مناقشات منتدى الدوحة تتوّج الشراكات الخليجية الأفريقية الواعدة

alarab
محليات 09 ديسمبر 2025 , 01:23ص
هشام يس

اختتم منتدى الدوحة أعمال نسخته الثالثة والعشرين، بعد فعاليات متتالية حافلة بالجلسات الرفيعة المستوى والحوارات الإستراتيجية واللقاءات الثنائية والتدريبات العملية.  وشهد اليوم الأخير تنظيم جلسات خاصة يديرها الشركاء الدوليون، وفعاليات تعاون مشترك، وورش عمل متخصصة في فنون التفاوض، ليجسد بذلك كل الالتزامات والرؤى الإستراتيجية والأولويات المشتركة التي برزت طوال أيام المنتدى العالمي البارز.
وعزز اليوم الأخير مكانة منتدى الدوحة باعتباره المنصة العالمية الرائدة لتعزيز جسور الحوار البناء بين الدول والمنظمات والمؤسسات الفكرية، ولبناء الشراكات الإستراتيجية بعيداً عن الأضواء، بعد يومين مفتوحين شهدا جلسات عامة وخطابات سياسية ومشاركات واسعة من قادة العالم.

معظم عمل حل النزاعات يتم مع الجهات غير الحكومية

انعقد منتدى قطر للوساطة بالتوازي مع فعاليات أمس، حيث جمع نخبة رفيعة المستوى من الوسطاء وصنّاع السياسات والقادة المؤسسين، الذين تناولوا التحولات البنيوية التي تعيد تشكيل مسارات السلام حول العالم. وناقشت الجلسات تراجع الثقة في القواعد الدولية، وضعف المؤسسات، والتعقيدات المتزايدة التي تكتنف النزاعات في مناطق تشمل السودان وغزة وسوريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
وعلّق سعادة الدكتور ماجد بن محمد الأنصاري، مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية، على أهمية إشراك الجهات الفاعلة غير الحكومية في جهود الوساطة، قائلاً: «معظم العمل المتعلق بحل النزاعات لا يتم مع الدول، بل مع الجهات الفاعلة غير الحكومية. ومع ذلك، فقد تقلصت قدرات المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية. ومن واجبنا تمكين هذه الوكالات والمنظمات غير الحكومية من المشاركة في عملية الوساطة».
وقال أليكس دي وال، المدير التنفيذي لمؤسسة السلام العالمي: «من المدهش أننا لا نتحدث اليوم عن السلام العالمي. كان هناك زمنٌ يتناول فيه القادة هذا الموضوع باستمرار - مهاتما غاندي وعبد الناصر  وكاوندا وهيلا سيلاسي، وغيرهم. أما القادة الذين يمتلكون القدرة على شنّ حرب عالمية، فقليلٌ منهم اليوم يتحدثون عن السلام. وكان آخر قائدٍ غربي يتحدث بشغف وإلحاح عن هذا الموضوع هو الرئيس جون كينيدي». وتطرّقت سعادة الدكتورة كومفورت إيرو، الرئيسة والمديرة التنفيذية لمجموعة الأزمات الدولية إلى المقاربة الأمريكية الجديدة المستوحاة من «فنّ إبرام الصفقات» لدى الرئيس دونالد ترامب، وما قد يفتحه ذلك من مسارات تفاوضية مختلفة، قائلة: «الطريق إلى السلام ليس سهلاً، لكننا لن نقلّل من قيمة الوساطة أو نتخلى عنها. الوصول إلى السلام يتطلّب القيام بالأمور بطريقة مختلفة والتفكير بشكل مختلف. الأساليب غير التقليدية لا ينبغي الاستخفاف بها. ومهما وجّهنا النقد إلى بعض المقاربات، إذا تمكنت من إسكات صوت البنادق، فنحن سنقبل بها».

