هل ربنا (جل وعلا) ليس له مكان!؟
باب الريان
09 أغسطس 2011 , 12:00ص
الشيخ عبد السلام البسيوني
إذا سلمنا أنه تبارك وتعالى مستو على عرشه – بجلاله وقيوميته – فلا معنى لاضطراب بعض العامة، وبعض المتعلمين للأسف، وتخبطهم بين من يقول إنه (عز وجل وعلا) في كل مكان..
وبين من يقول إنه (عز وجل وعلا) ليس له مكان! على ما بين القولين من اضطراب وتناقض، ومفارقةٍ لنص الآيات السبع التي أو ردنا قبل، ومخالفة ما جاء في الحديث الشريف لفظًا ومعنى!
فأما أنه تعالى معنا – بعلمه وإحاطته وقيوميته – في كل مكان، فهذا أمر مسلَّمٌ لا اختلاف فيه ولا مماراة. كما قال تعالى: (وهو معكم أينما كنتم) الحديد:4 وكما قال عز من قائل لموسى وهارون عليهما السلام: (إنني معكما أسمع وأرى) طه: 46، وكما قال محمد صلى الله عليه وسلم للصديق؛ حينما كانا في الغار: (لا تحزن إن الله معنا) التوبة:40 فهذه معية النصرة، والعلم، والتأييد.
أما أن يكون ذلك بذاته فلا دليل على ذلك يقاوم ما جاء في الكتاب الكريم من آيات، والسنة الصحيحة من دلائل بينات!
قال الإمام الطبري رحمه الله تعالى: (وَهُو مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ) يقول: وهو شاهد لكم أيها الناس؛ أينما كنتم، يعلمكم، ويعلم أعمالكم، ومتقلبكم ومثواكم، وهو على عرشه فوق سمواته السبع!
وقال الإمام القرطبي: وهو معكم يعني: بقدرته وسلطانه وعلمه. أين ما كنتم، والله بما تعملون بصير: يبصر أعمالكم ويراها، ولا يخفى عليه شيء منها.
وقال الإمام البيهقي في الأسماء والصفات: وفيما كتبنا من الآيات دلالة على إبطال قول من زعم من الجهمية أن الله سبحانه وتعالى بذاته في كل مكان، وقوله عز وجل: (وهو معكم أين ما كنتم)، إنما أراد به بعلمه لا بذاته، ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك: الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف.
وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين، وقالوا: الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية، ووردت به الأخبار الصحيحة، فقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز.
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله تعالى: يجب على المؤمن أن يعتقد بقلبه - اعتقادا لا شبهة فيه – بعلو الله تعالى فوق كل شيء، وأنه نفسه جل وعلا فوق كل شيء، وكيف يعقل عاقل - فضلًا عن مؤمن - أن يكون الله تعالى مع الإنسان في كل مكان!
أيمكن أن يتوهم عاقل بأن الإنسان إذا كان في الحمام يكون الله معه، إذا كان في المرحاض، يكون الله معه، إذا كان واحد من الناس في الحجرة في بيته، وآخر من الناس في المسجد، يكون الله هنا وهناك الله! أو أحد أم متعدد؟ إن الإنسان الذي يقول الله في كل مكان بذاته يلزمه أحد أمرين لا ثالث لهما: إما أن يعتقد أن الله متعددٌ بحسب الأمكنة، وإما أن يعتقد أنه أجزاءٌ بحسب الأمكنة؛ وحاشاه من ذلك، لا هذا ولا هذا!
إنني أدعو كل مؤمنٍ بالله أن يعتقد اعتقادا جازما بأن الله تبارك وتعالى في السماء، لا يحصره مكان، وإني أخشى أن من يعتقد أن الله في كل مكان، أن يلقى الله على هذه الحال فيكون مجانبا للصواب والصراط المستقيم!
معنى الاستواء:
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن الاستواء في لغة العرب، وكيف نثبت لله سبحانه وتعالى صفة الاستواء؟ فأجاب:
.. واستواء الله على العرش من الصفات الثابتة التي يجب على المؤمن أن يؤمن بها، وهو أن الله تعالى استوى على عرشه أي علا عليه علوّا خاصّا ليس كعلوه على سائر المخلوقات، كما قال تعالى: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) ولكن هذا الاستواء ليس معلوما لنا في كيفيته، لأن كيفيته لا يمكن الإحاطة بها، ولم يخبرنا الله عنها ولا رسوله. ولهذا لما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف استوى؟ فأطرق برأسه حتى علاه العرق ثم قال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) ونحن نعلم معنى الاستواء، ونؤمن به، ونقره، وهو أنه سبحانه وتعالى علا عرشه، واستوى عليه علوّا واستقرارا يليقان به سبحانه وتعالى؛ فالواجب علينا أن نمسك عن الكيفية، وأن نؤمن بالمعنى، وأما قول من قال إن معنى (استوى على العرش) أي استولى عليه فهذا قول لا يصح، وهو مخالف لما كان عليه السلف، ولما تدل عليه هذه الكلمة في اللغة العربية فلا يعول عليه.
نسبةُ الربِّ العرشَ لذاته العلية، تكريما له وتشريفا:
نسب الله تعالى العرش لذاته العلية بعض مخلوقاته كالرسل (محمد رسول الله) والصراط (وأن هذا صراطي مستقيما) والقرآن (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) والجنة (فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) وغير ذلك مما هو في القرآن والسنة.
ومما شرّفه الجليل بالنسبة إليه: العرش، فجاء في الكتاب والسنة: ذو العرش(رب العرش) عرش الرحمن.. وهكذا.
- قال تبارك وتعالى في سورة التوبة:129: (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم).
- وقال تبارك وتعالى في سورة الإسراء:42-43: (قُلْ لَو كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إذن لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوّا كبيرا).
- وقال تبارك وتعالى في سورة غافر15-16: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق. يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار).
- وقال تبارك وتعالى في سورة الزخرف:82: (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون).
- وقال تبارك وتعالى في سورة التكوير:19-21 (إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين).
- وقال تبارك وتعالى في سورة البروج: 15-16 (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ).
- وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم: (من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة؛ هاجر في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها). قالوا: يا رسول الله: أفلا ننبئ الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مئة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة).