«الزواج الكبير» في رمضان أشهر عادات القمريين
باب الريان
09 أغسطس 2011 , 12:00ص
مبعوث العرب - محمد لشيب
بدأت أجواء رمضان تهل على جزر القمر عندما كانت «العرب» في زيارة لها، مما جعل منها فرصة لاستطلاع أحوال الناس مع الشهر الفضيل، وكيفية استقبالهم له وعن عاداتهم وطرائقهم، وإن كانت شبيهة لحد كبير مع عادات وتقاليد بقية الدول العربية والإسلامية، لكنها تتميز عنها بالشيء الكثير كما سنرى.
كما كانت الزيارة فرصة للوقوف على جملة من العادات الاجتماعية الأخرى التي -كما قلنا في حلقات سابقة- جاءت إفرازا للتنوع العرقي العربي الآسيوي والإفريقي المشكل للمجتمع القمري، ومن ذلك: عادة «الزواج الكبير».
عادات رمضانية
يترقب الناس في جزر القمر رؤية هلال شهر رمضان بفارغ الصبر، وعند إعلان انتهاء شهر شعبان، تبدأ ملامح الدنيا تتغير وتتبدل، ويعلو الطابع الروحاني بالبلاد، وتلاحظ البهجة والسرور على وجه كل مسلم، وترى الألسن تتبادل التهاني بحلول هذا الشهر الفضيل، وتشاهد أروع وأجمل آيات الحب والإخاء بين المسلمين.
يستعد المسلمون في جزر القمر لاستقبال شهر رمضان بدءًا من بداية شهر شعبان؛ حيث يعدون المساجد، منهم من يقومون بترميمها ليظهر بطابع جديد، ومنهم من يقومون بطلائها بأجمل الألوان مع تزيينها بأروع السجادات أو يغيرون المصابيح القديمة بالجديدة، كما أنّهم ينظمون الرفوف حيث توضع المصاحف لتكون جاهزة للذين يعمرون المساجد بالصلاة وقراءة القرآن الكريم.
كما أن هناك من ينظمون من بداية النصف الثاني من شهر شعبان حفلات متنوعة، كثير من الشباب يختارون تنظيم الحفلات الراقصة إيذانا بقدوم الشهر الفضيل، أحيانا تُنظم في الشواطئ ذات الرمال البيضاء الناعمة, حيث يسبحون ويأكلون ويشربون, أو في بعض المزارع أو المنتزهات التي تبعد عن مساكنهم.
ومن عادات القمريين خلال شهر شعبان إقامة حفلات الزواج ليعيش الخطيبان معا في عش الزواج خلال الشهر الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس، فيتم تنظيم ما يسمى بـ «المجالس» إشهارا لهذا الزواج, حيث يُدعى الكثير من وجهاء المدن والقرى لحضور المجلس، وتحضر فرقة موسيقية بدفوفها وتغني القصائد الدينية بحيث يقوم العريس وأقرباؤه وأصدقاؤه والحضور الراغبون بالرقص.
في العاصمة موروني، تقام «المجالس» في غالبيتها بساحة «باب الجنان» الواقعة في مركز المدينة قرب الجامع القديم، حيث حضرت «العرب» مراسم تزيين الساحة لأحد الأعراس، باللافتات التي خطت عليها الآيات القرآنية بخط عربي جميل والأحاديث النبوية والمصابيح الملونة، ووزعت الكراسي البلاستيكية على كافة أرجاء الساحة لاستقبال المدعوين بعد صلاة العشاء.
أما في يوم التاسع والعشرين من شهر شعبان وقبيل غروب الشمس، تتوجه الأنظار نحو السماء غربا، خاصة من حضروا في المساجد قبل صلاة المغرب، وكل واحد منهم يأمل أن يكون أول من يُبلِّغ عن ظهور الهلال، وحينما يتأكد ذلك يصيح الناس باللهجة المحلية «وُونِيْهَا Woneha» أي ظهر هلال شهر رمضان، ويكرر تلك العبارة أيضا الأطفال وهم يجوبون الشوارع والأزقة، أو تجد بعضهم يتوجهون بالبشرى إلى بيوتهم ليخبروا من فيها.
أما القرى البعيدة التي تصعب عليهم رؤية الهلال بظروف معينة أحيانا مثل الغيوم الكثيفة، تجد ممن فيها يجتمعون إلى من يملك الراديو ليستمعوا بيان دار القضاة عن ظهور شهر البر والصدقات، شهر رمضان المبارك.
ومن الليلة الأولى من رمضان، تمتلئ المساجد بالمصلين وتقام فيها صلوات التراويح وصلاة الوتر وحلقات الذكر وتلاوة القرآن الكريم, كما تكثر فيه الصدقات وأفعال الخير.
