الأمن والسعادة والفلاح شرطها الإيمان الذي يتحقق بالتوحيد الخالص
محليات
09 يونيو 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال فضيلة الشيخ حسين بن عبدالعزيز آل الشيخ: إن الأمن والأمان الشامل والسعادة والفلاح في الدنيا والآخرة تتحقق بالإيمان بالله ربا والإسلام دينا ومحمد صلى الله عليه وسلم رسولا، وبين بخطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أمس أن شرط الأمن هو الإيمان الذي يتحقق بالتوحيد الخالص الصافي.
وأوضح آل الشيخ إمام وخطيب المسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة أن الفلاح الدنيوي والأخروي إنما يكون في الاتجاه إلى الرحمن وتحقيق تقوى الله جلا وعلا وطاعته والحذر من مزالق حب الدنيا أو أن تؤثر على تقوى الله جلا وعلا بنقص أو تفريط يؤثر على هذه الحقوق اللازمة، وأن أشد الأمور خطرا على العبد أن يُزهق أرواحا بريئة أو أن يهتك أعراضا نقية أو أن يسلب حقوقا مرئية أو أن يقع في ظلم للخلق بأي وجه من الوجوه من أجل دنيا فانية ومتاع زائل، وأن من أقبح الأفعال فعل يبعد عن رضا رب العالمين سبحانه لأجل دنيا حقيرة وعَرَضٍ زائل، مشيراً إلى قوله تعالى: «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى» وقد قال عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما: تكفل الله لمن اتبع هدى الله ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. والمعنى أن من اتبع الهدى واستقام على الحق الذي بعث الله به نبيه محمدا -عليه الصلاة والسلام- فإنه لا يضل في الدنيا بل يكون مهتدياً مستقيماً ولا يشقى في الآخرة بل له الجنة والكرامة. وهدى الله هو ما دل عليه كتابه العظيم (القرآن) وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام, من فعل الأوامر وترك النواهي وتصديق الأخبار التي أخبر الله بها ورسوله، والإقامة عند حدود الله وعدم تجاوزها.
العمل الصالح
وبين آل الشيخ أن الحياة الهنية الرضية إنما هي العيش في ظل العمل الصالح، والله تعالى يقول: «مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»، أنها الحياة التي جعلت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «... جعلت قرة عيني في الصلاة»، موضحا أن حب المال وحب الشرف إذا لم يكن محكوما بطاعة الله جل وعلا فإنه يكون من مفسدات الدين والعياذ بالله، وأن من يقدم على إفساد دينه لأجل دنياه من أجل مال أو حرص على منصب أو وظيفة فهو ساعٍ في هلاك نفسه عاجلا أو آجلا، سنة إلهية ماضية لا تتبدل ولا تتغير، مؤكداً أن السعادة الحقة التي تطيب بها الدنيا وتطمئن بها القلوب وتزكوا بها النفوس هي تلك التي يبينها ويكشف عن حقيقتها الكتاب الحكيم والسنة الشريفة بأوضح العبارة وأدقها وأجمعها في الدلالة على المقصود، وقد أرسل الله رسله وأنزل كتبه ليرشد الناس إلى سبل تزكية أنفسهم وإصلاح قلوبهم وليبين لهم أن ذلك الأمر لن يتحقق إلا حين يؤدى حق الله عليهم في إخلاص العبودية له, إذ هي الغاية من خلقه لهم: « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ».
أسباب السعادة
وقال آل الشيخ: إن الكل ينشد الفلاح في الدنيا والآخرة، وتتطلَّع النفوس إلى ما تنشرح له وتطمئنّ به، وتتوق القلوبُ إلى ما ترتاح به وتأنَس إليه، وتتشوَّق الأبدان إلى ما تسعَد به وتهنأ في محيطه، وقد تكلم المفكِّرون قديمًا وحديثًا عن أسباب تحسين تلك المطالب وكيفيّة تحقيق تلك المقاصد، والأمة الإسلامية اليوم على مستوى الأفراد والمجتمعات وهي تعيش حياة الاضطراب والقلَق وعدم الاطمئنان والاستقرار في ضرورةٍ إلى تحقيق ما تحصِّل به حياة طيّبة وعيشة راضية وعاقبة حميدة، في حاجة هي أشدُّ من كلّ حاجة إلى حياة تنشرح فيها القلوب وتطمئن معها النفوس ويرتاح فيها البال وتأنَس معها الأبدان، بل البشرية اليوم في ضرورة إلى أن تعِي حكمة إيجادها وأن تعلم أنّه مهما أوتِيَت من أسباب التقدم وعناصر الرّقيِّ فلن تجدَ للسعادة سُلَّمًا ولا للحياة الطيّبة سببًا إلا فيما ارتضاه للبشريّة خالقُها، وفيما جاءت به رسالة ربها على خاتم النبيين وسيد المرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
وأكد آل الشيخ أن الإيمان الكامل بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً هو الأساس لتحصيل ولاية الله التي هي سُلَّم السلامَة والأمن في الدنيا والآخرة كما قال ربنا جل وعلا: « إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ»، وكما قال سبحانه: « أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ»، ولهذا فمَن حقَّق ذلك تولاه الله جل وعلا وأخرجَه من الظلمات بصرفِه عنها أو صرفِها عنه كما قال سبحانه: «اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ»، والإيمان بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا قولا وفعلا، إيمان يستقر بالنفوس ويصدقه العمل، تطبيقا لقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ».
