منوعات
09 أكتوبر 2014 , 07:04ص
«نحن لم ننقلب على الدكتور محمد مرسي، هو من انقلب علينا، نحن حكام مصر منذ سنوات طويلة، وجاء هو ليحاول تغيير المعادلة، وإزاحتنا من السلطة» هذا ما قاله أحد أعضاء المجلس العسكري، بعد أحداث 30 يونيو، للدكتور يحيي حامد وزير الاستثمار، في عهد الدكتور هشام قنديل، وهي كلمة يؤخذ منها ويرد، ولكنها تلخص حقيقة الصراع في مصر، منذ ثورة يوليو 1952، بين طرفي المعادلة، القيادات العسكرية من ناحية، وجماعه الإخوان المسلمين. فهما معا الأكثر تنظيما بين كل مكونات المجتمع المصري ولا يخلو ما قاله عضو المجلس العسكري، من مغالطة أساسية، فالدكتور محمد مرسي وصل إلى الرئاسة، عبر انتخابات حرة ونزيهة، وشارك فيها الملايين من المصريين، وكانت تتويجا للعديد من الاستحقاقات الانتخابية التي سبقتها، وانحازت إلى خيارات وتوجهات يمثلها الرجل، سواء في الإعلان الدستوري في مارس 2011، وانتخابات مجلس الشعب والشورى، والاستفتاء على دستور 2012، مما مثل انحيازا من الأغلبية إلى ذلك التوجه، وتلك الرؤية. ولم يصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري، فهو لا يملك أدواته أو إمكاناته، ولم يكن هناك قدرة من أحد مهما كان على تزييف إرادة الجماهير المصرية.
??ولعل اللحظة التي وصل فيها الدكتور محمد مرسي إلى الرئاسة في مصر، مثلت ذروة الصراع بين قطبين، حكما المعادلة السياسية منذ قيام ثوره يوليو، وهما المؤسسة العسكرية متمثلة في قيادتها، والإخوان المسلمين، رغم أن وقائع التاريخ تكشف عن أن العلاقة لم تكن على ما يرام، بين الملك فاروق قبل ثورة يوليو وبين جماعة الإخوان، ووصل الأمر إلى إصدار أول حكم بحل الجماعة، بل واغتيال المرشد الأول والمؤسس حسن البنا، وظلت المعادلة كما هي، وأن اختلفت الوسائل والأشكال، وفقا لمستلزمات المرحلة وظروفها، اتسمت في عهد عبدالناصر، بشكل «المواجهة المباشرة»، طوال 18 عاما قضاها في السلطة، ومحاولة «الاستيعاب مع بعض من التوجس والريبة»، ومحاولة استيعابهم في الحياة السياسية في زمن أنور السادات، والتي استمرت حوالي 11 عاما، كما ساعدت سنوات مبارك الطويلة في الحكم، على أن تمر العلاقة بين «الكر والفر»، «وغض الطرف» أحيانا، على تمدد نشاط الإخوان السياسي.
??ويحتاج الأمر إلى مزيد من التفاصيل، ففي أعقاب انقلاب الضباط الأحرار في يوليو 1952، بقيادة جمال عبدالناصر، والذي نجح برؤية واستراتيجية محددة، من الانتقال من الانقلاب إلى الثورة، كانت الحاجة ماسة لوجود ظهير سياسي، وداعم رئيسي لها، يعزز وجودها في الشارع، فلم يكن هناك سوى جماعه الإخوان المسلمين، عزز ذلك، وجود بعض المنتمين والمتعاطفين مع الإخوان، في المستوى الأعلى من قيادة تنظيم الضباط الأحرار، بالإضافة إلى دورهم في مواجهة ظلم الملك فارق من ناحية، ومقاومة الاحتلال الإنجليزي من ناحية أخرى، ولكن سرعان ما كان الخصام والصراع، نظرا لاختلاف التوجهات، واستمر شهر العسل بين الجانبين فترة محدودة، أقل من عامين، نتيجة اعتقاد ناصر بأن الإخوان يتعاملون مع مجلس قيادة الثورة، على أنه امتداد لمكتب الإرشاد. وشعور الإخوان بأن عبدالناصر استخدمهم، في تثبيت أقدامه، ثم سرعان ما تخلى عنهم، وكانت ذروة هذه المواجهة في حادث المنشية، ومحاوله الاغتيال الملتبسة لعبدالناصر، والذي اتهم الإخوان بالوقوف خلفها، وكانت المحنة الأولى، والتي راح ضحيتها إعدام عدد من القيادات، مع الآلاف من الجماعة تم إيداعهم السجون والمعتقلات، وكانت المحطة الأولى في الصراع الأبدي بين الطرفين. وشهد عام 1964، مرحلة جديدة في العلاقة، عندما تم اتهام قيادات إخوانية، بمحاولة إعادة تشكيل التنظيم، وقلب نظام الحكم، والخروج عن الشرعية، ومخالفة الدستور. وتم القبض على الآلاف من جديد، وإعدام سيد قطب أحد أكبر المنظرين للإخوان المسلمين، ولم تغير نكسة يونيه 1967، والهزيمة من إسرائيل، في معادلة العلاقة بين الطرفين، وإن كانت وفاة عبدالناصر في سبتمبر 1970، وتولي أنور السادات مقاليد السلطة، قد غيرت من طبيعة الصراع، دون أن تغير شكل المواجهة.
