الحضارات القديمة غرقت في متاع ونسيت ربها فكانت عاقبتها أن أخذها الله وأفناها
باب الريان
09 أغسطس 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر: محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ (7) التِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلَادِ (8) وَثَمُودَ الذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10)}
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أساسا، المنزل عليه القرآن، ولكل من يتأتى خطابه معه ومن بعده، فالقرآن خطاب الله تعالى، لكل من يفهمه من الناس كافة، وهو يشير إلى عدد من الحضارات الهائلة القديمة، التي كان لها ملكها ومجدها، وآثارها الطبيعية والصناعية، ولكنها عنيت بالجانب المادي، في الحضارة، ونسيت الجانب المعنوي والروحي فيها، فغرقت في متاع الحياة الدنيا، ونسيت ربها ورسله، وكذبتهم، وجرت وراء متعها وترفها، فكانت عاقبتهم أن أخذهم الله، وأفناهم، وسلط عليهم ما هو أقوى منهم ودمَّرهم، وكانوا هم الظالمين.
{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ}
ألم ينته علمك إلى ما صنعه ربك بهذه الحضارات العاتية المستكبرة في الأرض، كما فعل بعاد.
وعاد وثمود من قبائل العرب العاربة أو البائدة التي يعرف العرب أخبارها بالتوارث، ويتناقلونها بينهم، ويحكونها بعضهم لبعض، يزيدون فيها غرائب وعجائب وحكايات، على عادات الناس العوام في البلاد المختلفة.
ولكن القرآن جاءهم بالحق الذي لا ريب فيه، والمنزه عن الأكاذيب والغلوات وإلخيالات، كما قال القرآن في بعض السور: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} [هود:120].
وهو يقص علينا نبأ عاد وما وصلوا إليه ، {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [الشعراء:128-134].
وأحيانا يحدثنا عن بعض نقمه عليهم: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ} [الذاريات:41-42].
{وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ} [الحاقة:6-7].
يقص القرآن هذا على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى قومه، ليسمعوا ويعوا وينتبهوا إلى ما عند الله من قوة، ومن جنود، لا يعلمهم إلا هو، ومن قوانين كونية، يستطيع أن يسخرها إذا أراد لمن يشاء من عباده، {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ العَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [العنكبوت:53].
{إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ}
هذا الجيل الذي عرفه العرب من قديم، وعرفوا أنهم أهلكهم الله بكفرهم وتكذيبهم وعصيانهم لله ورسله، هم عاد الأولى، المعروفة بالكبرياء في الأرض، والعدوان على الخلق، وهم الذين أطلق عليهم (إرم)، وفيها يقول القرآن هنا: {إِرَمَ ذَاتِ العِمَادِ}، والعماد هنا: عماد الخيام، التي كانوا ينصبونها، وكانوا يتفننون فيها، وفيما تحتويه. حتى إن القرآن الكريم تحدث عن الحور العين في إحدى الجنان، فقال: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الخيَامِ} [الرحمن:72].
أو ذات العماد الرفيعة، والقوة المنيعة، والمباني الشاهقة، ونحوها، وعبر بالعماد عن العلو والشرف والقوة، وكانت منازلهم بالرمال والأحقاف إلى حضرموت. وقد بلغت عاد مبلغا من الشرف والقوة، لم يصل إليه جماعة في عهدها، ولذلك قال:
{الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلَادِ}
وفي هذا دلالة على الانفراد من دون الأمم الأخرى بخصائص وممتلكات لا يوجد لها نظائر في البلاد الأخرى، والانفراد بهذه الخصائص، هو مدار القوة والتفاخر عند الأمم.
وإذا قال القرآن كلمة عن حضارة عاد العربية، مثل هذه الكلمة {الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البِلَادِ}فهي شهادة لا تعادلها شهادة، ولا تدانيها شهادة، في مثل هذا الجانب المادي، والمشهود من الحضارة.
