هوس النحافة يجتاح الفتيات.. وأخصائيات يؤكدن: العلاج في أيدي الأمهات
تحقيقات
10 يناير 2013 , 12:00ص
الدوحة - رانيا غانم
تعتبر شروق أن ذهابها لشراء ملابس جديدة هو أسوأ لحظات حياتها، فهي ترى نفسها ممتلئة الجسم للغاية رغم أن عدد كيلوجرامات وزنها لا يزيد على الخمسين، لكنها تعتقد أنه طالما كانت هناك ملابس في المتجر لا تناسبها فالعيب فيها وفي جسمها.. المشكلة الأكبر تعيشها والدة الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً مع ابنتها في محاولات دؤبة لإقناعها بأن وزنها وجسمها طبيعي وليست في حاجة إلى اتباع حميات قاسية ليقل وزنها أكثر وأكثر «تعبت كثيرا مع ابنتي فهي ترى نفسها بدينة وهي في الواقع ليست كذلك، وسبب لها هذا ما يشبه العقدة، ومهما حاولت الحديث معها في هذا وإقناعها أن جسمها مثالي لا تصدقني، فهي تنظر لزميلاتها ولنجمات السينما وفتيات الإعلانات والمطربات على أنهن المثل الأعلى في الرشاقة، وتجلس أمام التلفزيون لتحملق في رشاقة المطربة فلانة وجسم الممثلة تلك متمنية أن تصبح مثلهن، ودائماً ما تكرر على سؤال هل أنا سمينة، ودائما أيضاً ما أجيبها بالنفي لكن دون فائدة، والأسوأ أنها أحيانا تسألني عن إمكانية القيام بإجراء جراحة شفط الدهون! لا أعرف كيف أتصرف لدرجة أنني أفكر أحيانا في عرضها على طبيب نفسي ربما استطاع أن يخلصها من هذا».
ويبدو أن هوس الفتيات بالنحافة مشكلة كبيرة تعاني منها الكثيرات، لكن تختلف وسائلهن للوصول إلى تلك النحافة، فبعضها وسائل مقبولة وغالبيتها غير صحية ربما تؤدي للكثير من المشكلات التي تؤثر على صحتهن حاليا ومستقبلا.
يارا، الطالبة بالصف الثالث الإعدادي، واحدة من هؤلاء الفتيات، تقول والدتها إنها تمتنع تماما عن تناول وجبة الإفطار معتقدة بأن هذا سيقلل من وزنها، كما لا تتناول الطعام الذي تعده لها والدتها في المدرسة، فهي تستبدل غالبية وجبات الطعام المعتاد بالحلوى التي تفضلها ويمنعها عنها النظام الغذائي الذي وضعته لنفسها وتعتقد أنه سيفيدها «أعاني كثيرا مع ابنتي ومع رغبتها في إنقاص وزنها، فهي تبدو ممتلئة بعض الشيء في منطقة الأرداف لكنه في النسبة المعقولة والمألوفة وربما يعود هذا إلى عوامل وراثية في عائلتنا، ولأنها تحب الحلويات والشوكولاتة، وفي الوقت نفس تريد الاحتفاظ بعدد سعرات غذائية محدد في اليوم فهي مثلا ترفض تناول الإفطار أو العشاء وتقول إنه ستستبدله بقطعة شوكلاتة أو بكيس مقرمشات بالسعرات الغذائية نفسها الذي كان من المفترض تناولها في الوجبة المعتادة، ولهذا أصبح طعامها يفتقد إلى الكثير من العناصر الغذائية المهمة مثل الأرز والمكرونة وكثير من الخضروات والفاكهة، وحاولت كثيرا التحدث معها في خطورة هذا وقرأت لها مقالات لأطباء تتحدث عن أهمية وجبة الإفطار وضرورة أن يشمل الطعام اليومي كافة العناصر الغذائية لكن كل ذلك كان دون جدوى، فلديها هدف واحد أسمى وهو تخفيف وزنها وتصر على الوصول إليه بأي وسيلة كانت، وأنا أخشى عليها كثيرا، ولا أعرف كيف أتصرف معها».