وفي النهار هناك من ينشغلون بأعمالهم اليومية، وبعد صلاة العصر تتوقف الحركة التجارية ويتوجه الناس إلى المساجد لحضور الحلقات الدراسية خاصة حلقات تفسير القرآن الكريم الني يقيمها الدعاة الخريجون من الجامعات الإسلامية كالمدينة المنورة والأزهر الشريف وغيرها، بعد آذان المغرب والصلاة يتوجه الصائمون إلى منازلهم للإفطار.
مائدة رمضان
تحكي الطبيبة سلمى أحمد علي من مدينة موروني العاصمة لـ «العرب» تفاصيل مائدة الإفطار، التي قالت إنها لا تختلف عن الشهور العادية من حيث التنوع، ورغم ذلك تتميز مائدة رمضان القمرية باحتوائها على المشروبات الساخنة والباردة والأطعمة المالحة مثل اللحوم خاصة اللحوم البيضاء كالسمك والدجاج وكذلك الأطعمة الشعبية مثل الموز الأخضر والبطاطا والكسافا، وتتضمن الوجبات في الغالب من حساء عبارة عن أرز مطحون ومفلفل، والشاي المزنجبل، كما تجد في بعض الأسر بعض المشويات كالبطاطس الحلوة والموز الأخضر, بحيث تؤكل مع اللحم أو السمك المشوي أو المقلي.
ومن مكونات وجبة الإفطار خاصة في القرى الموز الأخضر المطبوخ مع السمك أو اللحم, بحيث يتم المزج أثناء الطبخ بعصير لب جوز الهند، وأيضا تجد في بعض الأسر على مائدة الإفطار الخبز المحلي.
وتؤكد سلمى على أن المرأة القمرية تحرص قبيل حلول الشهر الفضيل على جمع الخشب الذي يستخدم في الطهي والأعشاب التي يعمل بها الشاي القمري، وعلى إعداد الحلويات والكعكات المحلية مثل كعك الأرز وجوز الهند والسكر والسامبكسة، وتعمل على تزيين البيوت ويلبس الأطفال ثيابهم الجديدة ويسيرون في الشوارع، وتضيف أنه في شهر رمضان المعظم تكثر الزيارات العائلية عند بيوت حديثي الزواج.
أما على المستوى الديني فتشير الدكتورة سلمى إلى أن من أبرز خصائص العبادات في رمضان الدروس الإسلامية التي تبث في جميع وسائل الإعلام الخاصة والعامة وتقام أيضاً مسابقات دينية في القرآن والسنة، كما يتم بث صلاة التراويح في التلفزيون القومي.
وتضيف أن المرأة القمرية تحرص على الالتزام بالزي المحتشم حتى لو كانت غير محجبة في غير رمضان، وتقوم أيضاً بأداء صلاة التراويح في المساجد بعد التفرغ من واجباتها المنزلية.
الزواج الكبير
وفي مقابل هذه العادات الجميلة الطيبة، تنتشر بين القمريين الكثير من الأعراف والتقاليد الموروثة التي تحولت بفعل المداومة عليها في حكم الواجب المفروض، ومن أخطر هذه العادات ما يسمى عندهم بالزواج الكبير «le grand mariage» (أو زواج العادة).
يتحدث لنا السيد عبدالله معيوف الجعيد رئيس مكتب رابطة العالم الإسلامي بجزر القمر عن هذه العادة التي يقول إنها لا تزال منتشرة بكثرة بين أهالي جزر القمر، ويؤكد أنه يمكن للقمري أن يتزوج زواجا شرعيا عاديا وبأقل التكاليف الممكنة التي قد لا تتجاوز 150 ريالا قطريا، وهو ما يسمى في عرف القمريين بـ «زواج العفة»، لكن هذا الزواج يحرم صاحبه من جملة من الأمور، حيث لا يحق له الحل والعقد في قريته، ولا حتى إبداء الرأي، إن لم يكن من طلبة العلم الذين يمكنهم طرح آرائهم، كما لا تحق له الصلاة في الصفوف الأولى يوم الجمعة، ولا يتصدر المجالس، ويجب عليه السمع والطاعة لمشايخ قريته الذين تزوجوا زواج العادة «الكبير»، وإلا قوطع، ولا يحق له لبس الجبة (الجوخ) أو الشال خاصة اللون الأخضر، ولا يشترك في المغانم، وعليه المساهمة في المغرم.
ويضيف الجعيد أن تكاليف الزواج الكبير تتراوح ما بين 50 ألف ريال و400 ألف ريال، حسب قدرة الشخص والمكانة التي يطمح إليها، ويعتبر هذا الزواج فرصة لتحقيق الذات وبلوغ المكانة الاجتماعية، ومن غرائبه أن المرأة هي التي تتكفل بتوفير البيت، وغالبا ما يكون بحسب المهر الذي سيدفعه الرجل، ويكون على الزوج تحمل تكاليف الحفل والولائم التي قد تصل إلى عشرة أبقار و150 كيسا من الأرز وغيره من المواد الغذائية التي يقوم العريس بتوزيعها على أهالي قريته وأقربائه وأصدقائه، حيث إن كل بيت سيقوم بطبخ هذه المواد وتجهيزها للولائم في الأيام المقبلة، ويقوم كل بيت باستضافة مجموعة من المدعوين.
