الأربعاء 6 ذو القعدة / 16 يونيو 2021
 / 
07:33 م بتوقيت الدوحة

د. هلا السعيد: ذوو الإعاقة جعلوني أحبّ الخير والحياة

أمير سالم

الأحد 09 مايو 2021

سفيرة النوايا الحسنة: استقبلت رمضان في «الإنعاش».. ودعاء الطيّبين أنقذني من الموت
أسعى لتحويل الألم إلى أمل.. والمحنة إلى منحة.. والإعاقة إلى طاقة
«أصحاب القدرات» موهوبون.. وابنتي «دانيا» المعاقة سمعياً فنانة تشكيلية 
أحاول نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية وأعتبر نفسي مبتدئة في المجال

لا تزال تفاصيل أول محاولة لصيام شهر رمضان المبارك عالقة في ذهن ووجدان الدكتورة هلا السعيد، سفيرة النوايا الحسنة وخبيرة التربية الخاصة، واستشارية التوحّد، ومديرة مركز الدوحة العالمي لذوي الإعاقة.
لم تنسَ مكافأة والدها في هذا اليوم المشهود، وتشعر بامتنان كبير لذوي الإعاقة، وترى أنهم جعلوها تحب الخير والحياة، وأن قلوبهم الطيبة ودعواتهم المخلصة كانت سبباً في لطف المقادير بها، بعد أن كادت تفقد حياتها بأزمة قلبية عنيفة استدعت تدخلاً جراحياً دقيقاً.
لا تزال د. هلا السعيد في طور النقاهة من الأزمة، لكنها تخطط لمرحلة جديدة محورها ذوو الإعاقة، سعياً لمواصلة مسيرتها المتفردة علماً وواقعاً في تفجير طاقاتهم ومواهبهم وأن يكونوا فاعلين في المجتمع.
تمتلك هلا رغبة صادقة وعزيمة لا تقهر، تستذكر ما حققته من إنجاز في هذا المجال، قبل أن تمضي لاجتياز التحدي، بتحويل الألم إلى أمل والمحنة إلى منحة والإعاقة إلى طاقة، انطلاقاً من عقيدة راسخة بأن ذوي الإعاقة يستحقون القتال من أجلهم، لأنهم يستحقون الحياة، ورغبة منها في أن تضاعف جهودها الخيرية والإنسانية التي تجعلها أقرب إلى الله. 

* من أين نبدأ؟
- من السعودية.. كان والدي يشجعنا على الصيام، بأن يجعل لمن يصوم اليوم كاملاً هدية كبيرة، وهدية أقل لمن يصوم نصف اليوم، وقد نجحت وعمري 3 سنوات في صيام نصف اليوم فأعطاني هدية، وكنت أجلس معه وإخوتي ليشرح لنا القصص القرآني، ويسألنا عم استفدنا وكيف نساعد الفقراء وأن نداوم على فعل الطاعات، وقد طبقت الطريقة ذاتها مع أبنائي وأحفادي حتى أغرس حب العبادات في وجدانهم، لأنهم من الجيل الجديد المشغول بالإنترنت والفضائيات والسوشيال ميديا والمدارس الأجنبية.

* ماذا إذاً عن آخر رمضان؟ حدثيناً عن إنجازات 2020. 
- مع انتشار فيروس كورونا «كوفيد - 19» وما تلاه من إجراءات الحجر المنزلي، كثفت اهتمامي بأسرتي واستكمال البرامج التدريبية «أون لاين» لأطفال المركز وأسرهم، وبالفعل صممت مناهج جديدة، واستكملت 3 كتب عن المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي والدعم النفسي لمرضى السرطان، كما نفذت حملات توعوية على السوشيال ميديا ووسائل الإعلام حول الالتزام بالإجراءات الاحترازية، وشاركت بحملات «القدس تنادينا» ودعم مرضى السرطان، وركزت اهتمامي على ابنتي دانيا الفنانة التشكيلية متحدية الإعاقة بنقل مرسمها للبيت، وكنت أجلس معها وهي ترسم حتى لا تشعر بالوحدة.

* ماذا عن الوعكة الصحية العنيفة مؤخراً؟!
- لم تكن بحساباتي، ولم أتوقع يوماً أن يتحول قلبي إلى نقطة ضعف، خاصة أنني أمارس الرياضة وأحب الحياة، ولا أعاني من أمراض، ولكنه كاد يتوقف للأبد دون سابق إنذار، فبعد أن اختتمت المؤتمر العربي لاضطراب طيف التوحّد بدأت أشعر بألم حاد في الصدر والقلب، نقلت على أثره للمستشفى مصابة بجلطة بالقلب، ودخلت غرفة العمليات وفوجئ الأطباء بتوقف القلب عن النبض قبل أن يعود للحياة بعد محاولات إنعاش ناجحة.

