في يومها العالمي ... الصحة النفسية جزء أساسي من الصحة والرفاه وجودة الحياة

alarab
تقارير 09 أكتوبر 2026 , 01:57م
قنا

يحتفي العالم في العاشر من أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يشكل مناسبة دولية للتوعية وتعزيز الجهود الرامية إلى الوقاية من الاضطرابات النفسية وتوفير خدمات الرعاية والدعم، إضافة إلى التأكيد على أن الصحة النفسية جزء أساسي من الصحة والرفاه وجودة الحياة.
ويحمل شعار هذا العام الذي جاء تحت عنوان"تجارب مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي"، دلالة تتجاوز إتاحة المجال للأفراد للتعبير عن تجاربهم، إلى التأكيد على أهمية تحويل هذه التجارب إلى عناصر فاعلة في تطوير السياسات والبرامج والخدمات، بما يجعل احتياجات الأفراد والأسر وتجاربهم الواقعية ، جزءا من عملية صنع القرار.
ويؤكد اليوم العالمي للصحة النفسية، في ضوء شعار هذا العام، أن بناء منظومة أكثر فاعلية للصحة النفسية يبدأ من بيئة أسرية قادرة على الإصغاء والملاحظة والدعم، ويمتد إلى خدمات صحية يسهل الوصول إليها وسياسات تستند إلى الأدلة والتجارب الحقيقية، بما يحول أصوات أصحاب التجارب من قصص يتم الاستماع إليها إلى شريك فاعل في إحداث التغيير وصناعة القرار.
وتبرز الأسرة والرعاية الصحية الأولية، بوصفهما من أهم دوائر الدعم المحيطة بالفرد، فالأسرة تمثل البيئة الأولى التي تتشكل فيها مشاعر الأمان والانتماء والثقة، فيما تشكل الرعاية الأولية ، نقطة الاتصال الأولى مع النظام الصحي، بما يمنحهما دورا مهما في الوقاية والكشف المبكر وتسهيل الوصول إلى الرعاية والحد من الوصمة المرتبطة بطلب المساعدة النفسية.
وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة شريفة العمادي المدير التنفيذي لمعهد الدوحة الدولي للأسرة، في تصريح خاص لوكالة الأنباء القطرية /قنا/، أن الأسرة هي المساحة الأولى التي يتشكل فيها شعور الفرد بالأمان والانتماء والثقة، كما أنها خط الدفاع الأول في ملاحظة التغيرات النفسية والسلوكية والتدخل المبكر.
وأوضحت أن البيئة الأسرية الداعمة لا تعني غياب التحديات، وإنما وجود علاقات تسمح بالحوار والتعبير عن المشاعر وطلب المساعدة دون خوف أو وصمة، مشيرة إلى أن دراسة "حالة الأسر القطرية: سمات القوة والتحديات" أظهرت أن الدعم والتواصل الفعال والمرونة والتعبير عن الحب والمودة تمثل عناصر أساسية في قوة الأسرة، حيث أفاد 79.34 بالمئة من المشاركين بأن أفراد الأسرة يحسنون الاستماع إلى بعضهم البعض، فيما أكد 83.08 بالمئة أن أفراد الأسرة يعبرون عن محبتهم لبعضهم .
وبينت الدكتورة العمادي، أن دور الأسرة في الصحة النفسية يبدأ من الوقاية، عبر بناء علاقة يومية قائمة على القرب والثقة، وملاحظة علامات القلق أو العزلة أو تغير السلوك، وتشجيع طلب الدعم المتخصص عند الحاجة، مؤكدة أن الأسرة الواعية لا تحل محل المختصين، لكنها تهيئ البيئة التي تجعل طلب المساعدة ممكنا ومقبولا.
وحول شعار الاحتفال باليوم العالمي للصحة النفسية هذا العام، أكدت الدكتورة شريفة العمادي أن الاستماع إلى تجارب الأفراد والأسر ينبغي ألا ينظر إليه باعتباره جانبا إنسانيا فقط، وإنما مدخلا أساسيا لإنتاج الأدلة وتطوير السياسات، إذ إن كثيرا من الضغوط النفسية والاجتماعية قد لا تظهر دائما في المؤشرات العامة، لكنها تتجلى بوضوح في التجارب اليومية للأسر والوالدين واليافعين ومقدمي الرعاية.

