

الدرس الحادي عشر
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ*كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ*أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}[البقرة:240-243].
الآيات الكريمة من سورة البقرة، تتحدث عن موضوعين:
الموضوع الأول: تتمةٌ لما اهتمت به السورة، وعُنيت به السورة أبلغ العناية، وهو موضوع الأسرة، والعلاقات الزوجية.
الموضوع الثاني: يتعلق بقصة من قصص بني إسرائيل سنتحدَّث عنها. أمَّا الموضوع الأول: فيتعلق بالنساء اللائي توفي عنهنَّ أزواجهنَّ، يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}، الأزواج هنا: جمع زوج، وكلمة زوج في اللغة العربية تصلح للرجل وتصلح للمرأة، الرجل زوج، والمرأة زوج، كأنَّ من أسرار ذلك أنَّ كلّ واحد منهما يمثِّلُ الآخر، فهو في الصورة فردٌ وفي الحقيقة زوج.
وصية الله للأزواج لزوجاتهم
{وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}، أي نساءً، أي زوجات بالتعبير المعتاد عندنا. هؤلاء الذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا، {وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ}، أي عليهم أن يوصوا وصيَّة لأزواجهم، أو يوصيهم الله تعالى وصيةً لأزواجهم، فهذه الوصية إمَّا من الله تعالى، وإمَّا من الرجال لأزواجهم من بعدهم، هذه الوصية: {مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ}، متاعًا لمدة حوْل كامل، يتمتعن بالنفقة وبالسُّكنى، بالإقامة في بيت الزوجيَّة، لا يخرجهن أحد من هذا البيت، إلاَّ إذا أردن هن أن يخرجن، فإن خرجن {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ}، الأمر لهنّ إذن، هُنَّ مخيرات إن أردن أن يبقين في بيت الزوجية لمدة سنة ولهن النفقة، النفقة في هذا البيت، فلا بأس بذلك، وإن رغبن في الخروج، فلا مانع أيضًا، هذه هي الآية الكريمة.
مدى صحة القول بنسخ هذه الوصية
وقد ذهب كثيرٌ من المفسرين إلى أنَّ هذه الآية منسوخة بالآية التي سبقت من قبل، والتي تحدد العدَّة بأربعة أشهر وعشرًا، وهي قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا}، قالوا: الآية السابقة نسخت الآية اللاحقة، ذهب إلى ذلك كثيرٌ من المفسرين.
ولكنَّ عددًا من مفسري السلف ومنهم مجاهد المفسر التابعي الكبير، وعطاء قالوا: إنَّ هذه الآية غير منسوخة، الآية السابقة تحدِّد العدَّة التي تنتظرها المرأة ولا يجوز لها أن تتزوج قبل مرور هذه العدة، أربعة أشهر وعشرة أيام، لا يجوز لها أن تتعرض للخِطبة إلاَّ أن تقضي هذه المدة، وهي مدة حداد بالنسبة للمرأة المتوفى عنها زوجها، تقضيها في بيت الزوجية، جبرًا ولا تخرج منه إلاَّ لضرورة، وإلاَّ لحاجة، وتترك الزينة والطيب والتعطر، ولا تتعرض للخطاب، وفاءً للحياة الزوجية السابقة، هذا أمرٌ مفروض عليها، ذلك ما ذكرته الآية السابقة.
أمّا هذه الآية فتذكر شيئًا آخر، هذا الشيء الآخر هو أنَّه من حقها أن تبقى في بيت الزوجية لمدة سنة، تكملة الحول، سبعة أشهر وعشرين ليلة كما جاء عن مجاهد، هذا حقٌّ لها، وما جاء في الآية الأولى واجبٌ عليها، ولا تنافي بين الأمرين، الحقُّ لا ينافي الواجب هناك، فهذا ما بعد الأربعة أشهر وعشرة أيام فهي مخيرة فيه، أمَّا قبل الأربعة أشهر وعشرة أيام ففرض عليها، إلاَّ أن تكون حاملاً فعدتها وضع الحمل، متى وضعت الحمل انتهت عدتها طالت المدة أم قصرت. فهنا يذكر الله سبحانه وتعالى هذه الوصية للأزواج بعد وفاة أزواجهن.
عناية الله بالنساء
وهذه عناية من الله سبحانه وتعالى بالنساء المتوفى عنهنّ أزواجهن، وقد كانت المرأة المتوفى عنها زوجها تعامل في الجاهلية معاملة سيئة، وتمكث في أردأ الأماكن، وتؤدي كثيرًا من الشعائر الغريبة التي لا معنى لها؛ فخفَّف الله عنها وجعل لها هذه الوصية، فالأولى كما قال الإمام ابن كثير: تحمل هذه الآية وتبقى محكمة دون أن يقال بالنسخ، واللفظ يساعد على هذا، وهذا ما رجحه كما قال ابن كثير شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- ولا معنى أن ننسخ الآيات بالظن، لا نقول بنسخ آية ما لم يكن هناك يقينٌ بالنسخ، وإذا وجدت معارض وتعارض حقيقي بين النصين بحيث لا يمكن الجمع ولا التوفيق بينهما، لا نقول بالنسخ، وهنا يمكن الجمع والتوفيق بين الآيتين بسهولة.
{فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، عزيزٌ غالبٌ فلا بدَّ أن يطاع فيما أمر، حكيمٌ في كلِّ ما يأمر به وينهى عنه، وما يشرعه لعباده من شرائع وأحكام.