{ وَثَمُودَ الذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ}
ومن الحضارات العربية البائدة لخلوها من العنصر الذي يبقى الحضارات: العنصر الروحي والإيماني والأخلاقي، الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وحاسب عليه خلقه: حضارة ثمود، قوم صالح نبي الله، جاءوا بعد عاد قوم هود نبي الله. وقد بلغوا من القوة والمنعة، أن قطعوا الصخر بالوادي أو الأودية، واتخذوا من الجبال بيوتا فارهين، وزعم بعضهم: أنهم اتخذوا واديا لمنافعهم يخزنون فيه الماء الفائض عن حاجاتهم، لينتفعوا به عند انقطاع الماء، أو قلته. ولا يفعل ذلك إلا الأمم الكبيرة والواعية.
{ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ }
وأضاف القرآن إلى الحضارات العربية التي عرفوها، حضارات قريبة مجاورة لهم، سرت مسراهم في البغي على الخلق، والاستكبار عن الحق، واتخاذ القوة للتطاول على عباد الله، لذا ذكره الله مع هؤلاء الطغاة، فقال: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ}، فقد علم العرب وسائر الأمم عن ملك مصر الذي لقبوه (فرعون) الذي بلغ من القوة ما بلغ، وقال للناس: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إله غَيْرِي} [القصص:38]. وكان ملكه شامخا قويا، كأنما وتد بأوتاد عتيدة في الأرض.
ويمكن أن تعتبر الأهرام التي أصبحت تيجانا معبرة عن أصالة الحضارة الفرعونية، وقوتها ورسوخها في الأرض.
{الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}
{الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلَادِ}
وصف الله أصحاب هذه الحضارات الفاسدة والبائدة بوصفين أساسيين، جلبا عليهم نقمة الله سبحانه وعذابه، وهما: الطغيان في البلاد، والإكثار فيها من الفساد. وهما صفتان متلازمتان تؤثر كلتاهما في الأخرى.
الطغيان هو تجاوز الإنسان حده في الأرض، وإلخروج عن منزلة العبودية لله تعالى، إلى مقام الألوهية ادعاء وزورا. ولهذا قال الله تعالى لموسى: {اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى} [طه:24]، وقال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق:6]، وقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأْوَى} [النازعات:37-39].
فهذا هو الوصف الأول لهذه الحضارات المغشوشة. والوصف الثاني: إكثار الفساد، ومن قرأ تاريخ حضارات العالم، التي هوت وخربت من داخلها أولا، عرف أن كثرة الفساد في حياة الناس، كانت لازما من لوازمها، فإذا نزل الطغيان في البلاد، انتشر فيها داء الفساد، واستمر هذا الداء وتوغل حتى ينهك الأمة، ويعجزها أن تعمل شيئا حقيقيا للإصلاح، فيذهب الله بها، ويجيء بآخرين خير منها.
{فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ}
يقال: صب عليهم، أي: أفرغ عليهم وألقى. يقال: صب على فلان خلعة، أي: القاها عليه. وسوط عذاب، أي: نصيب عذاب. ويقال: شدته; لأن السوط كان عندهم نهاية ما يعذب به. وقيل: معناه عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم: ساطه يسوطه سوطا، إذا خلطه.
كان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة، فأخذهم بسوط منها. وقال قتادة: كل شيء عذب الله تعالى به، فهو سوط عذاب.
{إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}
المرصد والمرصاد: الطريق. وقيل: المرصاد الذي يترقب فيه الرصد. مفعال من رصده، كالميقات من وقته، وهذا مثل لإرصاده تعالى بالعصاة والطغاة، وأنهم لا يفوتونه. فهنا يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه بعمله، قالوا: أي: على طريق العباد لا يفوته أحد.
وتسمية عذابهم سوطا، للإشارة إلى أن ذلك بالنسبة لما أعد لهم في الآخرة، بمنزلة السوط عند السيف. والتعبير من إنزاله بالصب {فَصَبَّ عَلَيْهِمْ} للإيذان بكثرته وتتابعه واستمراره، فإنه عبارة عن إراقة شيء مائع، أو جار مجراه في السيلان كالسيل والحبوب، وإفراغه بشدة وكثرة واستمرار.
وهذه الجملة تعليل لما قبلها، وإيذان بأن كفار قومه عليه السلام، سيصيبهم ما أصاب المذكورين من العذاب. كما ينبئ عنه التعرض بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام.
{فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16)}
هذا الذي قصصناه عليك شأن ربك الراصد لكل شيء، المراقب لكل أمر، وسيتلى عليك الآن شأن الإنسان عقب ما تلوته عليك من شأن ربك.
إن الابتلاء والاختبار الذي سلكه الله تعالى مع الإنسان، ليظهر أثر الابتلاء فيما يبديه الإنسان من شكر وكفر، وطاعة وتمرد، فيبين ربنا سبحانه موقف الإنسان في حالته من النعماء والبأساء.
فلذلك يقول تعالى منكرًا على الإنسان في اعتقاده إذا وسع الله عليه في الرزق، ليختبره في ذلك، فيعتقد أن ذلك إكرام من الله له، وليس كذلك، كما يدل التاريخ، وتدل وقائع الحياة في الناس، بل هو ابتلاء وامتحان، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ} [المؤمنون:55-56]. وكذلك في الجانب الآخر، إذا ابتلاه وامتحنه، وضيق عليه في الرزق، يعتقد أن ذلك إهانة من الله له. قال الله تعالى: {كَلَّا} أي: ليس الأمر كما زعم، لا في هذا ولا في هذا، فإن الله تعالى يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ويضيق على من يحب ومن لا يحب. وإنما الأمر في ذلك على طاعة الله في كل من الحالين. إذا كان غنيا بأن يشكر الله على ذلك، وإن كان فقيرا بأن يصبر.
{كَلَّا} حرف زجر وردع، ليس الأمر كما يظن. فليس الغِنى فضيلة، وليس الفقر مهانة، وإنما الفقر والغنى من تقدير الله وقضائه.
{كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ}
إخبار عما كان يصنعه مجتمع الجاهلية المتجبر المتمرد، من إهانة اليتيم وإضاعته وإهدار حقه الشخصي والمالي. فأحيانا يدَعُّونه ويقسون عليه، كما في سورة (الماعون): {فَذَلِكَ الذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ} [الآية:2]. وأحيانا يقهرونه ويذلونه، كما في سورة الضحى: {فَأَمَّا اليَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ} [الآية:9]، وأحيانا يأكلون ماله بالباطل. ولذا قال: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام:152]. وهذا كله في القرآن المكي، أما القرآن المدني، فقد فصَّل في حقوق اليتامى وصيانة أموالهم، وشدد في تحريمها عليهم، وقال: {إِنَّ الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10]. وكل ذلك يدخل في قول الله سبحانه لهم: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ}.
{وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ}
ومن سمات المجتمع الجاهلي وقسوته وجبروته: أن كلا منهم مشغول بنفسه فقط، بأملاكه الخاصة، بأمواله وثروته، بأطماعه وشهواته، ما حل منها وما حرم، فلا يحض بعضهم بعضا على أداء الواجب المفروض عليهم جميعا في إطعام المسكين، وأداء كل ما تتطلبه ضروراته وحاجاته، فلا يجوز أن يطعمه ويسقيه ويتركه عريانا، أو يدعه في العراء بلا منزل، كلا. فبإطعام المسكين كفاية عن كفالة حقوقه المادية كلها.
والحق أن هذه فريضة إسلامية انفرد القرآن بتقريرها، كما دلت على ذلك آيات شتى في كتاب الله. منها هذه الآية في هذه السورة، ومنها قوله تعالى في سورة الحاقة، حين حدثنا الله تعالى عن أصحاب الشمال، الذين يؤتون كتابهم بشمائلهم، ويأخذ هذا كتابه بشماله، ويقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} [الحاقة:28-29]، ويقول الله تعالى: {خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ} [الحاقة:30-32]. ثم يبين جرائمه الكبرى الذي استحق عليها هذا العقاب، وهذا العذاب، فيقول: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ العَظِيمِ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الحاقة:33-34].
