صلاة الاستسقاء سنّة مؤكدة مهمة تحتاج إلى الإستقامة والتوبة الجماعية

alarab
تحقيقات 09 نوفمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - محمد سيد أحمد
طالب علماء ودعاة جميع المسلمين في دولة قطر بتلبية الدعوة والخروج لأداء صلاة الاستسقاء يوم غد الأحد استجابة لدعوة ولي أمر المسلمين، وإحياء لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، مثمنين تفاعل حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى مع المسلمين لإحياء سنة صلاة الاستسقاء التي انشغل عنها الكثير من الناس بإيقاع الحياة المادية. ودعا علماء ودعاة استطلعت «العرب» آراءهم إلى أن تصحب صلاة الاستسقاء بدعوة الجميع إلى التوبة النصوح وكثرة الاستغفار ورد المظالم إلى أهلها؛ لأن هذه الشروط تعتبر من أهم الوسائل لاستجابة الله سبحانه وتعالى لعباده إذا طلبوا منه أن يسقيهم الغيث، وحذر العلماء من انتشار المعاصي والذنوب لما يترتب عليها من مفاسد دينية ودنيوية ولما تسببه من بلاء أقله أن يحبس الله المطر الذي يرحم به الأرض ومن عليها من كائنات حية تشكو إلى الله ظلم بني آدم وذنوبهم، التي تتسبب بالحرمان من رحمة الله المتمثلة في المطر. وفي حديثهم لـ «العرب» عرّف بعض العلماء صلاة الاستسقاء وكيفيتها، والوقت المناسب لأدائها، ومكانتها في الإسلام معتبرين أنها سنة مؤكدة فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، ودأب المسلمون من بعدهم على فعلها كلما دعتهم الضرورة. الدكتور عبد السلام المجيدي يقول إن طلب السقيا يتحقق بتحقق 3 وسائل هي: الاستقامة، الاستغفار، تطبيق سنة الاستسقاء، وأضاف: صلاة الاستسقاء هي على اسمها، أي أنها طلب من الله سبحانه وتعالى بأن يسقي الناس وأن يغيثهم، وقد وعد الله عباده بأن يستجيب لهم وينزل عليهم الغيث عندما يلجئون إليه بالتوبة والاستغفار فقال: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ}، كما قال {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا}، وقال {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} وعلى هذا فإن الإنسان ينبغي أن يجتهد لطلب السقيا بثلاث وسائل، الوسيلة الأولى هي الاستقامة على منهج الله سبحانه وتعالى، الوسيلة الثانية كثرة الاستغفار والتضرع كما ورد في الآيات السابقة، الوسيلة الثالثة، هي تطبيق سنة الاستقاء بحيث يدعو ولي أمر المسلمين أو من ينوب عنه لأداء صلاة الاستسقاء ركعتين مع الدعاء، وقد نظم أحد العلماء كيفية صلاة الاستسقاء في أبيات معناها أن صلاة الاستسقاء تبدأ بدعوة ولي الأمر لها، وخروج الناس لأدائها، وهي ركعتان كصلاة العيد بعد أن يبادر الجميع إلى رد المظالم إلى أصحابها، ويكثروا من عمل البر والتوبة الصادقة والاستغفار والصيام، لأن المقصود هو خروج الإنسان متذللا متخشعاً متضرعاً لله سبحانه وتعالى الذي بيده مفاتيح كل شيء. وأشار المجيدي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج فاستسقى للناس بمجاز فأرسل الله السماء على الناس مدراراً، كما استسقى للناس من على منبره يوم الجمعة عندما جاءه رجل وذكر له الجهد والقحط الذي أصاب الناس، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن رفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، فنزل الماء أسبوعاً كاملا حتى جاء ذلك الرجل في الجمعة المقبلة وطلب منه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله أن يمسك عنهم المطر بعد أن أغاثهم، من هنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى هو المغيث وهو المحي والمميت وهو الذي يلجأ الإنسان إليه في أحلك الظروف، كما قال تعالى {أَمْ مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ}. ومن أعظم آداب الاستسقاء التوبة الصادقة وعدم المراوغة، وهذه التوبة ينبغي أن تظهر في كل مناحي الحياة، في المؤسسات وفي الاقتصاد وفي الإعلام وعلى مستوى الأفراد والجماعات، لأن التوبة تعتبر المفتاح الأول لنزول الرحمة، لأنه ما من مصيبة تحل بالعباد إلا بذنوب اقترفوها. قصة استسقاء رائعة ومن القصص المشهورة في الاستسقاء –يضيف الدكتور المجيدي- قصة المنذر بن سعيد البلوطي رحمه الله في الأندلس، حيث إن عبدالرحمن الناصر سلطان الأندلس في وقته طلب من المنذر بن سعيد أن يخرج بالناس للاستسقاء، فلما جاءه الرسول قال له المنذر عد إلى السلطان عبدالرحمن الناصر وانظر ماذا يفعل فرجع الرسول إلى السلطان فوجده ساجداً يدعو الله ويقول: اللهم لا تعذب عبادك بسببي، فرجع إلى المنذر بن سعيد وأخبره بحال السلطان فقال المنذر: «الآن نخرج للاستسقاء إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء» ثم خرج بالناس وبدأ خطبته بقوله «سلام عليكم.. سلام عليكم.. سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوء بجهالة ثم تاب من بعد ظلمه وأصلح فإنه غفور رحيم»، فهذه هي الآداب التي يبنغي على المسلمين التحلي بها قبل ذهابهم للاستسقاء. من الجميل مشاركة ولي الأمر للمسلمين في لحظة انكسارهم بدوره تقدم الدكتور الفرجابي بالشكر إلى ولي الأمر حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى على دعوته المسلمين لإحياء سنة الاستسقاء ورعايته لهذه الأمور الهامة، وأضاف: كلنا بحاجة إلى رحمة الرحيم ومغفرة الغفور سبحانه وتعالى، فالاستسقاء وطلب السقيا لا يكون إلا من الله القائل {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ}، ومن المفرح حقاً ومن الجميل أن يهتم ولي الأمر بهذا الأمر وأن يتقدم المسلمين وأن يشاركهم لحظة انكسارهم أمام الخالق جل في علاه، وبهذه المناسبة أذكر الجميع بقول العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه وأرضاه عم الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قدمه الصحابة ليستسقي لهم فكان من جملة دعائه «اللهم إنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة» أي أن الذنوب هذه التي تسبب نزول البلاء وعلينا التوبة الصادقة منها والاستغفار، من هنا تكون فكرة الاستسقاء أي إن الهدف منه هو الاستغفار ورد المظالم والإقبال على الله والتوبة من الذنوب التي بسبب شؤمها تقل الأرزاق ويحبس المطر، وما حرمنا من خير إلا بسبب ذنوبنا، والله سبحانه وتعالى يقول {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}. لصلاة الاستسقاء صور كثيرة ونبه الفرجابي على أن صلاة الاستسقاء لها صور كثيرة منها دعاء الإمام في خطبة الجمعة، ومنها هذه الصورة التي يدعو لها ولي الأمر وهي صورة مشرقة لأن ولي الأمر يرعى دين الناس ودنياهم، بحيث يخرج ولي الأمر بالمسلمين إلى مكان عام يصلون فيه ركعتين، ويخطب الإمام فيهم حاثاً لهم على التوبة والاستغفار ورد المظالم والدعاء بنزول الغيث، ثم يحول كل رجل رداءه ويضع ما كان منه على منكبه الأيمن على منكبه الأيسر متفائلا بتبدل الحال إلى أحسن، لكن الفاروق عمر بن الخطب رضي الله عنه استسقى ذات مرة بطريقة مختلفة، فعندما طلب منه الصحابة الاستسقاء ذات مرة لم يفعل الصورة الأولى ولا الثانية، وإنما