أمضيت 3 سنوات من العمل على مصحف قطر وكتبته بخط النسخ

alarab
باب الريان 09 يوليو 2015 , 07:13ص
حامد سليمان
قضى حياته مهتماً بالخط العربي، فمنذ صغره سعى تعلم هذا الفن، ثم شارك في عدة مسابقات كان أبرزها التي اختير على أساسها لكتابة مصحف قطر، هو السوري عبيدة البنكي الذي أمضى 3 سنوات من العمل لإخراج مصحف قطر في أبهى صورة، وتظل أمنيته -كما قال لـ "العرب"- كتابة نسخ جديدة من كتاب الله، فلا أشرف من عمل قائم على خدمة القرآن الكريم.
ويقول عبيدة البنكي، خطاط مصحف قطر: بدأ حبي للخط العربي منذ صغري، فأبي كان معلماً للغة العربية وكان يدير إحدى المدارس بدير الزور السورية، فنشأت على حب اللغة وتأثرت بأحد المعلمين المتخصصين في الخط العربي، فلامس شغف لدي بهذا الفن الراقي وبدأت في تعلم الخط العربي.
وأضاف: في المرحلة الابتدائية كنت متفوقاً على أقراني في الخط العربي، ومما أذكره أن وفداً زار المدرسة فطلب مني المعلم الكتابة على السبورة، وفوجئت بتصفيق حار من الوفد الزائر، وهذا كان في الصف الثاني الابتدائي.
وأردف البنكي: كنت مطلعاً على الكتب المتخصصة في الخط العربي، حيث كان لأبي مكتبة بها الكثير من الكتب المتخصصة، فكنت أقلد الخطوط وأسعى لتطوير نفسي في هذا الفن منذ الصغر، ومن بين المراجع التي حاولت جاهداً الاستفادة منها كان مرجعاً للخطاط المعروف هاشم محمد البغدادي، فكان مفيداً جداً لي، إضافة إلى الاستفادة من المتخصصين في هذا الفن بمحافظة دور الزور.
وأوضح أن المرحلة التالية كانت بانتقاله للعاصمة دمشق، ولقائه بخطاطين المصاحف المعروفين أحمد الباري ومحمد القاضي، فاستفاد منهما بصورة كبيرة، ثم كانت محطة اسطنبول التي انتقل إليها البنكي والتي يعتبرها أحد أبرز عواصم الخط العربي في العالم، فاهتمام الأتراك بهذا الفن يفوق الدول العربية، على حد وصفه، مرجعاً هذا إلى ما تركته الحضارة العثمانية من آثار.
وأردف خطاط مصحف قطر: تتلمذت على يد الخطاط حسن شلبي، وهو أحد البارزين في هذا الفن، وحصلت على الإجازة منه عام 1999 وهي شهادة يحصل عليها الخطاط في هذا الفن ويمكنه أن يمنح الإجازة لغيره من المختصين أو الراغبين في التخصص بالخط العربي.
مصحف قطر
وبيّن البنكي أن انتقاله لقطر كان في عام 2001 عن طريق دعوة وجهتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للمشاركة في مسابقة عالمية لكتابة مصحف قطر، فكان آنذاك في السعودية، فحضر إلى قطر للمشاركة في هذه المسابقة المتميزة.
ولفت إلى أن مصحف قطر خرج من مسابقة دولية على غير كافة النسخ الأخرى حول العالم والتي تكتب بتكليف لخطاط بعينه، فالمسابقة التي جرت في قطر وقفت على أفضل الخطاطين بالعالم، وهذا اختلاف جوهري يصب في صالح نسخة مصحف قطر، والمسابقة حتى الآن تبقى على قمة مسابقات الخط العربي في العالم.
وأشار البنكي إلى أن مصحف قطر يعد نسخة للدولة، ففي السابق كانت تعتمد على أذون تأخذها من دول أخرى لطباعة المصحف داخل البلاد، أما الآن فالنسخة ملك لدولة قطر يمكن أن تطبع منها ما تشاء وتهدي إلى من تشاء.