??وكالعادة، سعى النظام الجديد، إلى خلق حالة تهدئة مع الإخوان، رغم أن السادات كان أيضاً ابنا بارا من أبناء المؤسسة العسكرية، ومن قياداتها، ولكن واجه تحديا مختلفا، من تكتل مجموعات اعتبرت نفسها تحمل لواء الناصرية، وقوى اليسار الماركسي، ورغم قلة أعدادهم، وعدم تمتعهم بأي شعبية، ولكن سيطرتهم على الإعلام، ساعد على تضخيم وجودهم على الساحة السياسية، خاصة في الجامعات، كما نجحوا في تعزيز المعارضة ضده، نتيجة تأخر المواجهة مع إسرائيل، لثلاث سنوات، والسياسات التي اتخذها بعد انتصارات أكتوبر، واقتنع السادات بنصائح عدد من الشخصيات، التي تتمتع بثقته وتحيط به، بضرورة استخدام الإخوان المسلمين كقوة منظمة، قادرة على المواجهة، فأفرج عن الآلاف من المعتقلين، وتوثقت العلاقات بينه وبين الشيخ عمر التلمساني، المرشد العام للإخوان المسلمين، دون الانتباه إلى خطورة نشأة ظاهرة، وجود جماعات خرجت من عباءة الإخوان، ولكنها أكثر تطرفا، ومن ذلك جماعة المسلمين، التي أطلق عليها إعلاميا «التكفير والهجرة»، وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية، والآخران استفادوا من التسهيلات، التي قدمها النظام لتيار الإسلام السياسي في الجامعات، حتى قويت شوكتهم، خاصة في محافظات الصعيد، وأصبحت خطرا على النظام والإخوان معا، وانتهى شهر العسل القصير بين السادات والإخوان، خاصة بعد اتفاقيات الصلح مع إسرائيل، وكان ذروة ذلك في اعتقالات سبتمبر 1981، والتي ضمت بينها المرشد العام للإخوان عمر التلمساني، وإن كانت الحملة شملت الآلاف من كافة الاتجاهات السياسية، في مصر، وكانت النهاية الدرامية للرجل باغتياله، بعدها بأيام في احتفالات انتصار أكتوبر، على يد عناصر من الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد.
??وفلت الرئيس الجديد حسني مبارك، من الاغتيال بأعجوبة، وكان شاهدا على كل ما جرى في المنصة، وكان الرجل كما جرت العادة، أحد أبناء نفس المؤسسة التي حكمت مصر منذ ثورة يوليو، 1952 واستمر على نفس الموقف من تيار الإسلام السياسي بكل تشكيلاته، فلم يطمئن له لأسباب عامة، وأخرى خاصة، تتعلق بما شهده في المنصة، من تفاصيل عمليه اغتيال أنور السادات، وكان من السهل أن يكون أحد الضحايا، لو أراد المهاجمون، ولهذا دخل في مواجهة مستمرة، مع التنظيمات المتطرفة مثل الجماعة الإسلامية والجهاد، استمرت عدة سنوات، واتسمت علاقاته مع الإخوان، بعمليات «كر وفر» مع الاستمرار في اعتبارها «جماعة محظورة « و»غير شرعية»، فقامت الأجهزة الأمنية بحملات منظمة، استهدفت المئات من القيادات بالاعتقال، والمحاكمة أمام القضاء العسكري، وفي مناسبات مختلفة، مع غض الطرف عن نشاطهم السياسي، ومحاولة استيعابهم للدخول في ذلك المعترك، فعقدوا تحالفات انتخابية مع أحزاب قائمة، مثل حزب العمل بعد تغيير توجهاته السياسية، كما دخلوا مجلس الشعب في إحدى الدورات بتحالف مع حزب الوفد، وكان النجاح الأكبر في برلمان 2005 عندما نجح الإخوان في الحصول على العضوية لـ88 من المنتمين لهم. وخلال تلك الدورة برزت قيادات إخوانية، ومنها محمد مرسي، ومحمد البلتاجي، وعصام العريان، كوجوه برلمانية تصدرت المشهد السياسي، حتى قامت ثوره يناير 2011.
??وبعد الثورة بدأت مرحلة جديدة من الصراع، تكمن أهميتها في أنها ستؤثر على مسار ليس السياسية في مصر فقط، ولكن على كل الأصعدة، وتستحق أن نخصص لها مقالا آخر.
?
?usama.agag@yahoo.com •