حقوقيون: الترخيص بسكن «الضراير» في بيت واحد يسبب الضغينة والأحقاد

alarab
تحقيقات 10 مايو 2012 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
«لا يحق للزوج أن يُسكن مع زوجته ضرةً لها في مسكن واحد إلا برضاها، ويحق لها العدول متى ما لحقها ضرر من ذلك». بهذا النص «توهم» المشرع أنه حصّن المرأة من مضايقة «الضراير» لها في السكن، حيث اشترط قبولها سابقا وخوّلها العدول لاحقا، بينما الحقيقة أنه أزَّم مستقبلها ودفن بين جدران بيتها قنبلة قد تنفجر في أي وقت، وفق حقوقيين واجتماعيين. فعلاوة على تجاهله استشراء النزعة الفردانية في المجتمع، والجنوح للخصوصية في كل شيء، تغافل المشرع عن غريزية الغيرة في النساء، وأسس على استثناء يصطدم بالواقع، وفق المعترضين على النص. وحتى على افتراض إمكانية قبول المرأة، فإن سكن ضرتين يدشن واقعا مريرا، ويعني أن الأولى ستعيش حياة ملئت رعبا، لأن عدولها سيخلق مشاكل لزوجها ويدفعه لطلاقها، حسب منتقدي القانون. بيد أن استغراب هؤلاء لا يكمن فقط في أن النص يهيئ لجو من الضغينة والأحقاد وسيترك رواسب نفسية على الأولاد، إنما لكون المشرع «تصامم» عن اثنين من أهم مصادره: هما الشريعة الإسلامية وعرف المجتمع. ففي حين تؤكد الممارسات في عهد النبوة عدم إسكان ضرتين في بيت واحد، يستقر العرف في قطر على أن المرأة تكره أن تقيم مع ضرتها كما تكره أن تقذف في النار. غير أن البعض رأى أن المادة (67) اتسمت بالمرونة تجاه الراغبين في التعدد، في الوقت الذي حمت فيه المرأة من المضايقات وخيرتها بين الرفض والقبول. ضغينة وأحقاد العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون الدكتور عبدالحميد الأنصاري يشدد على أن الشرع يشترط في المعدّد القدرة المادية, وعلى رأسها توفير السكن الملائم لكل زوجة، حسب تعبيره. ويرى الأنصاري أن المشرع ينبغي أن يعمل على تفادي المشاكل التي ستنجم لا محالة عن سكن ضرتين في مكان واحد، من قبيل تهيئة الجو للضغينة والأحقاد. وحسب العميد الأسبق لكلية الشريعة، فإن المشرع يجدر به ألا يؤسس على الاستثناء، لأن قبول الزوجة السكن مع ضرتها مناف للواقع والمشاهد من أحوال النساء. ولا يستسيغ الأنصاري أن تقبل المرأة السكن مع ضرتها، ما دام الكثير من الزوجات يرفضن الإقامة في بيت أهل الزوج، لأن خصوصية السكن غاية وهدف لمعظم السيدات. ويحتضن النص التشريعي لغما يمكن أن ينفجر في أي وقت، لأن الرهان على استبعاد رجوع السيدة الأولى عن قبول السكن مع الجديدة خاسر، ما يعني أن التوتر سيظل سيد الموقف. وينبه الأنصاري إلى أن النص وإن بدا منصفا بإتاحة التراجع للأولى سيخلق مشكلة فيما إذا عدلت عن قبولها، ولم يكن بإمكان الزوج توفير بديل للثانية، متسائلا: هل سترمى في الشارع. ولتفادي مشكلة قد تتفجر في أي وقت يبقى الأحكم والأوثق أن ينص القانون صراحة على أنه يجب على المعدد توفير سكن خاصة لكل زوجة، وفق الأنصاري. وحسب الأنصاري فإن النص تأثر بفلسفة التشجيع على التعدد، ما جعله يغفل أهم شروط القدرة عليه والتي يأتي في مقدمتها توفير السكن الملائم لكل زوجة. ويرى الأنصاري أن احترام مبدأ التعدد يقتضي الحرص على تحقيق شروطه وعدم التهوين من شأنه. ولا بد لقوانين الأحوال الشخصية أن تراعي في نصوصها تحقيق مقاصد الشرع في السعي لتوفير حياة كريمة ومستقرة, وهو ما يتنافى مع إقامة «الضراير» في بيت واحد- يشدد الأنصاري. ومن غير «المنضبط» أن يركن المشرع لمزاج الزوجة الذي «قد يتقلّب غدا» خصوصا إذا ما شعرت بغياب العدل، ما يعني أن «المادة تخلق مشاكل نحن في غنى عنها, وتُناقض ما استقر عليه المجتمع» طبقا للأنصاري. ومن شأن السماح بسكن «الضراير» في منزل واحد الإخلال بحماية الأجيال، حيث سيؤدي لا محالة إلى غياب التربية الآمنة وستنجم عنه ردات فعل غير حميدة ورواسب نفسية ستؤثر سلبا على مستقبل الأولاد. ولا يتفهم العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون تهيّب المشرع النص على ضرورة توفير سكن لكل زوجة، ما دام الشرع يلزمه بذلك، حسب تقديره. تقنين المرارة أما الكاتب فيصل المرزوقي فيرى أن الترخيص بسكن ضرتين في بيت واحد تقنين للمرارة لأن المرأة بطبيعتها ترفض التعدد، ولن تقبل من باب أولى الإقامة مع غريمتها تحت سقف واحد. ويذهب المرزوقي في كتابه «قراءة نقدية لقانون الأسرة» إلى أن المشرع ركن إلى الخيال والوهم عندما تصور إمكانية إقامة الزوجة مع ضرتها في بيت واحد. وحسب المرزوقي فإن نص المادة على ضرورة رضا الزوجة ليس إلا «شرطا وهميا لإظهار عدالتهم وحرصهم على المرأة وحقوقها» بينما الحقيقة أن هذا «الشرط ظاهره الرحمة وباطنه العذاب». ووفق المرزوقي، فإن ترحيب الزوجة الأولى بسكن الثانية معها تصور استثنائي لا يقاس عليه لأن الأحكام والتشريعات من شأنها التجريد والعموم وليس الركون إلى المواقف الاستثنائية. ويبدو أن المشرع أساء للمرأة كثيرا، لأن تخويلها الرجوع عن القبول قد يُسيّرها في ركب المطلقات، حيث سيشعر بتمريغ كرامته في حال إذلال الثانية وطردها للشارع، ما يدفعه للتضحية بالأولى، وفق تصور المرزوقي. ويستدعي المرزوقي بعض الممارسات في بيت النبوة التي تقر غريزة الغيرة لدى النساء، وتؤكد أن النبي عليه الصلاة السلام وصحابته رضوان الله عليهم لم يجمعوا بين ضرتين في سكن واحد، ما يبرر التساؤل عن المصدر الذي استمد منه المشرع القطري هذا التوجه. ويقترح المرزوقي تعديل المادة لتصبح: «لا يحق للزوج أن يُسكن مع زوجته ضرة لها في مسكن واحد. وفي حال رغب الزوج في التعدد يُلزم بتوفير منزل مستقل لكل زوجة. وللزوجة الأولى أولوية شغل مسكن الزوجية القائم». قناعة المرأة مديرة المؤسسة القطرية لحماية الطفل والمرأة فريدة العبيدلي تنطلق في تعليقها على المادة من أن التعدد أبيح في الشرع بضوابط معينة ينبغي تحقيقها «وأهم شيء هو العدل». وحسب العبيدلي، فإن إعطاء المرأة حق الاختيار بين تقاسم المنزل مع ضرتها أو رفضها من شأنه أن يجنبها أية مضايقات في المستقبل لأنها ستتصرف بقناعة «وهي ليست جاهلة ولا طرفا ضعيفا في هذا العصر». وإذا ما اقتنعت السيدة بمشاطرة غريمتها المنزل فإنها تتحمل مسؤوليتها, وقد لا يؤدي هذا إلى مشاكل في المستقبل, خصوصا أن المنزل قد يكون أرضا كبيرة لكل منهما فيلا بداخلها، كما تتصور العبيدلي. بيد أن القضية لا تثير الكثير من الإشكاليات لأن النسوة بِتْن يشترطن كل صغيرة وكبيرة حتى الخادمة والسائق، ومن باب أولى السكن المستقل، تلاحظ مدير المؤسسة القطرية لحماية الطفل والمرأة. وتلفت العبيدلي إلى أن رأي الأنثى بات مسموعا، ومن حقها أن تتمسك في عقد الزواج بالحصول على سكن مستقل أو إكمال دراستها والعمل, وكل ما تراه مناسبا لمستقبلها «ويجب أن يحقق الزوج هذه المطالب لأن العقد شريعة المتعاقدين». وحول ما إذا كانت تؤيد تعديل المادة بالنص على وجوب توفير بيت لكل ضرة، اكتفت العبيدلي بالقول: المجتمع تغير ولم يعد يقبل أن تسكن السيدة مع غريمتها، وإذا كانت هناك مشاكل في المحاكم من هذا القبيل يجب أن يواكب القانون التطورات. غير أن العبيدلي ترى أن إسكان زوجتين في بيت واحد سيورط الرجل أيضاً, ولن يخلص من المشاكل خصوصا أن العرف تجاوز هذه الممارسة وأغلب الرجال المعددين يوفرون لكل زوجة مسكنا خاصا، حسب تعبيرها. قانون مرن لكن المحامي والقاضي السابق جذنان الهاجري يرى أن المشرع لم يغفل حقيقة أن المرأة غيورة بطبعها وتحرص على الاستحواذ على زوجها والسكن في بيت مستقل. وخلافا لآراء شرعيين واجتماعيين طالبوا بتعديل النص القانوني، يرى الهاجري أن المادة ضمنت مصلحة المرأة عندما أوقفت سكن ضرتها معها على رضاها وأعطتها حق العدول إذا ما لحقها ضرر. ويخلص الهاجري إلى أن النص التشريعي اتسم بالمرونة ونجح في التوفيق بين حماية المرأة وعدم وضع عقبة أمام الرجل الراغب في التعدد. ويضيف الهاجري أن النص القانوني ليس معيبا ولا يوجد داع للمطالبة بتعديله، ما دام أعطى للمرأة الاختيار بين استضافة ضرتها أو رفضها. ويعتقد المحامي والقاضي السابق أنه ما دام من حق أي سيدة رفض السكن مع ضرتها الجديدة، فإن الحياة الأسرية لن تتعرض لمخاطر بمثل هذا النص. وحول ما يثيره البعض من أن المشرع تجاهل العرف المحلي الذي يمنع سكن «الضراير» في بيت واحد، يقول الهاجري: لا يوجد عرف مستقر في هذا المجال. بعضهن يرفض والبعض يقبل.