كل هذا يبين ويؤكد لنا ما قرره القرآن في أكثر من آية، وكلها في القرآن المكي: أن الحض والتحريض على طعام المسكين والفقير وكل محتاج من ذكر وأنثى، من يتيم أو أرملة،أو ضائع أو ابن سبيل: فريضة إسلامية لا شك فيها. وإن تجاهلها الكثير من المسلمين، ولم يعن الفقهاء كثيرا بتفصيلها، والتنبيه عليها، وأمر الناس بإقامتها.
ولقد نبه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في تفسيره المعروف لجزء (عم) على هذه الفريضة الاجتماعية، واتخذ منها دليلا على وجوب عمل الجمعيات الخيرية، التي تجمع المال من القادرين لإغاثة الفقراء والعاجزين عجزا كليا وجزئيًا من المسلمين، يقول الشيخ في تفسير سورة الماعون: (ويدُعُّ اليتيم): أي يدفعه ويزجره زجرا عنيفا، إذا جاء يطلب منه حاجة احتقارا له، وتكبرا عليه، لفقده النصير وخلو ظهره من المجير.
واليتيم مظهر الضعف وممثل الحاجة فالمستهين به مستهين بكل ضعيف محتقر لكل محتاج، فالمعنى أن المكذب بالدين هو الذي يغمط حق غيره تعززا بقوته، فكل ظالم منتهك لحرمات الحقوق مكذب بالدين متى كان ذلك ديدنا. وسواء كان ظلمه لقليل من الناس أو كثير.
والحض على طعام المسكين: الحث عليه ودعوة الناس إليه ، والذي لا يحض على إطعام المساكين لا يطعمهم في العادة، فقوله: {وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} كناية عن الذي لا يجود بشيء من ماله على الفقير المحتاج إلى القوت، الذي لا يستطيع له كسبا.
وليس المسكين هو الذي يطلب منك أن تعطيه وهو قادر على قوت يومه، بل هذا هو الملحف، الذي يجوز الإعراض عنه، وتأديبه بمنعه ما يطلب، وإنما جاء بالكناية ليفيدك أنه إذا عرضت حاجة المسكين، ولم تجد ما تعطيه فعليك أن تطلب من الناس أن يُعطوه.
وفيه حث للمصدقين بالدين على إغاثة الفقراء، ولو بجمع المال من غيرهم، وهي طريقة الجمعيات الخيرية، فأصلها ثابت في الكتاب بهذه الآية، وبنحو قوله في سورة الفجر: {كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ * وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ المِسْكِينِ} [الفجر:17-18]، ونعمت الطريقة هي لإعانة الفقراء، وسد شيء من حاجات المساكين، فالمكذب بالدين هو المحتقر لحقوق الضعفاء كبرا وعتوا، والذي يبخل بماله على الفقراء ويبخل بسعيه عند الأغنياء لإغاثة أهل الحاجة ممن تحقق عجزهم عن كسب ما ينقذهم من الضرورة، ويقوم لهم بالكفاف من العيش، وسواء كان المحتقر للحقوق البخيل بالمال والسعي مصليا أم غير مصل، فصلاته لا تنفعه ولا تخرجه من صف المكذبين بالدين، لأن المصدق بشيء لا تطاوعه نفسه بإلخروج عن حد ما صدق به، فلو صدق بالدين لعرف أن صلاته إنما هي عنوان الخشوع للقاهر الذي لا يجوز لأحد أن يشاركه في عظمته، الذي خلق الخلق وحدد حدود الحق وفرض على الأقوياء الرحمة والعدل في الضعفاء، فمن لم تذكره صلاته بهذا الذي فرض عليه فهو كاذب في قوله، مراء في ظاهر عمله) .
{وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا}
يستمر القرآن في بيان حقيقة المجتمعات الجاهلية، التي فقدت الأحاسيس الإنسانية، التي يتميز بها أولئك الذين يشعرون بآلام الفقراء وجوع بطونهم، وخلو معداتهم، وارتعاد فرائصهم في البرد؛ لأنهم لا يجدون لباسا يكسوهم. فيقول لهم القرآن معددا رذائلهم الأخلاقية والاجتماعية: {وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا}.
التراث: أي: الميراث، من اليتامى وغيرهم من أصحاب المال الذي أمروا أن يحفظوه فأضاعوه. وأصله: الوراث، من ورثت، فأبدلوا الواو تاء، كما قالوا في: تُجَاهِ وَتُخَمَة وَتُكَأَة وَتُؤَدَة، ونحو ذلك.
