النعمة: الإفساد من داخل صفوف المسلمين أشد من الإفساد الخارجي
محليات
09 يوليو 2016 , 01:18ص
محمد سيد احمد
ركّز الداعية الشيخ عبدالله النعمة في خطبة الجمعة أمس على موضوع الفساد بكل أنواعه، وخطره على الإسلام والمجتمعات، وحذّر من إسراف المفسدين في سفك دماء الأمة بحجج واهية، مذكرا بأن فكر هؤلاء المنحرف، وجهادهم المزعوم لم يدفع عن الأمة عدوا، ولم يجلب لها خيرا، بل إن بطشهم وطيشهم لا يعرف طريقا إلا إلى المسلمين، الذين استهان هؤلاء بدمائهم، فراحوا يوزعون القتل يمنة ويسرة على أهل الإسلام، فكان فسادهم أشد على الأمة من فساد أعدائها الخارجيين، مشيرا إلى أن هذا هو دأب المنافقين منذ فجر الإسلام.
وقال: «خلق الله سبحانه وتعالى الخلق والسموات والأرض وما فيهما بالحق والعدل، والميزان والصلاح، والخير والفضل، على أحسن نظام وأبدع صورة، واصطفى سبحانه الملائكة المقربين حوله وطهرهم وشرفهم بعبادته، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وأسكن سبحانه وتعالى في الأرض الثقلين، الجن والإنس، وكانت الغاية العظمى التي خلقوا من أجلها، وأهبطوا بعد ذلك إلى الأرض، عبادة الله سبحانه وتعالى وطاعته، وإقامة العدل، وعمارة الأرض، والإصلاح فيها، ولأجل ذلك تعجب الملائكة عليهم السلام حين أخبرهم الله سبحانه وتعالى أنه جاعل في هذه الأرض الصالحة الجميلة خليفة من البشر، وتخوفوا أن يفسدوا فيها، فقال سبحانه: (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون)، وكان الله سبحانه وتعالى كلما انحرف الناس عن الدين الصحيح وكثر الفساد في الأرض بما كسبت أيدي الناس، بعث لهم من يجدد الدين ويحارب الفساد ليصلح ما أفسده الناس، حتى كان محمد عليه الصلاة والسلام آخر الأنبياء وخاتمهم الذي أصلح الله تعالى به الأرض بعد إفسادها وجعله رسولا للعالمين إلى يوم الدين، وجعل دينه دينا للناس أجمعين، وأمته أمة وسطا شاهدة على العالمين، فكان الإصلاح في الأرض وإقامة دين الله، ومحاربة الفساد ونشر الأمن والعدل والسلام بين الخلق هو الغاية العظمى التي من أجلها أرسل الرسل، وأنزلت الكتب، وكانت مهمة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين، الإصلاح ومحاربة الفساد في الأرض.
الفساد أعظم مقوض للسعادة
وأكّد أن أعظم مقوض للسعادة وهادم للمجتمعات ومهلك للمجتمعات والشعوب هو الفساد، سواء أكان فسادا عقديا بعبادة غير الله وصرف العبادة لسواه، أو الفساد العملي المتمثل في محاربة شريعة الله والعمل على تغييرها وإقصائها، وإهمال العمل بها، أو الفساد الاجتماعي المتمثل في ظلم الناس وإذلالهم وسلب حقوقهم وأرزاقهم وكتم أنفاسهم وحرياتهم، والاعتداء على أعراضهم، وسفك دمائهم بغير حق، أو الفساد الأخلاقي المتمثل في إشاعة الفاحشة في مجتمعات المسلمين، وتزيين المنكرات والمعاصي للناس، وتربيتهم عليها، والتساهل فيها والسعي لتغريبهم عن دين ربهم وسنة نبيهم عليه الصلاة والسلام، في الأفعال والأقوال والهدي واللباس. لأجل هذا أيها المسلمون أمر الله سبحانه وتعالى بالإصلاح في الأرض، ونهى البشر عن الإفساد بقوله: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، وقال: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). قال الإمام ابن كثير: «ينهى الله سبحانه وتعالى عباده عن الإفساد في الأرض وما أضره بعد الإصلاح، فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان أضر ما يكون على العباد فنهى الله تعالى عن ذلك».
الأمة الاسلامية تمر بأيام عصيبة وظروف قاسية
ولفت فضيلته إلى أن الأمة الإسلامية تمر –ولا تزال- في سنواتها الأخيرة بأيام عصيبة وظروف قاسية، حروب طاحنة، وصراعات مدمرة، وسهام موجعة، وضربات قاصمة من هنا وهناك، تفرق في الصف، واختلاف في الكلمة، وتقاطع وتطاحن من أجل مصالح شخصية، وأمور خلافية هامشية، فتن وبلايا ومحن يموج بعضها في بعض، تجعل الحليم حيرانا، والأنكى من ذلك والأشد على النفوس أن يكون غالب هذه السهام والفتن توجه للمسلمين وبلادهم ومجتمعاتهم على أيدي بني جلدتنا ومن يتكلمون بألسنتنا ويعيشون بيننا، وينتسبون للإسلام ويدعون الصلاح المزعوم ونصرة المظلوم، وهم أبعد الناس عن هذا، فليس هذا بمستغرب، ولا بجديد على الأمة الإسلامية، فلقد ابتليت الأمة الإسلامية منذ فجر الإسلام بأعداء أخفياء، مرد بهم النفاق وضل بهم الصراط وزلت بهم الأقدام وخار بهم الفكر، جمعهم الهوى وحب الفساد في الأرض، لا نفع فيهم لأمتهم ولا دينهم ولا أوطانهم، فهم معاول إفساد وهدم، وتفكيك للمجتمع المسلم، وزعزعة للثوابت والقيم والمسلمات وإذكاء للفتن والخلافات.
ونبه على أن خطورة الإفساد من داخل صفوف المسلمين أشد من الإفساد الخارجي، لأن ظلم ذوي القربي أشد على النفس من وقع الحسام المهند، لذا حذّر الله منهم ومن خطرهم وكيدهم، وحذّر النبي صلى الله عليه وسلم من أمثالهم في آخر الزمان، فقد جاء في صحيح مسلم حينما سأل حذيفة بن اليماني رضي الله عنه، النبي قائلا: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال نعم، فقلت فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم، وفيه دخن، قلت وما دخنه يا رسول الله؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر، فقلت يا رسول الله هل بعد ذلك الخير شر؟ قال: نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم قذفوه فيها، فقلت يا رسول الله صفهم لنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: قوم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا).