ما الذي يمنعنا من التوكُّل على الله وهو الذي هدانا سُبلنا وأنار لنا الطريق؟!

alarab
باب الريان 09 أغسطس 2011 , 12:00ص
شروط قبول العمل الأعمال لا تقبل عند الله إلا بشروط, حتى العمل من المسلم. المسلم لا يقبل عمله إلا بشرطين: الإخلاص لله، وأن يكون عمله على السُّنَّة على المنهج الشرعي. لما سُئل أبوعلي الفُضَيل بن عياض عن أحسن العمل؟ قال: أحسن العمل: أخلصه وأصوبه، قيل له: ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: إنَّ الله لا يقبل العمل ما لم يكن خالصًا صوابًا، فإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، وإذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وخلاصُهُ: أن يكون لله، وصوابه: أن يكون على السنة. على المنهج الشرعيِّ، غير مبتدع، لأنَّ «كل بدعة ضلالة»، و «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه، فهو رد»، هذا من المسلم. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوى، فَمَنْ كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبها أو إلى امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه». اثنان هاجرا معًا، ولكن تُقبل هجرة أحدهما، ولا تُقبل هجرة الآخر. هذا هجرته في سبيل الله, وهذا هجرتُه لأنه كان يحبُّ واحدة هاجرت، وقال: لماذا أبقى بعدها، يجب أن أهاجر وراءها. هذا هجرته في سبيل الله، وهذا هجرته في سبيل المرأة. مصير الأعمال التي افتقدت الإيمان: وكذلك غير المسلم: لا يُقبل منه عملٌ ما لم يؤسَّس على الإيمان بالله. أما إذا لم يؤمن بالله كيف ينتظر أن يدخل جنَّة الله؟ الله سبحانه يقول: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)[الفرقان:23]، وفي سورة النور صوَّر الله لنا عمل هؤلاء الكفار ومصيره، فقال: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ * أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)[النور:39،40] هذه أعمال افتقدت نور الإيمان. شرط قبول العمل: وشرط قبول العمل عند الله: أن يكون مؤسَّسًا على الإيمان: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ)[الأنبياء:94]، (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا)[النساء:124]، (وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا)[الإسراء:19]. يجب أن يتحقَّق شرط الإيمان: الإيمانُ بالله خالق هذا الكون، أما إذا لم يكن مُعترفًا به فكيف يكافئه؟ كيف تطلب من مَلَكٍ أن يكافئك وأنت غير معترف بملكه، تقول: إنه لا يستحق الملك لا يمكن أن يُكافئك. فالذي يكفر بالله لا يُنتظر منه أن يكافئه. هل معنى هذا أنه يضيع عمله الخير تمامًا؟ لا يكافئ عليه في الآخرة في دخول الجنة. السيِّدة عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ابن جُدْعان كان في الجاهلية يَصِلُ الرَّحِم، ويُطْعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا ينفعه، إنه لم يقل يومًا: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين» لم يذكر ربنا في يوم من الأيام. عمله غير مؤسَّس على الإيمان. لم يقل: اغفر لي خطيئتي يوم الدين. يقول بعض الناس: الذي اخترع الكهرباء يدخل النار، الذي اخترع الإنترنت يدخل النار؟ والجواب: هل عملها لله عزَّ وجل أم لأمر دنيويّ؟! الإنترنت أصله -كما قرأت- عند وزارة الدفاع الأميركية، فاكتشفت هذه الوسيلة من الاتِّصالات، وكان خاصًا بالجيش الأميركي ووزارة الدفاع. ثم بدأت تُعمِّمه على الناس شيئًا فشيئًا, ولم تكن تريد خدمة البشريَّة. لا بدَّ لقبول العمل الصالح أن يكون القصد هو وَجْهَ الله عزَّ وجل. وليس معنى هذا أنه لا يكافئ على عمل الخير إطلاقًا. مكافأة الكفار على عمل الخير: يُكافأ عليه في صورتين: في الدنيا: يُوسِّع له في الرزق. ويُعطيه مَجْدًا وجاهًا وأولادًا، ويُبارك له في صحَّته. وكلُّ هذه من المكافآت الدنيويَّة مقابل أعماله الخيِّرة. وفي الآخرة لا يساويه بالظلمة المُعذَّبين. هناك كَفَرةٌ فقط، وهناك كَفَرة وظَلَمة: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا)[النساء: 