وأوضح أن أحد أبرز الضوابط الفنية التي يحرص عليها خطاطو المصحف، توزيع الكلام على الصفحة الواحدة، بحيث لا يكون هناك تزاحم بالكلمات في صفحة على عكس صفحات أخرى، وأن تكون الصفحات منسجمة فيما بينها، إضافة إلى انتهاء الآية بسطرها، فلا يكمل القارئ نفس الآية في صفحة أخرى، فلا يحق للخطاط أن يبقي جزءاً من الآية في صفحة جديدة، ناهيك عن جمال الخط وجودته.
وقال خطاط مصحف قطر: الفروق بين مصحف وآخر تكون في جمال الخط، فجوهر المصحف كما هو ومحفوظ من رب العالمين، فالخط عبارة عن مسحة وروح جمالية يدخل قلب القارئ عندما يرى فيه هذا الجمال، وهو أمر مطلوب منا، وعلينا أن نجمل كلام الله قدر المستطاع.
وأضاف: الخط العربي تطور ووصل لمراحل جمالية عظيمة من خلال التنافس في كتابة كلام الله، فقبل رسالة النبي صلى الله عليه وسلم كان الخط وسيلة عادية للكتابة، لا فرق بينه وبين خطوط الأمم الأخرى، التي لا تعتبر فنوناً، فهي لا تعدو كونها وسيلة للتداول فحسب، على عكس الخط العربي الذي صار من الفنون العالمية، فنجد من ينبهر بجمال الكتابة التي تعتمد على قواعد هندسية جميلة وحسابات رياضية دقيقة.
وأردف: عدد محدود من الدول التي لها طبعات خاصة من القرآن الكريم، منها المملكة العربية السعودية، ولسوريا والعراق طبعات قديمة يطبعون منها، وبعد التجربة المتميزة لقطر حرصت عدد من الدول على أن تحذو حذوها، ولكن يبقى إجمالي عدد الدول التي اتخذت هذه الخطوة حتى الآن معدوداً.
وأشار خطاط مصحف قطر إلى أن العمل على مصحف قطر استغرق قرابة 3 أعوام ونصف من العمل المتواصل والجاد والتفرغ الكامل، فكتاب الله يحتاج إلى تفرغ كامل، فكل صفحة تحتاج إلى أن توزع بالقلم الرصاص، فقد يرفع الخطاط كلمة إلى السطر الأعلى أو العكس، فالتوزيع يكون جديداً ولا يتقيد الخطاط بالتوزيع السابق، ثم يكتبها على صفحة بيضاء، ثم يخطها بصورة نهائية، ويحتاج الخط في النهاية إلى بعض الرتوش الصغيرة يتم عملها بسكين دقيق.
ولفت إلى أن الخطاط يستخدم نوعيات خاصة في كتابة المصحف، فهي نوعية ألمانية تقبل التصحيح والكشط بالمشرط لمرة واحدة، فإن تكرر الخطأ فيستعين الخطاط بورقة أخرى.

تقدم تركيا بالخط
وأكد البنكي أن تركيا من أكثر دول العالم اهتماماً بالخط العربي، فالدولة غير الناطقة بالعربية لديها أكاديميات ومعاهد وجامعات تهتم وتدرس فنون الخط العربي، وصولاً إلى مرحلة الماجستير والدكتورة في هذا الفن، بينما لا يوجد بالبلدان العربية تخصص يعنى بهذا العمل العظيم، مشيراً إلى أن إيران أيضاً من أكثر الدول اهتماماً بالخط العربي، في حين أن الدول العربية لم تحذو حذو هاتين الدولتين غير العربيتين.
ونوه خطاط مصحف قطر إلى أن النسخة الجديدة التي يرغب في كتابتها من المصحف هي على رواية ورش وقالون، فالكثيرون يحاولون تحويل المصحف برواية حفص للروايات الأخرى، موضحاً أن الخط لا يكون منسجماً ككتابة الرواية بصورة منفصلة، فالبعض يستخدم التقنية الحديثة في تحويل نفس النسخة لعدة روايات، ولكنها لا تخرج بنفس جودة وجمال الخط بنسخ منفصلة.