مها الكواري: التفاوض ليس مجرد آلية بل هو عقلية

قالت السيدة مها الكواري، المدير العام لمنتدى الدوحة خلال النسخة الثانية من يوم الدوحة العالمي للتفاوض: «أظهر يوم الدوحة العالمي للتفاوض مرة أخرى لماذا يظل التفاوض أحد أقوى أدواتنا في عالم يزداد تعقيدًا وتشظّيًا. وكما سمعنا، بداية من الدبلوماسية الوقائية وحتى بناء السلام، التفاوض ليس مجرد آلية، بل هو عقلية».
ونُظم «يوم الدوحة» خلال فعاليات المنتدى، ونظم الفعالية معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث (يونيتار) بالشراكة الإستراتيجية مع منتدى الدوحة، تحت شعار «التفاوض من أجل السلام في عالم مجزأ».
واختُتمت الفعالية بتقديم جائزة الدوحة لأفضل مُفاوِض للعام، والتي مُنحت إلى سعادة السيدة ماليبونا بريشوس ماتسوسو، القيادية بقطاع الصحة في جمهورية جنوب أفريقيا، تقديراً لجهودها البارزة في الدبلوماسية الدولية وإقرار اتفاقية الجائحة. 
وتُعد ماتسوسو إحدى أبرز القيادات الصحية في جنوب أفريقيا، والمديرة العامة السابقة لوزارة الصحة الوطنية، وشخصية محورية في حوكمة الصحة العالمية، إذ تتولى حاليًا الرئاسة المشتركة لهيئة التفاوض الحكومية الدولية، والمكلفة بالتفاوض من أجل إقرار اتفاقية الجائحة التابعة لمنظمة الصحة العالمية. وبفضل قيادتها، تمكنت الهيئة من تطوير وصياغة النص النهائي لاتفاقية الجائحة، وتعزيز التوافق بين الدول الأعضاء، وضمان بقاء مبادئ الإنصاف والتضامن والمسؤولية المشتركة في صميم العملية التفاوضية.
وقالت سعادة السيدة ماريا فرناندا إسبينوزا، الرئيسة السابقة للجمعية العامة للأمم المتحدة ووزيرة الخارجية والدفاع السابقة في الإكوادور: «في عالم مجزأ، في عالم مستقطب، يجب أن يكون السلام نتيجة للتفاوض، وليس افتراضًا قائمًا. ويجب أن تصبح الدبلوماسية الوقائية خيارنا الأول، لا ملاذنا الأخير».

ازدهار بين دول الخليج والقارة السمراء

سلطت المشاركات التي قادها الشركاء الضوء على النمو الذي تشهده العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين مناطق العالم. وجمع حوار التعاون بين أفريقيا ودول الخليج، الذي نظمته شركة تشويسيول، قادة من المنطقتين لتعزيز التعاون في مجالات الاستثمار والتواصل والتنمية المستدامة والتنسيق بشأن الأوضاع الجيوسياسية.
وعبرت كارول كاريوكي، المديرة التنفيذية لتحالف القطاع الخاص الكيني، عن تطلعها لتعزيز التعاون الخليجي- الأفريقي، قائلةً: «يتسم السكان في أفريقيا بكثافة سكانية عالية، ويغلب على هرمها السكاني الشباب، وتحقق معدلات نمو سريعة، ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة للسكان في العالم 2024، من المتوقع أن يرتفع عدد سكان أفريقيا من حوالي 1.5 مليار نسمة في عام 2025 إلى 1.9 مليار نسمة في عام 2035. وتبلغ فاتورة استيراد الغذاء في القارة الأفريقية حوالي 70 مليار دولار أمريكي سنويًا، بالرغم من تمتع القارة بإمكانات زراعية غير مستغلة، مما يخلق فرصة سوقية يقدر بنك التنمية الأفريقي قيمتها بتريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030».

الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي

تناولت جلسة الدفاع عن ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، الدور الحيوي للقادة الدينيين والجهات الفاعلة الدينية في الدفاع عن مبادئ ميثاق الأمم المتحدة في ظل تصاعد الصراعات والاستقطاب والأزمات الإنسانية. 
وتحدث الدكتور إدوارد كيسلر، مؤسس معهد وولف في المملكة المتحدة، عن أهمية إدراك التطرف في مجتمعاتنا.
وأيد الدكتور عمر سليمان، مؤسس معهد يقين للبحوث الإسلامية، هذا الرأي، قائلاً: «عندما يتعرض أي مجتمع للأذى، حتى لو كان من قبل مجتمعنا، فإننا ننهض، ونكون صادقين مع الألم الذي نشعر به، ولكن يمكننا أيضًا أن نكون شجعانًا ونتحدى الألم الذي يسببه لنا من يشاطرنا نفس الرأي».
واستقطب منتدى الدوحة في نسخته الثالثة والعشرين أكثر من 6,000 مشارك من أكثر من 150 دولة، تحت شعار: «ترسيخ العدالة: من الوعود إلى الواقع الملموس». وبدأت بالفعل التحضيرات للدورة المقبلة، حيث يُدعى المجتمع الدولي للالتئام مجــــــددًا في الدوحـــــــة عـــــام 2026، لمواصلة رسم المسارات نحو عالم أكثر عدلاً وسلامًا وتعاونًا.