الأمة الإسلامية سئمت المناهج الوضعية واتبعت الأئمة المجددين
قطر اليوم
10 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال فضيلة الشيخ الدكتور محمد يسري إبراهيم إن الأمة الإسلامية سئمت من المناهج الوضعية واتبعت العلماء الربانيين المجددين ومنهم الإمام محمد بن عبدالوهاب الذي أطلق دعوة التوحيد حتى تأسست عليها دول وكيانات، وحرر الله بها العباد، وبيَّن في خطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن استلهام القدوة والبحث عن الأسوة مطلب كل مسلم يطلب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، ودعا بالنصر للشعب السوري.
ونوَّه الدكتور يسري إلى أن الله تعالى اختار بقعة مباركة ليكون عليها مسجد مبارك بإذن الله، وشاء الله أن يكون هذا المسجد الجامع باسم الإمام المجدد محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، وقال إن الله تعالى بعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم في غربة من الدين يدعو إلى الله، وفتح الله عليه حتى دخلت العرب والعجم بدين الله، ومكن الله لدينه فدخل الناس فيه أفواجا، وقال تعالى: «إذا جاء نصر الله والفتح، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا»، وانتشر الإسلام في طول البلاد وعرضها، وصدق الشاعر هاشم الرفاعي الذي قال:
«ملكنا هذه الدنيا قرونا
وأخضعها جدود خالدونا
وسطرنا صحائف من ضياء
فما نسى الزمان ولا نسينا».
وصدق القائل:
«كنا جبالا في الجبال وربما
سرنا على موج البحار بحارا
ندعو جهارا لا إله سوى الذي
خلق الوجود وقدر الأقدارا
ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا
نرجو ثوابك مغنما وجوارا
كنا نري الأصنام من ذهب
فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا».
هذه عقيدتنا وشريعتنا وخيريتنا التي شهد لها القاصي والداني. ولكن قضت سنة الله في مداولة الأيام بين الناس، قال تعالى: «وتلك الأيام نداولها بين الناس»، لقد تسرب الخوف والضعف والطمع إلى نفوس أبناء المسلمين وامتد إلى الجوارح، غابت السيادة وتشتتت الأمة وابتعد الناس عن دينهم وغرتهم الدنيا، وصار الدين غريبا، قال صلى الله عليه وسلم: «بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيباً، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيباً، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، وصدق القائل:
«وما فتئ الزمان يدور حتى
مضى بالمجد قوم آخرونا
وأصبح لا يرى في الركب قومي
وقد عاشوا أئمته سنينا
وآلمني وآلم كل حر
سؤال الدهر أين المسلمونا؟».
وكذلك قول الشاعر:
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد
تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ويح العروبة كان الكون مسرحها
فأصبحت تتوارى في زواياه».
وبيَّن يسري أن العلماء المجددون من أبناء المسلمين لما رأوا ذلك الضعف بأمة الإسلام طفقوا يدعون إلى الله، وانطلقت دعوة التوحيد والإمام محمد بن عبدالوهاب فحرر الله بها العباد، منوها إلى الناس سئموا من المذاهب الأرضية الوضعية والدعوات العرقية واتجهوا إلى الإسلام، وراح المصلحون يرفعون راية «لا إله إلا الله»، لتؤسس عليها دول وكيانات، وقد صدع الإمام المجدد بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة»، وعادت الأمة لتأخذ بريادتها من جديد، ليس بقومية ولا عرقية، ولكن بدعوة الإسلام، وصدق القائل:
« أبي الإسلام لا أبا لي سواه
إذا انتسبوا لقيس أو تميم»
إنها قيادة الربانيين الذين تقودهم كلمة التوحيد، قال تعالى: «أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ، قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ»، هم القادة العباد الزهاد ما لانت لهم قناة، ولم تنل منهم مغريات الدنيا، وقاوموا الفتن حتى نصرهم الله ونصر بهم السنة.
وأوضح يسري أن الله تعالى أعز الدين بالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، فخرج وجه الإسلام مشرقا وضيئا، والتفت الأمة حول العلماء، ولما وقف العز بن عبدالسلام (رحمه الله) وقفت الأمة خلفه، ولما توفي خرجت له الأمة خلف نعشه، تلك سنة الله في أمة محمد عليه السلام، تسعى لمؤازرة الأئمة والأمراء الصالحين مسترشدين بوعد الله للذين آمنوا: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ».
وقال يسري إن الله تعالى ينصر رسله والذين آمنوا، وقد قال تعالى: «إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ»، وقال: «وَكَانَ حَقاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ»، مبينا أن الله تعالى يحقق النصر على أيدي الأمراء والسلاطين الصالحين، وقد قال عليه السلام: «إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن»، وبذلك يحصل العز والنصر والتمكين للدين، وهو ما يمكن أن يلمح من دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، غير أن هذا السعي المبارك لا بد له من التوكل على الله حق التوكل، مع النظر بالأسباب المادية، وهذا ما فعله موسى عليه السلام مع قومه: «وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ»، والمؤمنون الصادقون لا يخافون إلا الله مهما جمع لهم العدو، فهم واثقون بربهم، قال تعالى: «الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ، الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».
وبيَّن يسري أن الدعوات تنجح بتمثل التوحيد ومؤازرة أهل الفضل والاعتصام بالله والاستمساك بكتابه وسنة نبيه، قال تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا» وقال: «وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ».. وحذر الله تعالى من الفرقة والتنازع لأنه سبب للفشل فقال: «وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»، مشيراً إلى أن الفتن تعصف بالأمة اليوم، والعالم يموج بفتن كقطع الليل المظلم، والمسلمون مدعوون للمبادرة بالعمل الصالح والالتفاف حول المنهج الحق، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِنا وَيُمْسِي كَافِراً. أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً. يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدّنْيَا».
ودعا يسري رب السموات والأرض لينصر الشعب السوري على النظام الجائر، وأن يحقق دعوات المسلمين بتحقيق النصر والتمكين لدين الله بنصرة أهل الحق المؤمنين.
والشيخ الدكتور محمد يسري إبراهيم من مواليد القاهرة بجمهورية مصر العربية، حاصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الشريعة الإسلامية، كما حصل على جائزة الأمير نايف العالمية للدراسات الإسلامية، ويشغل الشيخ العديد من المناصب العلمية المرموقة، منها: نائب رئيس الجامعة وعضو مجلس أمناء الجامعة الأميركية المفتوحة في واشنطن، نائب رئيس مجلس إدارة معهد تاجان الأزهري للغات، عضو الهيئة العليا ورئيس اللجنة العملية لرابطة العلماء المسلمين بالكويت، عضو مؤسس في الهيئة العالمية للتعريف بالإسلام برابطة العالم الإسلامي، رئيس مجلس إدارة دار اليسر للبحوث العلمية والدراسات وإعداد المناهج بالقاهرة، كما يعمل مستشارا للعديد من الجهات والمؤسسات الدعوية والخيرية. للشيخ العديد من المؤلفات يربو عددها على 39 مؤلفا، في العقيدة والحديث وشتى العلوم الشرعية، ومنها الجامع في شرح الأربعين النووية، طريق الهداية.. مبادئ ومقدمات، وعلم التوحيد عند أهل السنة والجماعة، والمبتدعة وموقف أهل السنة منهم.