علاقة السنة بالقرآن

alarab
باب الريان 10 يونيو 2017 , 12:11ص
علي القرة داغي
قال الشيخ علي محي الدين القرة داغي، في كتابه «الاجتهاد»، الذي ينشر على حلقات بصحيفة «العرب» طوال شهر رمضان المعظم: «لا خلاف بين المسلمين قاطبة على وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، واتباع سنته بعد مماته، فقد أمر الله تعالى بطاعته في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}، فقد علق الشافعي وغيره على هذه الآية بأنها تدل على وجوب طاعة الله تعالى وطاعة رسوله طاعة مطلقة».
دور النبي هو التبليغ وبيان شرع الله وتطبيقه
وأضاف أن الشرع -وهو حكم الله- لله تعالى وحده، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ..}، لكن هذا الشرع قد وصل إلينا عن طريق الأنبياء والمرسلين، وأن شريعة الإسلام قد وصلت إلينا عبر نبينا الكريم محمد بن عبدالله -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}، ودلت آية أخرى صراحة بأن وظيفته -صلى الله عليه وسلم- هي الحكم بما أراه الله تعالى، سواء كان قرآنا أو سنة أو حديثاً قدسياً، فقال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}، ومن المعلوم بداهة أنه لم تنزل في كل حكم آية من القرآن الكريم، لكنه كان -صلى الله عليه وسلم- يحكم فيما بين الناس على ضوء القرآن وما يلهمه تعالى، وقد يجتهد فيقرّ اجتهاده، وقد لا يقر كما حدث بالنسبة لأحكام الظهار في سورة المجادلة، يقول الصفي الهندي: «لا معنى للنبوءة إلا إبلاغ أنباء الله تعالى وأحكامه بطريق الوحي إلى خلقه»، ويدل على ذلك قوله تعالى: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ}. وقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}.
إذن فدور الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- هو بيان شرع الله وحكمه، وإظهار ذلك للخلق، ثم تطبيقه، والمراد بالبيان هنا البيان العام اللغوي الدال على الإظهار، لا ما اصطلح عليه الأصوليون الخاص ببيان المجمل فما يصدر من الرسول -صلى الله عليه وسلم- سواء كان وحياً يتلى ويعجز أم لم يكن كذلك، فهو بيان لشرع الله وحكمه وإرادته، قال ابن العربي: «إذ الكل -أي القرآن والسنة- من عند الله، وإنما بعث محمداً ليبين للناس ما نزل إليهم»، ويقول الشاطبي: «فإن الحديث إما وحي من الله صرف، وإما اجتهاد من الرسول -صلى الله عليه وسلم- مختبر بوحي صحيح، وقد كملت قواعد الشريعة في القرآن وفي السنة، فلم يتخلف عنها شيء، والاستقراء يبين ذلك».
ويقول ابن حزم: «ووجدناه -عز وجل- يقول فيه -أي في القرآن- واصفاً لرسول الله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}، فصح لنا بذلك أن الوحي من الله عز وجل إلى رسوله ينقسم على قسمين: أحدهما: وحي متلو مؤلف تأليفاً معجز النظام وهو القرآن، والثاني: وحي مروي منقول غير مؤلف، ولا معجز النظام ولا متلو لكنه مقروء، وهو الخبر الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويدل على أن السنة منزلة من عند الله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا}.
فالكتاب هو القرآن الكريم، والحكمة هي السنة المشرفة، قال الشافعي: «فلم يجز والله أعلم أن يقال: الحكمة هاهنا إلا سنة رسول الله، وذلك أنها مقرونة مع كتاب الله، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس اتباع أمره، فلا يجوز لقول: فرض إلا لكتاب الله، ثم سنة رسوله، وسنة رسول الله مبينة عن الله معنى ما أراد، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله».
ومن هذا المنطلق عرف الأصوليون الحكم بأنه خطاب الله، وقالوا: إن «خطاب الله» يشمل الكتاب والسنة، لأن اعتقاد المسلمين كما يقول الشافعي على أن «كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم»، عن طريق الكتاب والسنة وما يدلان عليه من الاجتهاد وذكر القفال أن الكتاب والسنة أصل، وأن غيرهما من القياس، والإجماع، والمصالح المرسلة، يتفرع منهما.
القرآن والسنة -كما ذكرنا- كلاهما وحي من عند الله تعالى، غير أن الأول وحي متلو معجز، والثاني غير متلو وغير معجز.