منافسات ضارية
وتتنافس الفتيات فيما بينهن في تخفيض أوزانهن، وليست للوسيلة هنا أهمية مهما كانت، المهم هو النتيجة النهائية ومن ستنقص أسرع كيلوجرامات أكثر، كما تفعل ضوى وصديقاتها طالبات الصف الأول الثانوي «لكي نشجع بعضنا البعض على إنقاص الوزن اتفقنا على أن نفعل هذا بشكل جماعي فيما يشبه المسابقة، والأفضل هي من تفقد وزنا عن الأخريات في وقت أقل، وبالفعل منذ بدأنا هذا ونحن ننقص الكثير من أوزاننا، حتى الآن لم ننتهِ من المهلة الزمنية التي حددناها بشهر مارس المقبل، لكنا نحقق نتائج طيبة». سألنا ضوى عن أسباب دخول هذه المنافسة بالنسبة لها –وهي تبدو بالفعل نحيفة- ولزميلاتها التي تراوح أوزانهن من 38 إلى 45 كيلوجراما حسبما أوضحت لنا فقالت «لا، وزني الحالي ليس هو الوزن الذي أتمناه، فانا لا زلت أزيد عن الوزن الذي أرغب في الوصول إليه بحوالي ثلاثة كيلوجرامات، فأنا أريد أن أكون بنحافة أجسام عارضات الأزياء، وأن يكون جسمي صالحاً لارتداء أي ملابس أريدها، فكثيرا ما أدخل بعض المحلات وأجد ملابس تصلح فقط للنحيفات جدا، ويحدث هذا كثيرا سواء في متاجر الدوحة هنا أو في الخارج عندما نذهب للشراء من أوروبا إذا سافرنا إليها في الصيف أو العيد، فالمقاسات تكون وايد صغيرة، ولا تسمح لأجسامنا المعتادة بارتدائها».
سألنا صديقتها سلوى، والتي تنضم هي الأخرى لمنافسة تنزيل الوزن التي تحدثت عنها ضوى، عن الوسائل التي يلجأن إليها للوصول إلى مبتغاهن فقالت «كل واحدة منا لها الحرية في اختيار الوسيلة، والمهم في النهاية هو وصولها إلى الوزن الذي تريده، بعضنا تكتفي بحمية غذائية تعتمد على تقليل الطعام في الوجبات والابتعاد عن أكل المطاعم والحلوى والدهون وغيرها من الأشياء التي تزيد الوزن، وأخريات يلجأن للوصفات الموجودة على الإنترنت وهي كثيرة للغاية لكن عن نفسي لا أثق فيها». وتشير الفتاة إلى لجوء بعض زميلاتها إلى استخدام عقاقير لغلق الشهية وتخفيض الوزن، «فالكل يقول إنها مجربة وإنها تنزل الوزن حتى عشرة كيلوجرامات في الشهر لكنني لا أثق في كل هذا، خاصة ما يقال عن الرجيم الكيمائي، وأمثاله، أو وصفات الأعشاب التي يتحدثون عنها، فأنا أسمع كثيرا عن الآثار السيئة لها، أما الوصفات الخاصة بإضافة أنواع معينة من العصائر أو أصناف الفاكهة وغيرها مع بعضها البعض أو تناولها في أوقات محددة فلا مانع لدي من تجربتها طالما لا تضر وليس لها أثار جانبية».