الأمن الشامل
وقال آل الشيخ: إن الأمن الشامل لا يتحقق إلا بالإيمان، وسواء في ذلك الأمن السياسي أو الاقتصادي أو الفكري والأمن من الأعداء والأمن من الشيطان، وقد بين الله تعالى أن شرط الأمن هو الإيمان الذي يتحقق بالتوحيد الخالص الصافي، وإننا ونحن نتكلم عن حقائق التوحيد والإيمان، وأنها هي الأسباب الحقيقية لتحقيق السعادة والأمن، فلا شك أن الأمن أهم مطالب الحياة، وهو ضرورةٌ لكل جهد بشري لتحقيق مصالح الأفراد والمجتمعات وأهدافها وتطلعاتها، ولا تزدهر حياةٌ وتسعَد نفوس ويهنأ عيش إلا بالأمن والاستقرار، وهو بإذن الله جلّ وعلا متحقِّق لأهل التوحيد والإيمان والطاعة والاستقامة كما قال جل وعلا: «الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ»، ومِن هذا جاءت تحذيراتُ الشريعة القاطعة «وأصولها» الجامعة بالنهي الأكيدِ والتحريم الشديد عن كلّ عدوان وإفسادٍ يخل بالأمن أو يؤثر على الاستقرار، قال جل وعلا: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا»، وقال جل وعلا: «وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ».
شهر رجب
وبين آل الشيخ أن شهر رجب من الأشهر الحرم, وهو شهر عظيم عند الله تعالى، ويجب على المسلم أن يشغله بطاعة الله والمسارعة بالخيرات والسعي لرضاه سبحانه، ولكن لم يثبت أن هذا الشهر خص بعبادة خاصة من صلاة أو صيام كما ورد في المذاهب، مشيراً إلى أن ما انتشر من الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج بدعة ولم يثبت الاحتفال بهذه الليلة، ولم يثبت أن حادثة الإسراء والمعراج حدثت ليلة السابع والعشرين من رجب، ولو ثبت فلا يجوز الاحتفال بهذه الليلة، وندب للمسلمين إلى الإكثار من الصلاة والتسليم على النبي العظيم محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي نهاية الخطبة دعا آل الشيخ الله الحي القيوم أن يحفظ المسلمين في كل مكان، وأن يهيئ لهم أمرا رشدا وحكما سديدا، وأن يعصمهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وخص بالدعاء المسلمين في سوريا وفلسطين وليبيا واليمن وتونس وسائر بلاد المسلمين.
وفضيلة الداعية حسين بن عبدالعزيز بن حسين آل الشيخ إمام وخطيب المسجد النبوي بالمدينة المنورة, وقاض بالمحكمة الكبرى بالمدينة، نشأ في طلب العلم صغيراً، وبعد أن درس المتوسطة والثانوية، التحق بكلية الشريعة بالرياض، وتخرج فيها بتقدير ممتاز، ثم التحق بالمعهد العالي للقضاء ونال فيه درجة الماجستير بتقدير ممتاز أيضاً، وكانت الأطروحة بعنوان: (أحكام الإحداد في الفقه الإسلامي) ولا يزال ينتظر مناقشة أطروحة الدكتوراه المقدمة بعنوان: (القواعد الفقهية للدعوى). وتتلمذ آل الشيخ على عدد من المشايخ، فأخذ التوحيد وزاد المعاد عن الشيخ فهد الحميد، والفقه والحديث عن الشيخ عبدالله الجبرين، والفقه أيضاً عن الشيخ عبدالعزيز الداود، كما أخذ عن الشيخ عبدالله الغديان قواعد الفقه وبعض الدروس الأخرى، وحضر دروس الشيخ عبدالعزيز بن باز. وقام آل الشيخ بإلقاء العديد من الدروس العلمية في الفقه والتوحيد والحديث والقواعد، بالإضافة إلى بعض المحاضرات في الجامع الكبير وغيره بالرياض، كما عين ملازماً قضائياً عام 1406هـ ثم قاضياً عام 1411هـ في المحكمة الكبرى بنجران، وفي عام 1412هـ تم نقله إلى المحكمة الكبرى بالرياض، ومكث فيها إلى أن انتقل في 25/8/1418هـ إلى المحكمة الكبرى بالمدينة المنورة، صدر بعدها الأمر السامي بتعيينه إماماً وخطيباً للمسجد النبوي الشريف في 1419هـ، وله بعض البحوث العلمية التي لم تنشر ومنها بحوث قضائية وجنائية ورسالة كبيرة في أحكام السلام، وأحكام يوم عاشوراء.