موضوعات العدد الورقي
09 أغسطس 2018 , 12:16ص
حيدر الفكي
إن من دواعي التواصل الإنساني واستمراريته، أن تنشأ ثقافة تكون هي المرتكز والقاسم المشترك في إدارة العملية التواصلية الحياتية اليومية، وذلك لأن أصل التعايش الإنساني عموماً مبني على أساس الحوار الإيجابي في المجتمع، وهو أصل الديناميكية الفعلية للحياة، لأن من غيره لا أتصور وجود حياة حقيقية، وأقصد هنا الحوار الإيجابي الذي ذكرته آنفاً.
إن إدارة الحوار تعتمد بشكل كبير على تمتع المحاور بالذكاء الاجتماعي، والفهم العميق لمعطيات تكوين المجتمع الذي يتعامل معه، مما يقوده في حواره إلى احترام العادات والتقاليد والأعراف والمعتقدات، وغيرها من الثوابت الأساسية، ويعرف كيف يتعامل معها، وإن اختلف مع بعضها أو كثير منها، فالمهارة والوعي تلعب دوراً مهماً في كيفية إدارة شكل ومضمون الحوار، وذلك لأنه حاجة وضرورة، والنجاح في تفعيله بوعي يساهم وبشكل كبير في استقرار المجتمع، حيث يكون هو مدخل الاحترام المتبادل، من واقع التفاعل مع الآخرين والاعتراف والقبول، على مبدأ تأسيس التعايش وإدارة المصالح المشتركة، التي تخدم الجماعة.
ثقافه الحوار وقبول الآخر تبدأ أصلاً من التربية الجادة للتواصل بين الأفراد على أضيق نطاق، وعلى مستوى المحيط المتاح من الأسرة والأصدقاء، وكذلك تتطور في اتساع دائرة المعارف، ولذلك تعتبر قيمة مضافة تبعاً لمستوى اتساع الدائرة والمحيط الاجتماعي، مع ملاحظة أهم مرحلة لترسيخ هذا المفهوم للحوار الإيجابي بكل مضامينه وقيمه الراقية وهي الأسرة، حيث تعتبر الحاضنة الإيجابية الحقيقية لتفعيله على مستوى المجتمع من خلالها كأساس للانطلاق، وهي عملية تربية طويلة تحتاج إلى صبر ووعي وإدراك بمدى أهميتها، لذلك فتح الحوار مع الطفل والاستماع له والإنصات وإعطائه إيحاءات بأن رأيه محل اهتمام هي مسألة من الأهمية بمكان، أيضاً الانتباه إلى الأسئلة المتكررة من جانبه -ومهما تكن- تعطيه إحساساً بالثقة، وكذلك ترسّخ في وعيه الظاهر والباطن قيمة الحوار واحترام الآخر، وبذلك تكون قد أسست إنساناً بشكل متوازن على أساس سليم، كأول لبنة سلوكية تربوية، وقِس على ذلك عندما تكون على المستوى الشامل للمجتمع، وتتعاقب الأجيال على هذا النهج، وتكون ثقافة الحوار أخذت شكلها النهائي على أوسع نطاق في المجتمع، والتي تتأسس عليها كل قواعد المجتمع وبكل أركانه، أما ثقافة الرفض والفرض فهي معول التدمير الشامل لهذه الثقافة.
وعليه تبدأ هذه الفكرة الإيجابية للحوار انطلاقاً من تلك الدائرة، وتتجه حتى تصل هرم العلاقات الاجتماعية، وتصبح ثقافة مجتمع تتكون بشكل تراكمي في الوعي واللاوعي المجتمعي، وتكون كأفضل قيمة يمكن أن تنهض منها المجتمعات حتى تصل هذه الثقافة في أوج تتويجها إلى مستوى المؤسسات.
وكل ذلك يدعو إلى الاعتراف الضمني بأن الحوار هو المدخل الحقيقي للحلول، بل لمزيد من التنمية وبمختلف أشكالها، سواء الاجتماعية أم الفكرية أم السياسية وغيرها، لأن أية ممارسة للفرض أو إلغاء الآخر هي بداية الدخول في إشكالات وتعقيدات توقف كل عجلة للتطور وفي كل القطاعات، لأن هنالك طرفاً يفترض امتلاك الحقيقة وفق تصوره، من غير أي اعتبار للآراء والتصورات والرؤى لدى الآخر، وعليه فإنه بذلك يكون قد غرّد خارج السرب، ويتحمل المجتمع كل مآلات التوجه السالب ويكون خصماً عليه.
الحوار الإيجابي لا بد له من مؤشرات مهمة يجب مراعاتها
فمثلاً، احتمال الآراء الأخرى التي تختلف مع توجهك مع الإنصات والاستماع إليها، الشيء الذي يولّد احترام خصمك لك، و قد يكون أكثر استعداداً لأن يقبل رأيك، وعدم التعامل برد الفعل، وإبداء المرونة للآخر، ويجب الانتباه للبعد عن المواضيع التي تسبب الحرج، وتجنب ما يثير حفيظة الآخر لبعض الأمور ذات الحساسية العالية، كذلك البعد عن تجهيل الطرف الآخر، وطرح الأسئلة وانتظار الإجابة بغرض السخرية وتقليل الشأن.
إن مراعاة النقاط التي أشرت إليها تدفع بالحوار إلى طاقة إيجابية فاعلة في تحقيق الهدف منه ونيل ثمرته، لأنه أصلاً لا يكون هناك حوار حول شيء إلا وله أهداف، ولا يمكن أن تصل إلى هذه الأهداف إلا بآليات الحوار السليم على أساس اعتبار حقيقي وليس وهمياً.
hyderah11plus@gmail.com