وزن مثالي
ديما، ذات السبعة عشر عاماً، تأمل أن يصل وزنها إلى الأربعينات فهي طويلة، الأمر الذي يعني أن وزنها لا بد أن يكون أكبر من قريناتها الأقل طولا، لكنها تتمنى أن ينقص وزنها حوالي سبعة كيلوجرامات عما هي عليه الآن «لأكون متناسقة القوام، فأنا أحلم بأن يكون وزني مثاليا، وأتمنى ألا يزيد أبداً حتى بعد الزواج، ووالدتي كذلك فجسمها لا زال نحيفا وجميلا رغم إنجابها لخمسة أبناء، وأنا أرى طعامها متوازنا ولا يوجد شيء لا تتناوله لكن بكميات معقولة، لكن الفارق بيني وبين والدتي أنها لا تحب الحلوى بينما أنا مدمنة للأيس كريم والشوكولاتة وكل ما هو مثلج حتى في أقسى أوقات البرد، لكنني مع هذا أحاول وبمساعدة والدتي التغلب على هذا وتناول الطعام الصحي، ووالدتي تساعدني وتساعد الأسرة كلها على هذا وتطهو طعاماً صحياً للبيت كله، كما تمدنا بالكثير من المعلومات عن الطعام الصحي». وترى الفتاة أن كثيراً من زميلاتها لديهن معلومات مغلوطة عن الدايت، وأن كل ما يفكرن فيه هو النحافة بغض النظر عن الطريقة التي يصلن بها إلى مبتغاهن «الحمد لله أنه رزقني بوالدة متفتحة العقل ولها الكثير من القراءات والاطلاع عبر المواقع المتخصصة على الإنترنت ومتابعة البرامج الصحية وبرامج التغذية والصحة رغم أن هذا بعيد جدا عن تخصصها الأكاديمي والمهني، لكنها تريد الأفضل لعائلتها، لذا هي توجهنا في الاتجاه الصحيح، وأحزن حينما أجد صديقات لي يقمن بممارسات خاطئة أو يتبعن حميات مضرة أو يلجأن إلى وصفات مضرة من الأعشاب أو الأدوية والحبوب التي يقال إنها تنحف ولها الكثير من الإعلانات على شاشات التلفزيون، فغالبية هذه الأشياء ضارة خاصة إذا تم تناولها دون استشارة الطبيب، وعن نفسي أرى أن ضبط الطعام ونوعيته وممارسة الرياضة هي الأفضل للوصول إلى ما نريد».
الركن المفضل
يعد قسم أطعمة الدايت هو الركن المفضل للمياسة (17 سنة) عند زيارتها بصحبة أحد والديها إلى السوبر ماركت «أفضل أن أذهب بنفسي إلى المتجر لشراء الأطعمة الخاصة بالدايت التي أريدها، صحيح في كل الأقسام كالألبان والأيس كريم والمخبوزات 4 هناك ما يصلح لمن يقوم بحمية، لكن هناك أيضا أقسام خاصة بالحمية بها أنواع مختلفة من الحلوى والبسكويت وحتى الشوكولاتة والحليب المجفف والمربى وكل شيء مخصص لمن يتبع حمية، وأنا أفضل الشراء من هذه الأقسام، فأنا أحب الحلوى وأخشى من ارتفاع وزني، لذا أتناول هذا الطعام رغم أنه أيضاً يحتوي على سعرات ليست بالقليلة لكنه في كل الأحوال أفضل من الأنواع الأخرى».
البداية من البيت
وتؤكد سارة ياسين أخصائية التغذية أن للأم دورا مهما جدا في توجيه ابنتها نحو الطعام الصحي، أو في تصدير حالة الهلع من زيادة الوزن إليها، «فالأم هي مثلها الأعلى، فإذا كانت الأم لديها مشاكل في الوزن فمن المهم ألا يرى أبناؤها وهم صغار أنها منزعجة من هذا وأنها تختار الأكل بدقة، أو تقول أمامهم إنها لا تأكل هذا، ولا تأكل ذاك، وإذا كانت الأم حريصة بشكل كبير على جسمها، فهي تؤثر كثيرا على أولادها، وربما أصابهم هذا بأمراض نفسية بسبب هذا الشيء، فمنذ صغرهم ستكون لديهم مفاهيم بتجنب أنواع من الطعام التي تجنبتها والدتهم، فيكون الأبناء فيما بعد لديهم أمراض نفسية ويصبحون ضعافاً كثيراً، أو