ولفت إلى أن غالبية نسخ المصاحف التي بروايات غير رواية حفص تكون بالخط المغربي، وهي خطوط مجهولة لدى بلدان المشرق العربي، وهي في دول المغرب خطوط تراثية ولكنها تبقى أقل جمالا من الخط العربي، فحتى الخطاطين ليس لديهم القدرة على قراءة هذه الخطوط.
وأكد البنكي أن نهضة الخط العربي مرهونة بمدى اهتمام المسؤولين بهذا الفن، مذكراً بالجائزة التي حصلت عليها امرأة بريطانية عن بحث طلب عن كيفية النهوض بالأديب، وكان جوابها في كلمة واحدة وهي "التشجيع"، فكل فن يحتاج إلى تحفيز الفنان بكافة السبل، ولا يتأتى ذلك إلا من خلال توجه الدولة ككل.
ولفت إلى اهتمام الدولة العثمانية بالخط العربي، فكان السلطان العثماني محمود يمسك الدواة للخطاط الحافظ عثمان وهو يكتب المصحف، فكان يعتبرها بركة، فقال السلطان له يوماً: لا أظن أن خطاطاً مثلك سيأتي، فرد عليه الحافظ عثمان قائلاً: إذا جاء سلاطين مثلك يمسكون الدواة للخطاط سيخرج من هو أفضل مني، وهي من أبرز قصص تشجيع الخطاطين عبر التاريخ.
وعرض البنكي إحدى نسخ المصحف التي هداها له الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فهي نسخة من طبعة خاصة ربما يرجع تاريخها لعهد السلطان سليمان القانوني، وهي بعدة أنواع من الخطوط العربية، وقد حصل عليها كهدية فهو غير مطروح للبيع، مؤكداً أن لديه عدداً من النسخ النادرة للمصحف الشريف، ومنها نسخة من مصحف سيدنا عثمان بن عفان.
وأشار إلى أن المصحف المنسوب لعهد سيدنا عثمان يوجد منه 500 نسخة فقط حول العالم، لافتاً إلى أن النسخة الأصلية موجودة بأحد متاحف اسطنبول، ولا يطرح لمشاهدة الجمهور إلا خلال شهر رمضان.
وأوضح خطاط مصحف قطر أن الخطوط العربية بها ما يقرب من 80 إلى 100 نوع، إلا أن المتداول في الوقت الحالي قرابة 15 إلى 20 فقط.
اهتمام قطري
وأكد البنكي أن قطر بدأت تولي اهتماماً واضحاً بالخط العربي، سواء من خلال المعارض التي تنظمها أو تشارك بها، أو من خلال متحف الفن الإسلامي، إضافة إلى مركز الشيخ عبدالله بن زيد آل محمود الثقافي الإسلامي، ومؤسسة الحي الثقافي "كتارا".
ونوه إلى أنه تحول من مشارك في غالبية المسابقات الدولية في الخط العربي إلى حكم في هذه المسابقات، وآخر الدعوات التي وردت إليه كانت من دولة الإمارات للتحكيم في ملتقى دبي الدولي للقرآن الكريم، ويتمثل في 30 خطاطاً يكتب كل منهم جزءاً من كتاب الله، وتقوم لجنة من 3 حكام بتقييم عمل الخطاطين، مشيراً إلى أنه حكّم في النسخ الماضية من نفس الحدث.
وأشار إلى أن مصحف قطر كُتب بخط النسخ، مبيناً أنه بات الخط السائد في الكثير من الكتابات العربية، كونه أوضح الخطوط العربية المعلومة لجماله ووضوحه اللذين يميزانه عن غيره، إضافة إلى أنه يقبل حركات التشكيل دون غيره من الخطوط، والثلاثة قرون الأخيرة استقرت على هذا الخط لكتابة المصحف الشريف.