168] هناك كافر فقط، وهناك كافر ظالم ليس مُجَّرد كافر، فَعَل البلايا والمصائب بالبشر. قتل الملايين من الناس، فعلوا بشعوبهم ما فعلوا، هؤلاء لا يكونون مثل غيرهم من الكفار. الله سبحانه وتعالى يقول: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ)[النحل:88]، ويقول الله سبحانه عن مؤمن آل فرعون: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)[غافر:45،46]، فهناك عذابٌ شديد، وهناك أشدُّ العذاب. الكافر الذي فعل أفعالاً في ميزان الخير تنفع الناس يكافئه الله بأنه يُخِّفف عنه العذاب يوم القيامة، هذا من فضل الله تبارك وتعالى، ويسير مع القانون الذي يقول: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) [الزلزلة:7،8] فهذا الخير الذي فعله الكافر رأى نتيجته في الدنيا، ورأى نتيجة على وجه ما في الآخرة. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أم صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأمر إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ} تتحدَّث السورة عن مواكب الأنبياء، وكيف وقف منهم أقوامهم، وكيف كذّبوهم، وكيف نزلت بهم نقمة الله عز وجل، ومصير الجبابرة في الآخرة، والنار تحيط بهم من كل جانب، ثم بعد هذا نقف عند هذا المشهد الجديد من مشاهد يوم القيامة، وما أروع مشاهدها، وما أعظم مشاهدها؛ حيث يقول الله عز وجل قبل الحديث عن مشهد الآخرة يقول في هذا التمهيد: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} [إبراهيم:19،20]، ثم يقول: {وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً...} إلى آخره. التفكُّر في خلق السموات والأرض بالحق: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} هذا خطاب لكلِّ من يتأتَّى خطابه، يقول فيه: { أَلَمْ} وهذا استفهام، كما يقول عنه علماء اللغة: استفهامٌ تقريريّ، دخول الهمزة على حرف النَّفي: (لم) كقول: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح:1]. فكأنه يقول له: لقد شرحنا لك صدرك. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} أي: لقد رأيت أنَّ الله خلق السماوات والأرض بالحق. كلمة الرؤيا في القرآن: والرؤيا هنا رؤية علميَّة نظريَّة؛ لأنَّ كلمة رؤيا: رأى يرى في القرآن أحياناً تكون رؤيا بصريَّة، وأحياناً تكون رؤيا حُلُمية منامية، كما قال الله على لسان الملك: {وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} [يوسف:43]. وقوله عزَّ وجل على لسان سيدنا يوسف: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ } [يوسف:4]، فهذه رؤيا مناميَّة. وهناك الرؤيا العلمية: {أَلَمْ تَرَ} يعني هذا يفيد النظر العقلي. خلق السماوات والأرض بالحق: {أَلَمْ تَرَ} ألم تنظر وتَتَأمَّل بعقلك: {أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ} خَلَقَ هذا الكون عُلويَّه وسفليَّه بالحق لا بالباطل، خلقه لغاية حكيمة، فلم يخلق الله تعالى شيئاً عبثاً ولا شيئاً باطلاً، كما حكى الله تعالى عن أُولي الألباب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} [آل عمران:191]. لم يخلق الله شيئاً باطلاً: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ} [ص: 27]. لم يخلق الله السماوات والأرض ولا شيئاً فيهما باطلاً ولا لهواً ولا لعباً: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} [الدخان: 38، 39]، {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الجاثية: 22]. الحياة الآخرة حقٌ: من هذا الحق: أنَّ هذا الكون لا يَفْنى فناءً صِرْفًا، بحيث لا يكون بعده حياة أخرى، ويذهب الظالمُ بظلمه، والقاتلُ بقتله، والطاغيةُ بطغيانه، ولا ينال جزاءَهُ. كما يذهب الخيِّرون بخيرهم الذين لم ينالوا عليه أجراً في الدنيا، بل ربما كان جزاؤهم: الاضْطهاد والإيذاء. لا بدَّ أن تكون هنالك حياة أخرى تُوفَّى فيها كلُّ نفسٍ ما كَسَبت، وتُجْزى بما عَمِلت، إنْ خيراً فَخَيْر وإنْ شرّاً فشرٌّ: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 