واحة النفس

alarab
منوعات 10 مارس 2012 , 12:00ص
إعداد: الدكتور العربي عطاء الله
سيكولوجية الاستبداد إن هذا المرض الاجتماعي يسري إلى كافة أطراف المجتمع ومرافقه وقطاعاته، ويتغلغل تأثيره إلى أعماق النفوس فيطبعها بالعجز والسلبية والأنانية والنفاق. وربما كان الاستبداد واحدا من الأعراض الخطيرة التي ينتجها هذا المرض الاجتماعي القاتل.. والحقيقة أنه كثيرا ما نخطئ حين نعتقد أن الاستبداد إنما ينحصر فقط في الميدان السياسي، في حين تبقى بقية الميادين الاجتماعية الأخرى بمنأى عن أن يصيبها فيروس هذا الداء الخطير، ولربما كان هذا الاعتقاد ناشئا من الاهتمام الكبير بهذه القضية في جانبها السياسي لأنها كانت الأبرز والأظهر فيما أصاب حياتنا الاجتماعية من آفات ومشكلات. إن أبرز مظاهر الاستبداد تلك الصورة التي يظهر بها حاكم أو مسؤول مستأثر برأيه، مستبد به، يفرض على الناس ما يشاء، ويملي عليهم فعل ما يريد، ويتوسل إلى ذلك بإقصاء مخالفيه وقمع آراء المباينين له في الفكر والمنهج.. ولكن الحقيقة أيضا أن هذا ليس هو المظهر الوحيد أو الصورة الوحيدة للاستبداد. فالاستبداد مرض عام يصيب عمق المجتمع ويطبع نفوس الأفراد وروح الجماعة، بحيث لا نعدم أن نجد آثاره واضحة متبدية على قطاعات المجتمع ونظمه العامة كلها. فعلى صعيد الأسرة مثلا، يتبدى الاستبداد واضحا في صورة الأب القاسي الذي يضرب أولاده بعنف ويقمع رأي زوجته بشدة، ويملي توجيهاته وآراءه على أفراد أسرته حتى وإن كانت خاطئة، ولا يترك لأي من أفرادها فرصة التصرف في حياته حسب وجهته وتفكيره بما يتيح له أن يكتسب الخبرة من تجارب الحياة، مما أدى في كثير من الأحيان إلى ظهور شباب لا رأي لهم ولا موقف، ولا يكادون يستطيعون اتخاذ أي موقف مستقل مهما كان بسيطا، إلا بالرجوع إلى آبائهم. وعلى الصعيد التربوي؛ يتمثل الاستبداد فيما تمارسه كثيرٌ من المؤسسات التربوية من انتقائية في المادة العلمية التي تُقدم للمربين، تفضي إلى لون من الحجر الفكري يُضرب على عقول الناشئة، فتُحرم من حقها الطبيعي في حرية الاطلاع على مختلف المعطيات المعرفية مع التوجيه السديد في ذلك، كما تمارس كثير من المؤسسات التربوية أيضا منهج التلقين والحشو الذي تصادر فيه حرية التعليق وإبداء الرأي فيما يُعرض من مادة التعليم، وليس ذلك كله خاصا بمرحلة تربوية معينة، أو بفئة من الفئات مخصوصة، بل هو ظاهرة تكاد تكون عامة. وقس على ذلك بقية المرافق الاجتماعية والحياتية المختلفة، حيث يمكننا أن نتقصى فيها مظاهر الاستبداد ونتبين المدى الواسع والتغلغل العميق الذي بلغته في حياتنا. إن الاستبداد في كل مظاهره، ما عرفنا منها وما لم نعرف، ليس في الحقيقة إلا تعبيرا عن ضعف نفسي، يجعل صاحبه غير قادر على تحقيق رغباته بالطريق المشروع، ولا يستطيع إقناع غيره برأيه الذي يملك عليه كيانه، نتيجة غياب الحجج القوية والأدلة المقنعة، فيتجه إلى طريقة القوة يفرض بها على غيره اتباع رأيه والخضوع لرغباته ونزواته. ومما زاد هذه الظاهرة استفحالا ما وجدته من أرضية ممهدة، تميزت بالشلل الثقافي والفكري العام، والتردي الحضاري الذي طبع حياتنا الخاصة والعامة على سواء. وهكذا، فالاستبداد -كما قلنا- لا يظهر في مظهر واحد فقط، وإنما هو نتيجة للتخلف الحضاري والثقافي الذي يطبع حياة المجتمع ويصبغ مرافقه بآثاره، كما أن الاستبداد ليس في الحقيقة إلا تعبيرا عن ضعف نفسي يعجز صاحبه معه عن إقناع غيره برأيه، مما يجعله يتحول -إن وجد الطريق- إلى فرضه بالعنف والقوة، أو بطرق أخرى غير طبيعية. إن علينا أن نحارب الاستبداد في نفوسنا أولا، قبل أن نحاول محاربته في واقعنا، فما واقعنا إلا نضح لما بنفوسنا، ويوم أن تتحرر نفوسنا من جراثيم الاستبداد والاستئثار بالرأي والاعتداد به إلى درجة العبادة.. يومها نجد واقعنا قد تشكل من شكل جديد، وأصبح واقعا آخر غير هذا الذي نكتوي بناره اليوم، وليكن شعارنا في الحياة «الرأي والرأي الآخر». ابنتي ضعيفة الشخصية السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ابنتي تبلغ من العمر ست سنوات، هي الآن في الصف الأول الابتدائي، ومتفوقة في الدراسة، ولكن أعاني منها في مشكلتين: الأولى: أنها ضعيفة الشخصية، بمعنى أنها في وجود أطفال آخرين معها تكون تابعةً لهم، تفعل ما يملونه عليها من دون أن تبدي أي رأي لها. الثانية: أنها أحياناً تجلس منفردة وتغطي نفسها، ومن تحت الغطاء تخلع ملابسها الداخلية، وواجهتها مرة وهددتها بالعقاب إذا تكرر هذا الفعل. ولكنها كررتها مرةً أخرى، وتظاهرت بأني لم أرها؛ لأني لا أعرف ما هو التصرف السليم في مثل هذه الحالة، أفيدونا وجزاكم الله عنا خير الجزاء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أخوكم/ أبومحمد. الإجابة: أخي الفاضل/ أبومحمد حفظك الله ورعاك السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد، اعلم أن الأسرة لها أهمية بالغة في تكوين الشخصية، وقد أولاها الإسلام العناية التي تستحقها، وأنا أقولها لك لا داعي للقلق بالنسبة لشخصية ابنتك، فهذا ليس ضعفا في الشخصية وإنما هو تواكل، حيث يتغير بتغير وتطور السن، وهنا لا يكون للطفل رأي أو تصرف نحو أي عمل، بل ينتظر من غيره أن ينجز له العمل أو يملي عليه أي عمل كان، وهناك من يكون له الخضوع التام للآخرين، وهذا يؤدي به إلى سلوك لا اجتماعي، وفي هذه الحالة تحتاج ابنتك إلى بعض التوجيهات والكلمات الطيبة التي توضح لها الخطأ من الصواب دون استعمال العصبية والغضب. أما بالنسبة للمشكلة الثانية: فإن البنت قبل سن العاشرة تكون لها رغبة جنسية في ممارسة العادة السرية، والعبث بالأعضاء التناسلية ابتغاء الاستمتاع، وهذا ما دلت عليه الدراسات المتخصصة في ذلك، لهذا لا بد من التفريق بين الأولاد والبنات، وهنا يكون دورك كأب وفي الوقت نفسه كمرب، حيث يجب عليك أن تقوم بما يلي: 1- تقوية صلة البنت بالله تعالى، وتذكيرها برقابته عليها، وأنه لا تخفى عليه خافية. 2- تعلمها الحياء من الله ومن الملائكة الذين لا يفارقونها. 3- حاول أن تكون لها صديقات من أسر ملتزمة بمنهج إسلامي في التربية. 4- حاول أن تشغلها بما يفيدها ولا تتركها تجلس وحدها، وفي الوقت نفسه تشتغل طاقتها العقلية والجسمية. 