ويصف السيد عبدالله الجعيد مراسم الزواج الكبير الذي قد تصل أيامه إلى 14 يوما أو أكثر، بكونها تنطلق في الغالب يوم الخميس بمجلس ذِكر، وتبدأ الوفود التي تحضر هذا المجلس بالتوافد من القرى المجاورة والقرى البعيدة، ويكون المجلس عبارة عن مجلس ذكر يبدأ بتلاوة آيات من القرآن الكريم ثم كلمة تهنئة ومدح للعريسين وأهلهما ثم كلمة حول مشروعية وفضل الزواج من أحد طلبة العلم, ثم كلمة لمفتي الدولة, ثم يختتم المجلس بقصائد على إيقاع الدف تنشدها فرقة خاصة بذلك، ويقوم الحاضرون بالرقص على إيقاع تلك القصائد، وعند انتهاء المجلس يتم توزيع مبالغ مالية تبرعا لصندوق القرية ولبعض المشاريع الأخرى في القرية مثل جامع القرية, ودفع مبالغ مالية لجميع الوفود التي حضرت عن تكاليف قدومهم للمجلس.
وفي اليوم التالي (الجمعة) تبدأ الاحتفالات من الصباح بتشغيل الأغاني المحلية الخاصة بهذه المناسبة على مكبرات الصوت حتى يقترب وقت صلاة الجمعة، فيذهب العريس لصلاة الجمعة لكن ما زال لا يحق له لبس الجبة والصلاة في الصف الأول.
ثم يوم السبت وبقية الأيام الأخرى تكون كلها على غرار يوم الجمعة تبدأ بإذاعة الأغاني عبر مكبرات الصوت، يخصص بعد العصر للنساء وبعد العشاء للرجال، ويتم فيه دفع مبالغ من الحاضرات للحفل للعروس، ويتم قيد جميع المبالغ التي تم دفعها من الحاضرات كل باسمها والمبلغ الذي دفعته, بحيث يعاد لها نفس المبلغ في حفلتها.
وفي يوم الأحد يبدأ الحفل كذلك من الصباح ويتم فيه زفة الرجل إلى بيت زوجته مروراً بأحياء القرية كلها، ويُحمل معه الذهب في ألوح من الخشب، وترفع هذه الألواح عالياً حتى يرى الناس الذهب وأنواعه وكميته والتي قد تتراوح بين نصف كيلوغرام و3 كيلوجرامات أو يزيد، وعند وصوله بيت الزوجة يؤذن له أذان الصلاة ثم الإقامة، وبعد ذلك يدخل البيت وينثر على رأسه الأرز دفعاً للحسد، ويقوم بالإعلان عن المهر أمام الناس ودفع المبلغ لوالد الزوجة، والذي عادة يأخذه لسداد الديون التي استدانها لبناء وتجهيز بيت ابنته وإقامة الحفل الذي يكون عليهم، وما تبقى من المهر يذهب للزوجة.
وتتوالى الولائم يوميا، مرة خاصة بالشيوخ (الذين تزوجوا الزواج الكبير) ومرة للشباب, وأخرى للصبيان، إلى أن نصل ليوم الثلاثاء الثاني الذي يكون مخصصا للهدايا التي سيحضرها الزوج لزوجته، وتحمل من بيت أهل الزوج في موكب من النساء من أقارب الزوج، قد يصل الموكب إلى أكثر من مئة امرأة يمرون في الحي كاملا حتى يتسنى للناس مشاهدة هذه الهدايا والتي تُحمل إلى بيت الزوجة والذي أصبح بيتهما، وتتكون هذه الهدايا غالباً من 100 قطعة (ما يسمى سالوفا) وهو أشبه بالشال لكنه نسائي يوضع عادة على الكتفين أو الرأس، و100 قطعة (ما يسمى شيرومان) وهو أشبه بالعباءة المفتوحة ويلف حول الجسم فوق الملابس، و100 قطعة بالطو (البالطو الأسود)، وثوب (يسمى سهاري) وهو فستان ذهبي اللون به خطوط سوداء، و100 من كل قطعة ملابس داخلية, ومثلها ملابس النوم, ومثلها للحمام, وأيضاً المطبخ... وهكذا، و100 زوج نعال من جميع الأنواع (أحذية, صنادل, بالكعب ومن دون الكعب).
وخلال الجمعة الثانية من هذه الاحتفالات يمكن للعريس الذهاب لجامع القرية مرتدياً هذه المرة جبة الشيوخ والشال، ويحق له الصلاة في الصف الأول، وبهذا تكون طقوس «الزواج الكبير» قد اكتملت.