو رجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيت الناس مجتمعين ورأيت رجلاً يقبل رأس رجل ويقول له: "أنا فداؤك لولا أنت لهلكنا" فسألت من المقبِّل ومن المقبَّل؟ قالوا: هذا عمر يقبل رأس أبي بكر لقتاله أهل الردة إذ منعوا الزكاة حتى أتوا بها صاغرين. وفي غزوة مؤتة قاتل القائد الأول زيد بن حارثة حتى شاط في رماح الروم، وأخذ الراية القائد الثاني جعفر بن أبي طالب حتى قطعت يمينه فأخذها بشماله فقطعت واحتضنها بعضديه حتى استشهد وفي جسمه بضع وتسعون ضربة أو طعنة أو رمية كلها فيما أقبل من جسمه، ويحمل الراية القائد الثالث عبد الله بن رواحة وتنازعه نفسه.
أيها المستمع الكريم هذه هي النماذج المؤمنة التي ربيت على الحب والتضحية لهذا الدين والتي أمرنا الله تعالى أن نحبها بقول تعالى "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" [المائدة: 120]