حق المتعة للمطلقة
ثمَّ يقول الله تعالى: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}، هذا أمرٌ آخر من أمور الأسرة للمطلقات، المرأة التي كُسِرَ قلبها بالطلاق ينبغي أن تعوَّض، الطلاق أبغض الحلال إلى الله، ولا ينبغي أن يُلجأ إليه إلاَّ لحاجة، فهو أشبه بعملية جراحية، لا تشق البطن ولا يُقدم أحدٌ على هذا إلاَّ لحاجة ملحَّة، فهذا هو شأن الطلاق، وإذا كُسرت مشاعر المرأة بالطلاق، فينبغي أن تُمتع وأن تعوَّض، هذا لكلِّ المطلقات.
الآية التي سبقت قبل ذلك كانت للنساء اللاتي لم يُفرض لهنَّ مهر، ولم يُدخل بهنَّ، قال الله تعالى: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}[البقرة:236]، كان ذلك في نوع خاص من النساء، وهذه الآية في كلِّ المطلقات، ولا تنافي بين التعميم والتخصيص، خصص أولئك لمزيد عناية بأمرهن، ولكن هذه الآية -كما ذهب عدد من مفسري السلف- تشمل كلَّ المطلقات، وهذا هو الذي يطمئن إليه القلب، أن تعوض المرأة المطلقة، بماذا تعوض، وبكم تعوض؟ لم يحدد ذلك القرآن، القرآن في كثير من أمور الأسرة يتركه للمعروف، أي ما تعرفه الفطر السليمة، ما يعرفه أهل الفضل من الناس، ما يحكم به العقلاء من الناس.
هناك أمران في سورة البقرة يضبطان العلاقات الزوجية
الأول: حدود الله.
الثاني: المعروف.
حدود الله: الأوامر والنواهي الإلهية، والمعروف: هو العرف الفاضل الذي يحكم به العقلاء وأهل الفضل وأهل الرأي من الناس {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ}، فليس إذن هو مندوبًا ومستحبًا كما يقول بعض الفقهاء، ولكنه حقٌّ، وحقٌّ عليهم، فكلمة حق وكلمة على تفيد الإلزام، وهذا الذي ينبغي أن يكون.
{كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، هكذا يبين القرآن، وهكذا يبين الله آياته للناس ليعقلوا وليهتدوا، الله أنزل هذا الكتاب للناس ليتعلموا، ليهتدوا إلى الشرع الحكيم والمنهج القويم في حياتهم الفردية والأسرية والاجتماعية، وبذلك يكون هذا شفاء ورحمة لهم، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}[الإسراء: 82].
الموضوع الثاني هو قصة الملأ من بني إسرائيل
ثمَّ تتعرض الآيات لموضوع آخر، وقصة ممَّا حدث لبني إسرائيل، وهذه السورة حافلة بالقصص لما فيه من العبر، والقرآن هنا لا يضع النقاط على الحروف، لا يذكر أين وقعت هذه القصة، ولا في أيّ زمان وقعت، ولا من هم أصحابها، القرآن ليس كالتوراة في مثل هذه الأمور؛ لأنَّ المهمة التي يقصدها القرآن من سرد القصص، ليس الإحاطة بالوقائع وزمانها ومكانها وأشخاصها، القرآن ليس كتاب تاريخ، إنَّه يَذْكُرها للعبرة، لالتماس العظة، فمن هنا ذكر هذه القصة بهذا الإجمال.
{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ}، كانوا جموعًا كثيرة، وخرجوا من الديار حذر الموت، خافوا من الوباء، خافوا من الجهاد، أرادوا أن يفروا، ولكن الموت الذي فروا منه واجههم، ووجدوه أمامهم، قال الله لهم: موتوا؛ لأنَّ أحدًا لا يفر من الموت {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ}[النساء: 78]، كما قال ذلك الأعرابي لابنٍ له وقد فرَّ من وباء كان في قريته، وفي الطريق أرهقه التعب، فنام تحت شجرة يستريح، فلدغته أفعى فمات، فقال:
راح يبغي نجوة من هلاك فهلك
والمنايا راصدات للفتى حيث سلك
كلُّ شيء قاتلٌ حين تلقى أجلك
لا يفرُّ الإنسان من الموت، هؤلاء الذين فرُّوا من الوباء أو الجهاد، ما كان ينبغي لهم، ولذلك أراهم الله آية وأماتهم، قال لهم: {مُوتُوا}، وأَمْرُه سبحانه بين الكاف والنون فماتوا، ثمَّ أراد الله أن يُري الناس آية أخرى، فأحياهم، والإحياء والإماتة من الله سبحانه وتعالى، وهو قادر على أن يحيي كما أحيا الناس أول مرة، وهو قادر على أن يحييهم بعد ما أماتهم وهو أهون عليه، وهذا يعطي الناس عبرة، ويقرب لهم مسألة البعث والنشور، {فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}، إنّ الله ذو فضل على الناس؛ حيث ينبههم لمثل هذا القصص، يُذكرهم إذا غفلوا، ويُعلمهم إذا جهلوا، ويُبصرهم إذا عموا، يذكر لهم هذه العبر، ويريهم هذه الآيات، وهذا من فضل الله تعالى على الناس، وما أعظم فضل الله تعالى على الناس، وما أكثر نعمه على الناس، {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ}، كان على الناس أن يقابلوا النعمة بالشكر، ولا يقابلوها بالكنود أو الكفران، ولكن الذي يؤسف حقًّا، والذي ينقطع له نياط الفؤاد، أنَّ أكثر الناس لا يشكرون! القليل من الناس فقط هم الذين يشكرون، ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}[سبأ: 13].
نسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعلنا من الشاكرين، إنَّه سميعٌ قريب، وصلِّ اللهمَّ على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والسلام عليكم ورحمة الله.