ولفت إلى أهمية تدريس الخط العربي لطلاب المدارس، مبيناً أن التدريس لن يخرج خطاطين بقدر ما يزيد من قدرة الطالب على تذوق هذا الفن، فليس من المطلوب أن يكون لدينا جيل من الخطاطين الجدد، بقدر حاجتنا إلى جيل قادر على تمييز الفن، والخط العربي فن جميل يعلم الطفل الكثير من الأمور التي تنعكس على حياته، من بينها الانتظام والنظافة وغيرها من الأمور التي تستنبط من الخط العربي.
وأوضح أن الخطوات التي اتخذتها دول الخليج بشكل عام بشأن الخط العربي تحتاج إلى المزيد من الجهد، موضحاً أن هذا الفن ما زال متركزاً في تركيا والعراق وسوريا ومصر.
وقال خطاط مصحف قطر: لا شك أن تراجع مستوى تدريس اللغة العربية أثر بصورة مباشرة على الخط العربي، فالكثيرون يفضلون تدريس الإنجليزية واللغات الأجنبية لأبنائهم الآن، ما أثر بصورة مباشرة على اللغة العربية.
وأضاف: تحمسي لكتابة مصحف قطر2 يأتي من نذري حياتي لكتابة ودراسة كتاب الله، وسأعمل على مصحف بعدة خطوط خلال الفترة المقبلة، وربما يسبق في عمله مصحف قطر2، فهمي الأول والأخير هو أن أوظف كل طاقاتي لكتابة المصحف، وقد تركت سوريا من أجل هذا الحلم، فخدمة كتاب الله حلم ما زالت قائماً بداخلي.
وشبّه البنكي مخرجات التقنية الحديثة بخاتم الفضة الذي يشبه في صناعته خاتماً ذهباً، فالصانع ربما يكون واحداً لكن قيمة الذهب أعلى وأجود، كذلك قيمة الكتابات اليدوية بالخط العربي أكثر جمالية من المعتمدة بصورة أساسية على التقنيات الحديثة.
وأوضح خطاط مصحف قطر أن الأوراق والأحبار التي يستخدمها الخطاطون هي خاصة بهذا العمل، فالأوراق تصنع بدقة عالية، والأحبار تصنع يدوياً ويتطلب صنعها جهداً كبيراً، فتصنع من سخام النفط أو زيت الزيتون أو زيت بدر الكتان، إضافة إلى الصمغ العربي ومواد أخرى، ويتم دقها بالهون يدوياً لقرابة 100 ألف دقة.
ولفت إلى أن الأوراق التي يستخدمها مصنعة يدوياً، ويمكن أن تعمر مئات السنين على عكس الأوراق المصنعة بصورة تقنية التي تبلى سريعاً، موضحاً أن النسخ المطبوعة من مصحف قطر رغم كونه اعتمد على أوراق صناعية، ولكنها من أنواع فاخرة جداً.
ولفت البنكي إلى أنه لا يمكن إخراج المصحف مكتوباً على الأجهزة الحديثة بنفس جودة الخط العربي على الأوراق، فالبرامج الموجود لا تخرج الكتابة إلا جامدة لا حياة فيها كما نرى الروح والجمال في الخط العربي، فالجهد البشري والعمل اليدوي مقدم على كل شيء.
وأشار إلى أن فن الخط العربي يحتاج إلى صبر في التعلم، إضافة إلى المزيد من الصبر في الكتابة، والخطاط معتكف طول يومه من أجل عمله، مضيفاً: فنادراً ما أخرج من بيتي أو استقبل أشخاصاً، لأن عملي يتطلب هدوءاً تاماً، لذا فالخطاط يحتاج إلى رعاية كاملة من الدولة.
وأعرب البنكي عن أمنيته بأن يكتب مصاحف جديدة، معتبراً أن خدمة كتاب الله شرف لا يضاهيه شرف، وأنه يحلم بأن يمضي حياته في هذا العمل.