* ماذا دار بخلدك وقتها؟
- كان صوت الأجهزة التي تربطني بالحياة يحاصرني داخل العناية المركزة، ومرت تفاصيل حياتي أمامي أشبه بفيلم روائي.. حاورني ابني المتوفى، يدعوني للصبر والصمود، وشاهدت أبنائي من ذوي الإعاقة، وهم يحضنونني وعلى وجوههم فرحة مدهشة، شاهدت أسرهم وهم يقولون لي: «أنت قدوتنا.. وأنت غيّرت حياتنا بنجاحك في دمج أولانا».. وشاهدت الأيتام الذين أكفلهم، وهم يقولون: لا تتركينا.. وشاهدت ابنتي دانيا وهي من ذوي الإعاقة تبكي، وتقول: لا ترحلي، كما مرت أمامي التحديات العظيمة التي واجهتها بنجاح. 

* هل شعرت بالاستسلام وأنت على شفا الخطر؟ 
- كنت أسمع الأطباء وأسرتي يقولون إن الضغط المتواصل بالعمل وراء ما حدث لك، يجب أن تتوقفي، وأن يغلق المركز الذي أديره، حين أصبحت قادرة على الرد رفضت الاستسلام لهذه الدعوة؛ لأنني وعدت ابني قبل وفاته بيوم أنني لن أغلق المركز، ولن أسمح لأحد أن يقرر لي، لأن الله أنقذني بدعوات أطفال المركز الصادقة وأسرهم، وكتب لي عمراً جديداً حتى أواصل دوري ومهمتي، في التخطيط للمرحلة المقبلة، إلى جانب مضاعفة جهودي المجتمعية. 

* لكل معركة نتيجة.. بماذا خرجت من المحنة؟ 
- خرجت أقوى عزماً على العمل.. كان الموت قريباً مني ولكن الله أنقذني، وأدركت أنه كان رحيماً بي، وحماني مما هو أكبر وأخطر.. واعتبرت هذه الوعكة تحدياً جديداً في مسيرة العمل المهني والإنساني. 

* هل كنت تفكرين يوماً بأن تكوني خبيرة في مجال الإعاقة؟ 
- في بداية مشواري كان حلمي العلمي أن أصبح طبيبة، أو معالجة نفسية أساعد كل مريض، وأن أصبح استشارية، ولكني حصلت على ماجستير في التوحّد، ودكتوراة في الدمج، ووصلت إلى درجة أستاذ ثم بروفيسور في التربية الخاصة، حتى أصبحت مؤلفاتي تدرّس بالجامعات، كما ألفت 18 كتاباً متخصصاً في التربية الخاصة، وتحقق حلمي بأن أفتح مركزاً متخصصاً لذوي الإعاقة، ينافس المراكز العالمية، وأن يكون لي مدرسة عالمية تطبق الدمج الصحيح، وبفضل الله أصبح المركز في الصفوف الأولى عالمياً.. وما زال للحلم بقية بمواصلة التميز والتطور لخدمة ذوي الإعاقة.

* ما الذي دفعك لهذا الاتجاه؟!
- شخصيتي تميل إلى فعل الخير ومساعدة غير القادرين، بالإضافة لابنتي دانيا المصابة بإعاقة سمعية، دفعتني للتخصص بالمجال وفتح المركز لمساعدة ذوي الإعاقة وأسرهم وكل من يحتاجني.

* تظهرين اهتماماً بالمسؤولية المجتمعية.. ولا يبدو أن هناك رابطاً مع التخصص في مجال الإعاقة؟!

- بالعكس، المسؤولية المجتمعية لا تنفصل عن تخصصي في الإعاقة، وقد حصلت على شهادة دولية في المسؤولية المجتمعية وأخرى في التنمية المستدامة وبرمجتها لخدمة ذوي الإعاقة، فخدمة هذه الفئة مسؤولية مجتمعية تقع على عاتق كل من يتعامل معهم، وقد نلت وثيقة التميّز وتم اختياري ضمن 100 شخصية عربية أكثر تأثيراً في مجال المسؤولية المجتمعية لعامي 2019 و2020.
فالمسؤولية المجتمعية نظرية أخلاقية، وليست وليدة اليوم، بل هي ثقافة أصيلة في الإسلام، حث عليها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». 

* هل أنت إذاً تعتبرين المسؤولية المجتمعية مهمة في مجال الإعاقة؟
- في إطار مسؤوليتي تجاه المجتمع، سلطت الضوء على فئات ذوي الإعاقة، بحكم تخصصي العلمي والعملي، ورؤيتي أن هذه الفئة في واقع الأمر من ذوي القدرات الخاصة، وهم بحاجة إلى أن تتبناهم الجهات الممارسة لهذه المسؤولية، من خلال تقديم الخدمات المختلفة، واكتشاف الإيجابيات لديهم، إذ يتمتعون بالروح الوطنية العالية، والحماس للإبداع والإنتاج والإسهام في البناء، وقد أثبتوا بجدارة عبر التاريخ كفاءتهم وقدرتهم في مختلف المجالات، وأنهم فقط بحاجة لإظهار هذه الإيجابيات، من خلال ممارسات المجتمع للمسؤولية المجتمعية. 
وانطلاقًا من دوري في نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية لذوي الإعاقة، وتعزيز تطبيقاتها في الوطن العربي نشرت كتابي الجديد «المسؤولية المجتمعية ودورها في تنمية وتحقيق الاستقرار في المجتمعات».

* ماذا عن الهدف الرئيسي من الكتاب؟ 
- إن المسؤولية المجتمعية أصبحت اليوم تشكل رقماً مهماً في معادلة التنمية والبناء، وعنوان تقدم المجتمعات ورقيها، مما يحتم النهوض بواقع المسؤولية المجتمعية في مجتمعنا العربي، وطرح الوسائل والسبل التي من شأنها إعادة مفهومها إلى الواقع التطبيقي.

* عن منصب سفيرة النوايا الحسنة.. ماذا قدمت؟!
- كان حصولي على لقب سفيرة النوايا الحسنة حلماً يراودني لسنوات.. وسعيت جاهدة لتحقيقه بخدمة ذوي الإعاقة والإنسانية إجمالاً.. وكان من شروط حصولي على اللقب أن تكون أعمالي موزعة بجميع الدول العربية والأجنبية، علماً بأن هذا اللقب الذي يمنح من «اليونسكو» لا يُشترى بالمال، ولكن وفق سيرة ذاتية حافلة بالإنجازات والأعمال الإنسانية، وما حققته من ألقاب في المجال، مع تقديم جميع الإنجازات والمبادرات الإنسانية بالدول التي شاركت بها مثل فلسطين، الجزائر، اليمن، لبنان، سوريا، الأردن، السودان، مصر، الكويت، عُمان، قطر، جيبوتي، كينيا. 
وتشمل هذه المبادرات ذوي الإعاقة والغارمين والأيتام والمسنين، وضحايا الحروب، ومرضى السرطان. 

* هل تشعرين بالرضى عن جهودك في مجالي الإعاقة والمسؤولية المجتمعية؟
- للأسف لم أصل لمرحلة الرضى الكامل.. وأتطلع إلى المزيد،، وما زلت أجد نفسي مبتدئة بالعمل في المسؤولية المجتمعية والأعمال الخيرية، وأحتاج إلى بذل الكثير من أجل ذوي الإعاقة، وأسال الله تعالى أن يمنحني القوة والقدرة للوصول إلى كل ما هو مفيد لذوي الإعاقة وأسرهم، وسوف أعمل لإرضاء الله أولاً وذاتي ثانياً، سعياً لتحويل الألم إلى أمل والمحنة إلى منحة والإعاقة إلى طاقة، وما دام في العمر بقية سوف أواصل مسيرة بدأتها قبل 18 عاماً في المبادرات والأعمال الخيرية، وطالما لم تتوقف جهودي بعد فتح المركز المتخصص لذوي الإعاقة، ومنحي لقب سفيرة النوايا الحسنة، سوف أتطلع لمزيد من الأعمال والمبادرات. 

* هل غيّر تعاملك المباشر مع ذوي الإعاقة نظرتك للحياة؟!
- بالفعل، هم أصحاب فضل كبير في تغيير حياتي وأحلامي وطموحاتي واتجاهاتي للأفضل، يكفي أنهم جعلوني أكثر إنسانية وإحساساً بالآخرين، حتى أصبحت أجد سعادتي في رسم الفرحة على وجوههم، وهي عندي أغلى من القصور والسيارات الفارهة والذهب والألماس، وكم بكيت وأنا أتابع نجاح جهودي في دمج الأطفال ذوي الإعاقة، وفي «جبر الخواطر».

_
_
  • العشاء

    7:56 م
...