لديهم مرض البوليميا أي يأكلون ثم يقومون بتقيؤ ما تناولوه، وهو أمر منتشر كثيرا بين المراهقات، لذا نقوم بالكثير من المحاضرات في المدارس حول هذا الموضوع. وأهم شيء إلا تقوم الأم بتجنب أنواع من الطعام أو التعامل معه بخشية وحذر أمام أبنائها، كما عليها أن تفسر لهم أن مفهوم الجسم الجميل والمتناسق ليس هو جسم السوبر ستار كما يعتقد الأبناء، وأنه بهذا الشكل، وربما يظل بلا أكل لأنه نجم ولا بد أن يظل هكذا، بينما أولادنا يعتقدون أنه أصبح نجما لأن جسمه نحيف، فنوضح لهم أن هذا ليس السبب الصحيح والحقيقي لنجوميتهم أو للمراكز التي وصل إليها بعض الأشخاص، لا بد من توعيتهم أننا ليس بوسعنا أن نكون مثل النجمات، وأن ما يرونه على أغلفة المجلات ليس كل الحقيقة، فليسوا كلهم أشخاص أصحاء، ومنهم المرضى الذين يدفعون ثمن نحافتهم تلك من صحتهم، وأن لديهم حياتهم التي تجعلهم يفعلون هذا. وكل هذه المفاهيم تتطلب تضافر الجهود من البيت والمدرسة والجامعة فيما بعد، وأن الجسم الصحي ليس الجسم النحيف جدا، وأن هناك نسبة معينة من الوزن يجب ألا ننزل أكثر منها حتى لا نكون أشخاص مرضى، وعلى الأم في البيت أن تساعد أولادها بقدر المستطاع على تحقيق هدفهم في الجسم المناسب لكن بطريقة صحية، فإذا تناول والديهم أمامهم الطعام الصحي فبالتأكيد سوف يقتنعون هم أيضاً به ويقبلون عليه، فلا يأكل الوالدان الخبز الأبيض ويطلبون من الأبناء تناول الخبز الأسمر، أو تكون الخزانة ممتلئة بالشوكولاتة والشيبسي ثم يطلبون منهم ألا يتناولوها، في حين تقوم الأم بتناولها في كل الأوقات، فهي يمكنها أن تأكل كمية قليلة لكن الأولاد لا يمكنهم أن يتصرفوا مثلها، فمن البداية عليها أن تتصرف بطريقة صحية وتعد الطعام الصحي وهم سيتعلمون منها ويصبح الالتزام بالطعام الصحي أمرا سهلا».
وتتابع اختصاصية التغذية «الأمر الآخر هو ألا نجعل الحلوى والشيكولاتة مكافآت لأبنائنا عند المذاكرة جيدا أو الالتزام بالتعليمات، فهي مكافآت غير صحية، ولا يجب أن تقدم في البيت ونتركها فقط لأكلها إذا كنا خارج المنزل في خروجة أو فسحة أو مشوار، أو رحلة، فهنا يمكن أن نأكل بعض الحلوى، لكن في البيت لا بد ألا يكون السناك من الحلوى والشيبسي وإنما من الخضروات والفاكهة».
سألنا اختصاصية التغذية سارة ياسين إن كان هناك نظام غذائي خاص بالمراهقات والمراهقين فأكدت أن النظام الغذائي الصحي واحد للجميع، «لا بد أن يحتوي على كل العناصر الغذائية لأنهم في فترات نمو فجسمهم يحتاج أكثر للبروتينات، والكالسيوم الذي يتناولوه في هذا العمر تخزنه أجسامهم للأعمار الكبيرة أكثر من الأفراد فوق الـ25 سنة، لذا فعلى الأم أن تركز أكثر في طعام المراهقين على مصادر البروتين والكالسيوم والحديد، ومصادر الحليب قليل الدسم».
وشددت الاختصاصية على أهمية وجبة الإفطار التي يتجاهلها الكثيرون معتقدين خطأ بأنهم بذلك يفقدون بعض السعرات، موضحة أنها لا بد أن تشمل العناصر الغذائية المتنوعة وأن تحتوي على الخبز الأسمر أو الكورن فليكس إلى جانب وجبة خفيفة للمدرسة، «ومن المهم أيضاً أن يعتادوا على تناول الحبوب مرتين أو ثلاثة في الأسبوع، بدلا من اللحوم، فهو طعام غني بالبروتينات وخالٍ من الدهون، فهو صحي أكثر من تناول اللحم كل يوم».