سياسة إسرائيل هي الحرب

alarab
حول العالم 09 مايو 2015 , 02:20ص
هآرتس
في مناطق الضفة وفي غزة، تجري لسنوات طويلة حرب ليست استمرارا للسياسة، بل هي السياسة نفسها. ولما كانت أجندة حكومات إسرائيل منذ عشرات السنين لا تتجه إلى حل النزاع، وتكتفي باتهام الطرف الفلسطيني، تبين أن الحرب لا تستهدف تحقيق تسويات تؤدي إلى الاستقرار والأمن، بل إن الحرب هي الوضع الدائم.
ولما كانت غزة -حتى بعد فك الارتباط- ليست دولة ذات سيادة، وإسرائيل لا تزال تسيطر على المجال الجوي والبحري والمعابر البرية باستثناء معبر رفح، فمن المنطقي استمرار عدم الاستقرار لسنوات طويلة أخرى.
إن ما يسمى بـ «الجرف الصامد»، أقسى حروب غزة وأطول حروب إسرائيل (باستثناء حرب الاستقلال). وفي هذه الحرب سجل ارتفاع كبير في عدد القتلى بين جنود الجيش الإسرائيلي، بالنسبة للحربين السابقتين: الرصاص المصبوب وعمود السحاب. أما عدد القتلى بين الفلسطينيين في القطاع فقد ارتفع عن 1400 في الرصاص المصبوب إلى نحو 2200.
ونشر مؤخرا تقرير جديد لمنظمة «نحطم الصمت» وفيه مئات الشهادات للجنود الذين شاركوا في القتال في الصيف، من شمال القطاع وحتى جنوبه، ويأتي بصورة من زاوية حيوية غابت عن ناظر الجمهور. الشهادات نفسها ليست «صادمة» بقدر ما تفيد بمزايا القتال في نطاق مساحته 365 كيلومترا مربعا ويسكن فيه باكتظاظ -أو عمليا يحبس فيه- نحو 1.8 مليون نسمة.
إحدى الشهادات تقول: «نحن نعرف أننا ندخل إلى البيت ويمكن أن يكون فيه الأطفال، ولكن ستأتي دي 9 (جرافة مجنزرة) لتسوي البيت. فهمنا بسرعة أن كل بيت نخرج منه، تأتي دي 9 وتدمره».
وأضاف: «كانت بيوت قادة الكتائب وقادة السرايا (لحماس) أهدافا مختلفة تعرضت للهجوم من الطائرات القتالية.. وعندما تنسحب القوات البرية كان سلاح الجو ببساطة يهاجمها».
إحدى المزايا المركزية التي تتبين من الشهادات هي هدم البيوت، سواء بالجرافة أم بالقصف من الجو، فور خروج القوات منها. فالقتال في أرض مبنية هو أخطر أنواع القتال. وإرسال وحدات كاملة لاحتلال البيوت يعرض حياة الجنود للخطر، وإذا خرج الجنود بعد ذلك فإن الجيش يدمر البيت وأحيانا الحارة بأسرها، مما يثير التساؤل حول ضرورة المخاطرة بحياة الجنود، في معركة هي عمليا معركة زائدة لا داعي لها.
من قراءة الشهادات يتبين أنه: مع أن حياة المدنيين الفلسطينيين كانت زهيدة، ولكن حياة جنود الجيش الإسرائيلي أيضاً لم تكن في رأس اهتمام مقرري السياسة.
لقد أصبحت جباية الثمن المدني أمرا مركزيا في القتال في غزة الصيف الماضي، ويتضح الأمر من الشهادات. فإضافة إلى قصف المنازل المكثف، حيث قتل مئات المدنيين الفلسطينيين، شهد الجنود على قصف أحياء بأسرها في اللحظة الأخيرة قبل وقف النار.
مثل هذه الأمور معروفة في حرب شاملة، يكون فيها استقرار خط الحدود قبل لحظة من وقف النار حيويا لإنجازات المعركة، بل وأحيانا للاتفاق المستقبلي. أما في هذه الحالة فإن قصف الأحياء المدنية قبل لحظة من وقف النار لا يستهدف سوى إلحاق الخسائر.
من هذه الشهادة ومن شهادات أخرى في التقرير، تتضح صورة قتال ليس له أهداف حقيقية ولا حتى استراتيجية قتالية واضحة. عمليا، كان إلحاق الكثير من الخسائر قدر الإمكان بالفلسطينيين، بمن فيهم المدنيون، حتى بثمن موت الكثير من الجنود، هو الاستراتيجية الوحيدة الحقيقية.
حملة «الجرف الصامد» هي حلقة في سلسلة الحروب التي تخلق عدم الاستقرار في غزة، والتي بدأت قبل سيطرة منظمة حماس على القطاع بل وقبل فك الارتباط. عدم الاستقرار هو خطوة استراتيجية لحكومات إسرائيل التي عملت على فصل القطاع عن الضفة. وبشكل غير مباشر أسهمت في تعزيز حكم حماس في غزة وإبعاد الوحدة الفلسطينية التي كانت تمنح لفتح إمكانية العمل في غزة وتقلص المس بنشوء مجتمع مدني فلسطيني. سياسة إسرائيل في غزة هي حرب دائمة (مع توقفات)، بلا استراتيجية خروج من القتال.