جمعهم فاستغفر واستغفر وبالغ في الاستغفار فانهمر الغيث وأرسلت السماء مطراً كأفواه القرب، فقال الصحابة رضي الله عنهم: سبحان الله ما زدت على أن استغفرت الله فقال لهم ألم تقرؤوا قول الله تعالى {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا*يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا*وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا}، لذلك كان السلف رضوان الله عليهم يدركون هذا المعنى ويؤمنون به حق الإيمان، وهو أن الاستغفار يجلب كل خير ويصرف كل سوء. وختم الدكتور الفرجابي بدعوته جميع المسلمين في قطر إلى الخروج يوم الأحد طلباً لرحمة الله وإحياء لسنة رسوله صلى الله عيه وسلم، واستجابة لطلب ولي أمر المسلمين عسى الله أن يرحم عباده ويغيثهم. صلاة الاستسقاء سُنة مؤكدة أما الشيخ عبدالله سليمان العباد فقد بيّن أن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلفاؤه الراشدون، ودأب عليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، ولفت الشيخ العباد إلى أن الاستسقاء يختلف عن جميع الأمور الأخرى التي هي بيد الله تعالى لكنه وضع لها أسباباً عملية متعددة، فجمع المال له أسبابه وهي العمل ومزاولة الحرف التي تدر على صاحبها المال، وطلب الولد له أسباب أيضاً، لكن الله سبحانه وتعالى يسأل في صلاة الاستسقاء شيئاً لا سبيل إلى الحصول عليه إلا بوسيلة واحدة هي سؤال الله سبحانه وتعالى، لذلك كان الناس في جاهليتهم وكفرهم قبل الإسلام إذا انحبس الغيث يلجؤون إلى الله طالبين منه أن يسقيهم لأنه هو الذي ينزل الغيث كما قال في كتابه العزيز {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ}. يجب أن تتقدم صلاة الاستسقاء توبة جماعية وذكَّر العباد الجميع بأمر هام هو أن صلاة الاستسقاء يجب أن تتقدمها توبة جماعية، وهي مظهر رائع من مظاهر العبودية لله تعالى، وأعلى مقام يكون فيه العبد هو المقام الذي يظهر فيه عبوديته لله، وكلما تحققت في الإنسان العبودية كلما حقق ما يبتغيه من رحمة الله في الدنيا والآخرة، لذا جرت سنة المسلمين على إقامة صلاة الاستسقاء وإظهارهم الخضوع والتذلل لمن يملك مفاتيح المطر، وصفتها أن يدعو ولي أمر المسلمين أو من ينوب عنه -كما يحدث عندنا في قطر ولله الحمد- إلى أداء صلاة الاستسقاء، فإذا دعا ولي الأمر إلى صلاة الاستسقاء ينبغي أن تصحب هذه الدعوة بدعوة الناس إلى التوبة والاستغفار كما أسلفنا، ثم يجتمع الناس في أي وقت من الأوقات لأداء صلاة الاستسقاء لأنها ليس لها وقت معين، لكنها الأفضل أن تقام في الأوقات التي لا ينهى عن صلاة النافلة فيها، وهي ركعتان يصليهما الإمام إن شاء صلاهما كما يصلي ركعتي العيد، وإن شاء صلاهما كصلاة ركعتين عاديتين على خلاف بين العلماء، ثم يلقي الإمام خطبة يذكر الناس فيها ويحثهم على طاعة الله والتقوى والاستغفار وعلى الصدقة والتخلص من الحقوق، ثم يقلب رداءه هو ومن معه من المسلمين. وفي الختام لا يسعني إلا أن أتوجه إلى المسلمين في هذه الأرض الطيبة بالدعوة إلى تلبية دعوة ولي أمرهم لإحياء سنة نبيهم، وأثمن تفاعل حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى ووزارة الأوقاف مع الشعائر الدينية، خصوصاً دعوتهم لإحياء هذه السنة التي انشغل عنها كثير من المسلمين بالماديات، ونسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنهم، وأن ينزل الغيث على هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين، وألا يرد عباده خائبين.