7، 8]. هذا معنى الحقّ الذي خُلِقت به السماوات والأرض، والذي قامت به السَّماوات والأرض. الله هو الذي خَلَقَ هذه السَّماوات والأرض، كما قال عزَّ وجل: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57]. قدرة الله سبحانه على إذهاب الخلق والإتيان بخلق جديد: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} هذا الخالقُ العظيمُ الذي لا يُعجزه شيء، ولا يحدُّ قُدْرَتَهُ حدٌّ، يستطيع إذا خالفتم أمره، وانحرفتم عن نهجه، وبَعُدْتُم عمَّا خَلَقكم لأجله - وقد خلقكم لعبادته، وخلقكم لتعرفوه- يستطيع الله عزَّ وجل أن يذهبَ بكم ويأتيَ بخلق آخر: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}. إذْهابُكم وإزالتُكم ومَحْوكم من الوجود، ثم الإتيان بآخرين أفضلَ منكم، يستطيعون أن يقوموا بما خَلَقهم الله له، يقومون بعبادته وبخلافته في الأرض، وبعمارة الأرض التي سخَّرها الله لهم، ليس ذلك على الله بعزيز. المراد بالخلق الجديد: وهذا الخلق الجديد، هل هو خَلْق غير هذا النوع من الآدميين الذين لم يقوموا بما أحلّ الله لهم، وما أمرهم به؟ أو يأتي بنوع من الآدميين أفضل من هذا النوع؟ كلُّ هذا واردٌ، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ} [فاطر: 15، 16]. قدرة الله سبحانه على تغيير الخلق: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي: ليس بعظيم ولا ممتنع على الله: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ}، كما قال تعالى: {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً} [النساء: 133]، وكقوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد 38]، وكقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ } [المائدة: 54]. الله سبحانه قادرٌ على أن يُذْهِبَ هذا الخَلْق، ويأتِ بخلق آخر غير الجنس الآدمي، أو يذهب بهذه المجموعة من الناس من بني فلان أو بني علان، أو من الشعب الفلاني الساكنين في الأرض الفلانية، ويأتي بشعبٍ آخر، كلُّ ذلك داخلٌ في إطار القدرة الإلهيَّة، وليس ذلك بعزيز ولا ممتنع على الله عزَّ وجل. مناقشة الإمام الغزالي: وهنا تأتي مناقشة مع الإمام الغزالي - رحمه الله – حيث قال في كتاب التوكل من كتاب (إحياء علوم الدين): إن هذا الكون دُبِّر أعظَمَ تدبير، وأفْضَلَ تدبير، فلا يمكن أن يُؤْتَى بِكَوْنٍ أحسنَ من هذا الكون، ولو أنَّ الله خَلَقَ الخلق على عقلِ أعقلهم، وذكاءِ أذكاهم، وعلمِ أعلمهم، وحكمةِ أحكمهم، وأعطاهم أضعافَ ذلك، وقال لهم: دبِّروا هذا الكون، وكشف لهم من المجهولات والعواقب ما لا يُكشف إلا من قبل الله؛ ما استطاعوا أن يصنعوا أرضاً، ولا أكمل ولا أتمّ من هذا الكون. ويقول: ليس في الإمكان أبدع مما كان، ليس في الإمكان أن يُخلق كونٌ أفضل من هذا الكون، لأنَّ الله دبَّره وأحسن تدبيره، وقدَّر فيه كلَّ شيء أحسن تقدير، وكل شيء فيه بَقَدر: {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } [الفرقان:2]. {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ} [السجدة:7]. {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ } [النمل:88]. {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191]. لا يوجد أفضل من هذا، ولو كان في القدرة شيءٌ ادَّخره الله لكان هذا بخلاً من الله عزَّ وجل يناقض الجُود، أو ظلماً من الله يناقض العدل، فلا يُتَصَّور هذا في حقِّ الله عزَّ وجل. أو إنه عاجز عن أن يصنع كوناً أفضل من هذا الكون؟! لا، هذا ينافي القدرة الإلهيَّة. هذا الكلام قاله الإمام الغزالي في كتاب: (التوكل) من (الإحياء)، وناقشه بعض المتأخِّرين من العلماء وقالوا: إنَّ في هذا تحديداً لقدرة الله، وأنَّ قدرة الله لا يمكن أن يَحدُها شيء، واستدلُّوا عليه بهذه الآيات: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ }، وبقوله: {وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد:38]. الكلام فيه مناقشةٌ طويلةٌ: هل هذا في التَّغيير الجزئي، أم التغيير الكُلِّي؟ هل يخلق كوناً آخر، أم يستبدل قوماً غيركم ويأت بخلق جديد، ولكن الكون هو هو بما فيه؟! يبدو أنَّ هذا الكلام صحيح بأنَّ الكون هو هو، ولا يمكن أن يُبدع كونا أفضل من هذا الكون؛ لأنَّ الله أحسَنَ كلَّ شيءٍ فيه خَلْقَه، وأبدع كلَّ شيءٍ أعظَمَ إبداع، وَوَضَع كلَّ شيءٍ في مَوْضعه، وليس فيه أمرٌ اعتباطيٌّ، ولا أمر عبثيّ: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} [المؤمنون:115]. {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ } [الأنبياء:17]. يعني: ما كنا فاعلين: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} [الأنبياء:18]. {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أم صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ} حوار بين الضعفاء والمستكبرين يوم القيامة: ثم جاء المشهد الأُخرويُّ الذي يعضده القرآن، فيقول: {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً...} انتقلنا من الدنيا إلى الآخرة، من الكَفَرة المُكذِّبين وتهديدِهم لرسلهم حين قالوا لهم: {لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} إلى دارٍ أُخرى لها قوانينُها، ولها نظامُها، ولها مَلِكُها وحاكمها. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} البروز يعني: الظهور والانكشاف. ظهر الجميعُ أمامَ الله، وانكشف الجميعُ أمامَ الله، لا يوجد ساترٌ يستر ولا حاجز يَحْجُز، ولا غطاءٌ يغطِّي {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]. لم يَعُد هناك أحدٌ يدَّعي المُلك، في الدنيا ملوك يدَّعونَ: أنَّ الأرض أصبحت مِلْكاً لهم، وأنَّ السُّلطان في أيديهم، وأنهم يأمرون ويَنْهَون، ويحكمون ويتصرَّفون، وكأنَّما لهم شيء. في الآخرة زالَ هؤلاء جميعاً، وبقي المُلْك للمَلِكِ وحده: { لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } [غافر:16]، {يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار:19]. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً} انكشفوا، بُلِيَتْ السرائر، وأصبح كل شيء مكشوفاً، حتى أصبح الناس يحسُّون بكل شيء: {فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق:22]، {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [مريم:19]. {وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعاً}: السادة الكبراء، والفقراء والضعفاء، المتبوعون والتابعون، المحكومون والحاكمون، وشيطانهم الأكبر الذي أَضَلَّهم، كلُّ هؤلاء ظهروا، برزوا لله جميعاً. {فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ} كنَّا في الدنيا أتباعاً لكم، نأتمر بأمركم، نسمع لقولكم، ننتهي بنهيكم، تُديرون أمورنا كأننا قُطعانٌ من الأنعام، كنَّا تَبَعاً لكم: {فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ}؟! السيادة التي كانت لكم في الدنيا هل نرى لها أثراً في الآخرة؟! العَظَمة والهَيْلَمان الذي كنتم فيه من قبل، أين هو الآن؟! هل أنتم مُغْنونَ عنَّا من عذابِ الله من شيءٍ؟! {قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ} لا نستطيع أن نُغْنيِ عنكم شيئاً، ربما كانوا في الدنيا يَعِدونهم بأنهم يستطيعون أن يُخفِّفوا عنهم، أو يدفعوا عنهم البلاء، أو يشفعون لهم عند الله أو نحو ذلك. تبرُّؤ الأتباع من المتبوعين: كلُّ هذا ليس له أيُّ صَدَىً ولا أيُّ أثر، كما حكى القرآن قصَّة الأتباع والمتبوعين والتي تكرَّرت في القرآن كثيراً: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [البقرة: 166، 167]. وفي آيات أخرى في سورة الأعراف: {قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاء} أي: السادة الكبراء: {أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 38]. وفي سورة الأحزاب: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً} [68،67]. وفي سورة سَبَأ: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [سبأ:33،31]. وهكذا يتلاومون ويتبرَّأ بعضهم من بعض، وكلُّ هذا بعد دخولهم إلى النار، بعد أن ذاقوا العذاب، يلو