5- يجب أن تلعب وتخالط زميلاتها ولا تتركها تنفرد وحدها. واعلم يا أخي أنه متى ظهر خلق جميل وفعل محمود من ابنتك فينبغي أن تكرمها وتجازيها وتمدحها، وإن خالفت ذلك في بعض الأحوال فحاول أن تعاتبها سراً وليس أمام الجميع، ولا تكثر عليها العتاب؛ لأن ذلك يهون عليها سماع الملامة، وفقك الله وسدد خطاك. القوي الأمين يظن كثير من الناس أن وضعه الحالي جيد ومقبول أو أنه ليس الأسوأ على كل حال، وبعضهم يعتقد أن ظروفه سيئة وإمكاناته محدودة، ولذلك فإن ما هو فيه لا يمكن تغييره، والحقيقة أن المرء حين يتطلع إلى التفوق على ذاته والتغلب على الصعاب من أمامه سوف يجد أن إمكانات التحسين أمامه مفتوحة مهما كانت ظروفه. ونرى كثيرا منهم لا يفرق بين منزلة الإنسان عند الله، التي معيارها التقوى، وصلاحية هذا الإنسان لتولي زمام القيادة والقيام بمهمة التغيير، فليس كل صالح قويا. إننا نريد المؤمن الفعال، لا المؤمن العاجز السلبي، ذلك أن مهمة النهوض بهذه الأمة من غفلتها الحالية مهمة شاقة وعسيرة لا يقدر على القيام بها إنسان عاجز ضعيف الشخصية، قليل القدرات والمهارات حتى ولو كان على قدر كبير من الصلاح والتقوى. ولذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يقول في أبي ذر رضي الله عنه: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر»، ومع ذلك يمنعه النبي صلى الله عليه وسلم من تولي الإمارة، ويقول له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، فلا تولين إمرة اثنتين». حين يشعر الإنسان بجسامة الأمانة المنوطة به، تنفتح له آفاق لا حدود لها للمبادرة للقيام بشيء ما، يجب أن يضع نصب عينيه اللحظة التي سيقف فيها بين يدي الله عز وجل فيسأله عما كان منه، إن علينا أن نوقن أن التقزم الذي نراه اليوم في كثير من الناس ما هو إلا وليد تبلد الإحساس بالمسؤولية عن أي شيء. إن أراد الإنسان أن يعيش وفق مبادئه، وأراد إلى جانب ذلك أن يحقق مصالحه إلى الحد الأقصى، فإنه بذلك يحاول الجمع بين نقيضين، إنه مضطر في كثير من الأحيان أن يضحي بأحدهما حتى يستقيم له أمر الآخر، وقد أثبتت المبادئ عبر التاريخ أنها قادرة على الانتصار تارة تلو الأخرى، وأن الذي يخسر مبادئه يخسر ذاته، ومن خسر ذاته لا يصح أن يقال إنه كسب بعد ذلك أي شيء. إن قطرات الماء حين تتراكم تشكل في النهاية بحراً، كما تشكل ذرات الرمل جبلاً، كذلك الأعمال الطيبة فإنها حين تتراكم تجعل الإنسان رجلا عظيماً، وقد أثبتت التجربة أن أفضل السبل لصقل شخصية المرء هو التزامه بعادات وسلوكيات محددة صغيرة، كأن يقطع على نفسه أن يقرأ في اليوم جزءا من القرآن أو يمشي نصف ساعة مهما كانت الظروف والأجواء، ليكن الالتزام ضمن الطاقة وليكن صارماً فإن (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل). لذلك نقول: إننا إذا كنا نريد لهذه الأمة أن تنهض من جديد لا بد أن نعمل على بناء المؤمن القوي الأمين الفعال، هذا النموذج الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف». نريد القوي الناجح في حياته، المتفوق في عمله، الذي يأبى أن يعيش عيشة الكسل والخمول، ويأبى أن تمر أيام حياته ولياليها دون أن يزيد شيئا على هذه الدنيا، كما يقول أديب الإسلام مصطفى صادق الرافعي رحمه الله تعالى: «فإنك إن لم تزد شيئا على الدنيا كنت أنت زائدا عليها».