وأشارت إلى دراسة للمعهد حول التوازن بين العمل والأسرة في قطر، وقالت إنها كشفت عن تأثيرات مرتبطة بالضغط النفسي والعلاقات الأسرية وجودة الحياة.
وشددت على أن تحقيق "التغيير الحقيقي" يتطلب الانتقال من الاستماع إلى التجارب، إلى توظيفها في صنع القرار، عبر إشراك الأفراد والأسر في تصميم البرامج وتقييمها، وتحويل خبراتهم إلى أدلة تدعم تطوير السياسات وتحسين جودة خدمات الصحة النفسية لتصبح أكثر استجابة لاحتياجات المجتمع.
وفي موازاة الدور الذي تضطلع به الأسرة والسياسات الداعمة لها، تشكل الرعاية الصحية الأولية إحدى الركائز الرئيسية لتقريب خدمات الصحة النفسية من أفراد المجتمع.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور زكريا آدم محمد، أخصائي نفسي بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، في تصريح مماثل لـ/قنا/، أن المؤسسة تواصل ترسيخ مكانة الصحة النفسية في قلب الصحة العامة، عبر الوقاية والكشف المبكر والتدخل المبني على الدليل، بما يضمن وصول الرعاية النفسية المناسبة إلى الفرد في بيئته المجتمعية المباشرة.
وأوضح أن المؤسسة تقدم حزمة متكاملة تشمل تقييم وإدارة القلق والاكتئاب، وخدمات الدعم النفسي، والطب النفسي المتكامل للكبار بالشراكة مع مؤسسة حمد الطبية، وخدمات اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه للبالغين، والطب النفسي لكبار السن، إضافة إلى الخدمات الاستشارية والعلاجية للأطفال والمراهقين.
وأشار إلى أن دمج الصحة النفسية في طب الأسرة يمثل جوهر نموذج الرعاية، حيث يصبح طبيب الأسرة نقطة الدخول الأولى لالتقاط الإشارات المبكرة للضيق النفسي، وتطبيق مقاييس مقننة، وبدء التدخل النفسي الأولي، ومتابعة الاستجابة والإحالة عند الحاجة، بما يرسخ مفهوم الصحة النفسية باعتبارها جزءا من الصحة الشاملة ويسهم في الحد من الوصمة المجتمعية.
وبين الأخصائي النفسي بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، أن النموذج يعتمد على مسار رعاية متدرج، إذ تتم إدارة الحالات الخفيفة والمتوسطة داخل المركز الصحي، وتحال الحالات التي تحتاج إلى علاج متخصص إلى عيادات الدعم النفسي أو الطب النفسي المتكامل داخل المؤسسة، فيما تحول الحالات المعقدة أو الشديدة إلى مؤسسة حمد الطبية وفق خطة تضمن استمرارية المتابعة وتكامل الخدمة.
وكشف الدكتور زكريا آدم محمد، أن خدمة الكشف المبكر عن اضطرابات مثل القلق والاكتئاب متاحة في جميع المراكز الصحية الـ31 التابعة للمؤسسة، فيما تعمل عيادات الدعم النفسي، التي تقدم العلاج النفسي والتدخلات المعرفية السلوكية ومهارات المرونة النفسية وحل المشكلات وإدارة الضغوط، في تسعة مراكز هي الثمامة وروضة الخيل ولعبيب وجامعة قطر والوجبة والمشاف والسد وأم صلال ومعيذر.
وأشار إلى أن خدمة الطب النفسي المتكامل للكبار تتوفر في ثمانية مراكز هي الثمامة وروضة الخيل وجامعة قطر والوجبة والمشاف والسد ومعيذر ولعبيب، فيما تقدم خدمة اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه للبالغين في مركز روضة الخيل، وتتوزع خدمات الطب النفسي لكبار السن بين مركزي أم صلال والمشاف، بينما يقدم مركز مسيمير التدخلات النفسية للأطفال والمراهقين ذوي الصعوبات الانفعالية والسلوكية.
وأضاف أنه بالتعاون مع مؤسسة حمد الطبية، أضيفت خدمات الصحة النفسية للمرأة أثناء الحمل وبعد الولادة، إلى جانب خدمات اضطراب طيف التوحد والإعاقات الذهنية، بما يعزز إتاحة الرعاية لمختلف الفئات واحتياجاتها.
وأكد الدكتور زكريا آدم محمد، أن هذه الشبكة من الخدمات تعكس التزام مؤسسة الرعاية الصحية الأولية بجعل الرعاية النفسية متاحة للجميع بجودة عالية وكفاءة مهنية، من خلال نموذج يضمن استمرارية الرعاية ويعزز التوازن النفسي والاجتماعي في المجتمع.