{لَمًّا} أي: شديدا. وقيل: {لَمًّا}أي: جمعا. وأصل اللم في كلام العرب: الجمع، يقال: لممت الشيء المه لما: إذا جمعته، ومنه يقال: لمَّ الله شعثه، أي جمع ما تفرق من أموره. قال النابغة:
ولست بِمُسْتَبِقٍ أخا لا تَلُمُّهُعلى شَعَثٍ أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ؟
ومن ذلك: أن يأكل نصيبه ونصيب غيره. قال ابن زيد: هو أنه إذا أكل ماله المَّ بمال غيره فأكله، ولا يفكر: أكل من خبيث أو طيب. قال: وكان أهل الشرك لا يورثون النساء ولا الصبيان، بل يأكلون ميراثهم مع ميراثهم، وتراثهم مع تراثهم.
قال القرطبي: ويجوز أن يذم الوارث الذي ظفر بالمال سهلا مهلا، من غير أن يعرق فيه جبينه، فيسرف في إنفاقه، ويأكله أكلا واسعا، جامعا بين المشتهيات من الأطعمة والأشربة والفواكه، كما يفعل الوراث البطالون.
{وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا} أي كثيرا، حلاله وحرامه. والجم: الكثير. يقال: جَمَّ الشَّيْءَ يَجُمُّ جُمُومًا. وقال الشاعر:
إن تغفر اللهم تغفر جَمًّا
وأي عبد لك لا المَّا
{كَلاَّ إِذا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا}
كلا: للردع، أي: ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر. فهو رد لانكبابهم على الدنيا، وجمعهم لها، فإن من فعل ذلك يذم يوم تدك الأرض، ولا ينفعه الندم. والدك: الكسر والدق. أي زلزلت الأرض، وحركت تحريكا بعد تحريك.
وقال الزجاج: أي زلزلت فدك بعضها بعضا.
{دَكًّا دَكًّا} أي: مرة بعد مرة، زلزلت فكسر بعضها بعضا، فتكسر كل شي على ظهرها. وقيل: دكت جبالها وأنشازها حتى استوت. وقيل: دكت أي استوت في الانفراش، فذهب دورها وقصورها وجبالها وسائر أبنيتها. ومنه سمي (الدكان)، لاستوائه في الانفراش.
والدك: حط المرتفع من الأرض بالبسط، وهو معنى قول ابن مسعود وابن عباس: تمد الأرض مد الأديم.
{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا}
{وَجَاءَ رَبُّكَ} جاء سبحانه مجيئا يليق بجلاله، لا نعرف كيف يجيء، ولا نشبهه بغيره، ولا نجعل له كفئا، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11]، {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1-4].
هذا ما يقوله السلف، ومن اتبع منهجهم، ولا نخوض في شيء بعد ذلك، وهذا هو الأولى.
وأما الخلف فيؤولون ويفسرون، كل بما يبين له، فمنهم من قال: (جاء ربك) أي: أمره وقضاؤه. وقيل: جاءهم الرب بالآيات العظيمة، وهو كقوله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ} [البقرة:210]، أي بظلل. وقيل: جعل مجيء الآيات مجيئا له، تفخيما لشأن تلك الآيات.
ومنه قوله تعالى في الحديث: «يا بن آدم، مرضت فلم تعدني، واستسقيتك فلم تسقني، واستطعمتك فلم تطعمني».
وقيل: (وجاء ربك): أي زالت الشبه ذلك اليوم، وصارت المعارف ضرورية، كما تزول الشبه والشك عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقال أهل الإشارة: ظهرت قدرته واستولت، والله جل ثناؤه لا يوصف بالتحول من مكان إلى مكان، وأنى له التحول والانتقال؟ ولا مكان له ولا أوان، ولا يجري عليه وقت ولا زمان. لأن في جريان الوقت على الشيء فوت الأوقات، ومن فاته شي فهو عاجز. ذكر ذلك القرطبي في تفسيره .
يتبع غداً إن شاء الله...